زيارة القدس بين الديني والسياسي
ما وراء موجة الزيارات
مخاطر زيارة القدس تحت الاحتلال
ما تحتاجه القدس فعلا

في المؤتمر الدولي للدفاع عن القدس الذي عقد بالدوحة في فبراير/شباط الماضي، دعا أبو مازن المسلمين والمسيحيين لزيارة القدس في خطابه قائلا: ".. ومن هنا تبرز ضرورة أن نشجع كلَّ من يستطيع، وبخاصة إخوتنا من الدول العربية والإسلامية، إضافة إلى إخوتنا العرب والمسلمين والمسيحيين في أوروبا وأميركا على التوجه لزيارة القدس".

وفي شهر أبريل/نيسان زار القدس مفتي مصر الشيخ علي جمعة مع مستشار الملك الأردني للشؤون الدينية والثقافية الأمير غازي بن محمد، وافتتح الشيخ جمعة خلال الزيارة كرسي الإمام الغزالي للدراسات الإسلامية بدعوة من مؤسسة آل البيت الملكية الأردنية.

وقد سبق أن زار المدينة المقدسة الأمير هاشم بن الحسين شقيق الملك الأردني عبد الله الثاني ومعه الداعية اليمني الحبيب علي الجفري، وكذلك زارها وفد من أقباط مصر. فما تفسير تشابك الديني والسياسي في تشكيل الموقف من هذه الزيارات؟ وما خلفياتها السياسية؟ وما مخاطرها؟

الزيارة بين الديني والسياسي
إثر زيارة بعض الشخصيات الدينية والرسمية العربية الأخيرة للقدس، ثار جدل ديني وسياسي بين النخب العربية، وانعكست تأثيراته على الجمهور. وبرزت مظاهر هذا الجدل الواسع في الشبكة العنكبوتية عبر السجالات في الفيسبوك والتويتر. وتوارى خلف مشهد الجدل مسألتان، الأولى هي: هل الخلاف حول الزيارة ديني؛ أم سياسي؟ والثانية: بدا من خلال النظر لمساحة الجدل وكأن المسألة خلاف طبيعي بين وجهتي نظر متكافئتين.

زيارة القدس بحد ذاتها في السياق الطبيعي مرغوب فيها شرعياً، ولا خلاف حول ذلك. إنما الخلاف هنا في الإطار السياسي لتقدير المصلحة والمفسدة من تحققها في ظرف خارج السياق الطبيعي

في المسألة الأولى، يصعب التفريق بين الديني والسياسي في مضمون موضوعه القدس، لأن القدس لها خلفية دينية وهي ملتصقة بالمقدس الديني؛ مما يستدعي استحضار البعد الشرعي الفقهي في تحرير الموقف تجاه مسألتها. وهذا التشابك الطبيعي في المضمون بين الديني والسياسي يفرض حضور البعدين معا في التقدير، والسياسي هنا يتكئ على الديني باعتبار الأخير أحد مكونات الفضاء الثقافي الأساسية التي لا يمكن تجاوزها.

كما أن الديني يحتاج للسياسي في تحرير المسألة، وفهم فضاءاتها كفقه للواقع. وعلى ذلك؛ فزيارة القدس في الوقت الراهن ليست مسألة دينية بحتة، ولا هي سياسية خالصة.

وبغض النظر عن التأويلات لكلا الطرفين حول جواز أو ضرورة الزيارة الآن، فيمكن القول إن الزيارة بحد ذاتها في السياق الطبيعي مرغوب فيها شرعياً، ولا خلاف حول ذلك. إنما الخلاف هنا في الإطار السياسي لتقدير المصلحة والمفسدة من تحققها في ظرف خارج السياق الطبيعي.

بمعنى أن الطارئ، وهو الاحتلال الذي دخل كعامل مؤثر في التقدير، أخرج الزيارة من سياقها الشعائري التعبدي البحت إلى الفضاء المقاصدي؛ الذي من خلال معاييره تقاس المصلحة العامة.
محصلة القول؛ إن منطق من يدعو للزيارة في الوقت الراهن بحجة أنها فضيلة دينية فقط لا يكفي، وفيه كثير من العطب، وعلى الرافضين للزيارة في الوقت الراهن كذلك أن يجلّوا المسألة أكثر على قاعدة المنطق المقاصدي، لإقناع بعض من يؤمن بجواز وضرورة الزيارة الآن.

وفي المسألة الثانية، فقد خلق الجدل -وبالذات في الفضاء الإعلامي بمختلف وسائله- صورة وهمية تكرّس مشهد الخلاف حول مسألة الزيارة وكأنه بين جبهتين متكافئتين، بينما الصورة الحقيقية هي الموقف المستقر من رفض سواد الأمة للزيارة تحت الاحتلال، والقبول بها هو الطارئ وتدعو له فئة من الناس؛ ربما بهدف خلق مناخ قبول لتسهيل الزيارة للمدينة المقدسة مستقبلا، وقد يكون بالون اختبار لقياس صمود وصلابة الموقف القديم الرافض للزيارة.

وعلى الصعيد الديني المسيحي، حسم الأمر بتأكيد الأنبا باخوميوس القائم مقام قائم الكنيسة الأرثوذكسية الالتزام بموقف البابا شنودة الثالث الراحل القاضي بمنع زيارة القدس تحت الاحتلال.
كