عمرو هاشم ربيع

عمرو هاشم ربيع

 

أولا: سلطات الدولة
ثانيًا: الدستور وحقوق وواجبات المواطنين
ثالثًا: الإدارة
رابعًا: المؤسسات الأمنية
خامسًا: المؤسسات غير الرسمية
سادسًا: معالجة البرامج لبعض القضايا الجوهرية

تتناول هذه الورقة قضايا بناء الدولة والنظام الديمقراطي في البرامج المكتوبة لمرشحي انتخابات الرئاسة المصرية، وقد بلغ عدد هؤلاء أحد عشر مرشحا بعد تنازل اثنين تنازلا سياسيًا، هما عبد الله الأشعل ومحمد عيسى. 

القضايا المشار إليها تشتمل على عدة أمور تتعلق بسلطات الدولة، ووضع الدستور والحقوق والواجبات، والإدارة، والمؤسسة الأمنية، والمؤسسات غير الرسمية، إضافة إلى معالجة بعض المشكلات والقضايا كالفساد وحقوق المسيحيين وحقوق المرأة.

أولا: سلطات الدولة
تتباين رؤى مرشحي الرئاسة بشأن سلطات الدولة، سواء فيما يتعلق بالعلاقة بين تلك السلطات، أو مهامها.

لم يتبن أحد من المرشحين النظام البرلماني، فالنظام الرئاسي أو المختلط هو النظام المفضل لديهم، وهو أمر يبدو طبيعيا، لأنه يحدد سلطات أكبر مدى لرئيس الدولة

1- العلاقة بين السلطات: تتباين مواقف المرشحين في برامجهم، وفي هذا الصدد يلاحظ أن برنامج أبي الفتوح يؤكد على النظام المختلط الذي يجمع بين النظامين الرئاسي والبرلماني، بما يسمح بتوزيع السلطات والفصل بينها. وقريبًا من نفس النهج سار خالد علي، الذي أكد على أن مؤسسة الرئاسة ستقود التغيير مدعومة بالمنظمات التمثيلية الديمقراطية. أما موسى، فيطالب بنظام رئاسي، وأما صباحي ومرسي وخير الله فهم يلمحون إلى النظام الرئاسي بإشارة الأول للفصل بين السلطات، والثاني لتكامل السلطات واستقلال كل سلطة في أداء دورها، والثالث للفصل والتوازن بين السلطات.

على هذا الأساس، يتبين أن كافة مقدمي البرامج لم يتبن أحد منهم النظام البرلماني، وكان النظام الرئاسي فالمختلط هو النظام المفضل لديهم، وهو أمر يبدو طبيعيا، لأنه يحدد سلطات أكبر مدى لرئيس الدولة. حتى أبو الفتوح الذي طرح النظام المختلط، تبين من طرحه أنه يميل إلى أن يكون المزج لصالح النظام الرئاسي.

2- مهام سلطات الدولة: تتوزع تلك المهام كما يلي.
أ- السلطة التنفيذية: بداية لا يوجد أحد من المرشحين أشار إلى سلطة الرئيس في تأليف وعزل الحكومة أو سلطته بحل البرلمان، وهو أمر يبدو أنه يرتبط بعدم الرغبة في إغضاب الإخوان المسلمين بسبب مواقفهم الراهنة بشأن حكومة الجنزوري.

القول السابق يسري على كافة البرامج التي تطرقت لهذا الموضوع، باستثناء برنامج مرسي الذي أكد على حكومة ائتلافية قائمة على شعار المشاركة لا المغالبة. والمعروف أنه لدى الكثيرين شعار معكوس التطبيق. على أية حال، فقد أقر برنامج أبي الفتوح بحكومة شعارها الحكومة في خدمة الشعب، وهو يتعهد بأن يكون تشكيلها وعملها يعتمد على معيار الكفاءة والنزاهة. وفي حين يكتفي صباحي بالتأكيد على قيام دولة المؤسسات، يرى موسى أنه خلال الـ100 يوم الأولى ستتألف حكومة جديدة تحوز ثقة الشعب، لكنه كما سبق القول لم يحدد من سيشكلها؟ وممن؟ وقد تناول برنامج موسى ما وصفه بوجود ورش عمل رئاسية من المتخصصين تنعقد في الـ100 يوم الأولى ترفع توصياتها للحكومة لتسنها في صورة تشريعات. أما برنامج خالد علي، فهو يرى ضرورة إعادة الكفاءة إلى الأداء التنظيمي للحكومة وسط غابة التشريعات القائمة، وتطوير أسلوب إصدار القرارات الحكومية. 

ب- السلطة التشريعية: يقر أبو الفتوح بضرورة التعاون مع كافة المؤسسات السياسية التمثيلية المنتخبة. وهو يرى ضرورة الرقابة الشعبية على أعمال البرلمان، بما فيها سحب الثقة من عضو البرلمان أثناء الفصل التشريعي. ويعطي برنامج صباحي الحق الكامل لتلك السلطة في ممارسة دورها التشريعي والرقابي. ويشير مرسي إلى ضرورة إعادة صياغة التشريعات الحاكمة للعلاقة بين المؤسسات، وحسام إلى منح الفرصة للبرلمان لتحقيق أهدافه، وخالد علي إلى إنهاء المعوقات التشريعية لتحقيق أهداف الثورة، وموسى إلى أن إدارة شؤون البلاد يجب أن تأخذ في الاعتبار الدور التشريعي والرقابي للبرلمان والتعاون معه للوصول لوفاق وطني. 

ج- السلطة القضائية: تراوحت رؤى المرشحين في برامجهم بين استقلال القضاء ودوره المنوط به بأشكال مختلفة. هنا يشدد أبو الفتوح على تنفيذ الأحكام "الباتة والنهائية"، وتعديل قانون السلطة القضائية بموافقة القضاة. ويقر صباحي استقلال القضاء بشكل مجرد ومبتسر، وخير الله المراجعة القانونية للتشريعات لضمان دستوريتها، وخالد علي توفير الموارد للقضاء لإنفاذ ذلك. أما الـ100 يوم الأولى لدى موسى ففيها ستتحقق العدالة الناجزة، وبعد 9 أشهر ستزال العوائق نحو تحقيق القصاص العادل، لكن موسى لم يحدد ممن سيكون هذا القصاص.

لم يتوقف بعض مرشحي الرئاسة أمام مسألة الدستور، رغم أنها القضية الشائكة على الساحة السياسية الآن، لكن بعضهم تحدث عن حقوق وواجبات المواطنين

ثانيًا: الدستور وحقوق وواجبات المواطنين
لم يتوقف بعض مرشحي الرئاسة أمام مسألة الدستور، رغم أنها القضية الشائكة على الساحة السياسية الآن، لكن بعضهم تحدث عن حقوق وواجبات المواطنين. فأبو الفتوح أكد على أن إقرار دستور حضاري من أولى مهامه، وأن وضع هذا الدستور سيتم عبر إجماع وطني، وهو دستور يرسي قواعد سيادة الشعب والحريات والديمقراطية، ويرسخ حقوق المواطنين المدنية، وذلك بغرض بناء دولة ديمقراطية منطلقة من الشريعة الإسلامية ومتوافقة مع القيم والشرائع السماوية.

وذكر البرنامج ما سمي بـ"الديمقراطية التشاركية" وهي نمط قائم على مشاركة المواطن في اتخاذ القرار، لكن البرنامج لم يوضح وسائل هذا التشارك.

وبالنسبة لبرنامج خير الله، فقد أشار إلى ضرورة وضع دستور توافقي، وأن الشريعة هي المصدر الرئيس للتشريع. أما موسى، فتناول برنامجه الدستور، مشيرًا إلى حق البرلمان في الرقابة والتشريع وإقرار الموازنة. وعلى عكس مرسي الذي لم يتطرق برنامجه إلى مسألة الدستور، أو لكون الشريعة مصدرًا للتشريع!! أشار برنامج موسى إلى أن "المبادئ العامة" للشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيس للتشريع، وأن للآخرين الاحتكام إلى شرائعهم، كما تناول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطن. على أن برنامج مرسي أوضح مقابل دعوة أبي الفتوح إلى الديمقراطية التشاركية التي ذكرها قبل وضع الأول لبرنامجه بنحو شهر، أن نهضة مصر لن تتم على يد فصيل واحد أو جماعة واحدة.

ثالثًا: الإدارة
أكدت ثلاثة برامج فقط على اللامركزية في الإدارة، بينما تجاهلها الباقون. فبرنامج أبي الفتوح أشار إلى حتمية بناء إطار قائم على تفعيل سلطة المحليات من خلال الرقابة الشعبية، وأن تكون وحدات مستقلة مسؤولة عن التخطيط والتنفيذ في إطار السياسة العامة، وأقر بمنح المحافظين سلطات في عملية التنمية، وأن يترك للمحافظات ومجالسها المحلية إدارة شؤونها، وأن يكون رؤساء القيادات التنفيذية والمجالس الشعبية بالمحافظات حتى مستوى العمدة بالانتخاب.

وفي حين أقر برنامج صباحي بمجرد مراجعة القانون لتفعيل اللامركزية، ونص البرنامج بإيجاز شديد على تفعيل دور المجالس المحلية وسيادة الرقابة الشعبية، وانتخاب المحليات لمجالسها حتى مستوى العمدة، أقر برنامج خالد علي مجرد إصلاح المحليات من الداخل. أما برنامج موسى، فأشار إلى أنه في الـ100 يوم الأولى سيتم وضع نظام جديد كفء لإدارة الدولة، لكنه لم يوضحه. وذكر أنه خلال هذه الأيام سينتهي تهميش المحافظات والمناطق الساحلية المهمشة. لكنه كما فعل أبو الفتوح –وربما بشكل أكثر تفصيلا- أشار إلى ضرورة إعادة توزيع السلطات بين المركز والمحليات والعاصمة والأقاليم مشيرًا إلى حتمية القضاء على البيروقراطية والمركزية المفرطة، من خلال الرقابة الشعبية، وانتخاب المسؤولين التنفيذيين المحليين لمدة محددة لدورتين، يراقبهم منتخبون لمدد محددة في المجالس الشعبية. وتميز برنامج موسى بتأكيد ضرورة إعادة تقسيم المحليات في بعض المحافظات كي يكون لكل منها نصيب في الظهير الصحراوي.

اتفقت جميع البرامج التي تناولت الجيش بالاسم (أبو الفتوح/صباحي/خير الله/مرسي/خالد/موسى) على الدور الاحترافي للجيش، وكونه حامي حدود الوطن، وعلى حتمية تقويته بكافة السبل لصون أمن مصر

رابعًا: المؤسسات الأمنية
قسمت البرامج التي تناولت المؤسسات الأمنية تلك المؤسسات إلى الجيش والشرطة، وذلك على النحو التالي:
1- الجيش: تأثرت البرامج التي تناولت الجيش بدور القوات المسلحة في الفترة الانتقالية. هنا اتفقت جميع البرامج التي تناولت الجيش بالاسم (أبو الفتوح/صباحي/خير الله/مرسي/خالد/موسى) على الدور الاحترافي للجيش، وكونه حامي حدود الوطن، وعلى حتمية تقويته بكافة السبل لصون أمن مصر. وتميز برنامج أبي الفتوح بالنص على مسألة تنويع مصادر السلاح، وتميز برنامج خالد علي بإنهاء عسكرة الوظائف المدنية، وتميز بتشديده ليس فقط على عدم تسييس الجيش، بل والأهم استغلال قدراته الاقتصادية الراهنة في بعض المناحي، بنقل تلك القدرات إلى القطاع المدني، وهو أمر يعتقد أنه ضمن خطوط حمراء كثيرة لقادة الجيش. وعلى العكس غازل موسى في برنامجه الجيش، بتأسيس مجلس أمن قومي يضم الرئيس ووزير الدفاع ورئيس الأركان، وذلك لمناقشة كافة أمور الجيش، بما فيها موازنته.

2- الشرطة: اتفقت خمسة برامج على إعادة هيكلة جهاز الشرطة، وهي برامج أبي الفتوح وصباحي ومرسي وخالد علي وموسى. واتفقت على احترام قيمة القانون في عمل جهاز الشرطة. وتميز برنامج أبي الفتوح بمتابعة ومراجعة دور الجهاز كل عامين، وأقر ضرورة زيادة مخصصات البحث الجنائي، وإخراج قطاعات الخدمة المدنية كالجوازات والحج والتراخيص من عمل الشرطة، كما أقر أن يكون خريج كلية الشرطة من خريجي الجامعات. أما برنامج كل من صباحي ومرسي فتميز فقط بتأكيد العمل على جعل هذا الجهاز قائمًا لخدمة الشعب لا الحاكم. ولم يفت برنامج الـ 100 يوم الأولى لموسى أن يؤكد على تحقيق الأمن للمواطن خلال هذه المدة القصيرة، لكنه لم يوضح كيف سيكون ذلك. 

خامسًا: المؤسسات غير الرسمية
تصنف المؤسسات الرسمية فيما بين النظام الحزبي- المجتمع المدني- الإعلام.
1- النظام الحزبي: لم تتطرق برامج الأحزاب كثيرًا للنظام الحزبي، فأبو الفتوح اعتبر قانون الأحزاب ضمن القوانين الاستثنائية الواجبة التعديل، وصباحي أقر بضرورة حرية المواطنين في تأسيس أحزاب سياسية.

2-المجتمع المدني: تناولت 6 برامج فقط المجتمع المدني بالحديث (أبو الفتوح/صباحي/مرسي/محمود حسام/ خالد علي/موسى)، وكلها جاءت في إطار الإيمان الكامل بوجود هذا المجتمع. هنا تحدث برنامج أبي الفتوح عن تغيير قانون الجمعيات لتكريس عدم سطوة الحكومة عليها، وحرية التنظيم الجماعي، وتناول برنامج صباحي حرية الجمعيات والنقابات المستقلة ومنظمات المجتمع المدني.

3- الإعلام: تناولت أربعة برامج فقط مسألة الإعلام، فبرنامج أبي الفتوح أشار إلى حتمية إصدار قانون يدعم حرية الصحافة، وإلغاء دور وزارة الإعلام، وتعويض، وتشجيع المبادرات الإعلامية، وحرية تداول المعلومات. أما صباحي فأقر حرية الإعلام ووسائل الإعلام، وأشار برنامج مرسي إلى إطلاق حرية الإبداع في إطار القيم المصرية، وحق المواطن في الحصول على المعلومات الحكومية. أما برنامج موسى فأشار إلى إصلاح المنظومة الإعلامية في الـ100 يوم الأولى، ولم يوضح كيف سيكون ذلك.

سادسًا: معالجة البرامج لبعض القضايا الجوهرية
تناولت البرامج الانتخابية قضايا جوهرية كمكافحة الفساد، وحقوق المسيحيين، وحقوق المرأة.
1- مكافحة الفساد: تطرقت ستة برامج انتخابية لمسألة الفساد. فبرنامج أبي الفتوح شدد على تشريعات (حددها بالاسم) لتفعيل الرقابة المالية والمحاسبة. وطالب خير الله بقانون لملاحقة الفاسدين، وأقر مرسي بناء منظومة كاملة لمكافحة الفساد، في حين طالب خالد علي بالقضاء على الوساطة والمحسوبية، ووعد موسى بأن الأشهر الـ9 الأولى ستكون حربًا على الفساد عبر ثلة من التشريعات.

أبرز الأمور للتمييز بين هذا البرنامج وذاك ترتبط بالآلية التي يحل المرشح بها لنا المشكلة أي من أين سيمول ما يقول من وعود، خاصة مع شح الموارد

2- حقوق المسيحيين: نفى برنامج أبي الفتوح أن تكون هناك حلول أمنية للمشكلة الطائفية، وأكد على أهمية الإعلام ومؤسسات التعليم في الوحدة الوطنية، وإنشاء هيئة مستقلة لمراقبة التمييز، وإصدار قانون لمنع التمييز وبناء دور العبادة، وتقرير حرية الاعتقاد، ودور المجالس العرفية في المشكلات الطائفية. أما صباحي وخالد علي وموسى فأكدوا على مبدأ المساواة وحرية الاعتقاد، وأشار كل من مرسي وخير الله إلى حتمية احتكام المسيحيين إلى شرائعهم، وزاد الأول بالتأكيد على حقوق المواطنة ونقل سلطة بناء الكنائس من الرئاسة إلى التخطيط العمراني.

3- حقوق المرأة: تطرقت برامج أبي الفتوح وصباحي ومرسي وموسى وحدها لتلك القضية، وذلك لصالح دعم حقوق المرأة دون استثناء.

هذه كانت رؤية البرامج الانتخابية المكتوبة للنظام السياسي المصري بعد الثورة، وهي كما يُرى تتشابه في عرضها لمشكلات المجتمع المصري المعنية، بل إن بعض المشكلات المطروحة تسير بالتوازي مع عرض أركان نظام مبارك البائد لمشكلات مصر، هنا يتحتم الاعتماد على وعي الناخب في التمييز بين البرامج الحقيقية والبرامج التي تعتمد على دغدغة مشاعر الناخبين، وتستغل حاجتهم إلى الرقي الاقتصادي والاجتماعي.

أبرز الأمور للتمييز بين هذا البرنامج وذاك يرتبط بالآلية التي سيحل المرشح بها لنا مشكلة كيف يتم التنفيذ؟ أي من أين سيمول ما يقول من وعود، خاصة مع شح الموارد، ولكونه رئيسا غير محدد السلطات حتى الآن. لكن كافة المثالب التي طرحناها تقل أمام حقيقة واحدة هي أن فرعون مصر نزل من برجه العاجي ليستجدي أصوات الناخبين.

المصدر : الجزيرة

التعليقات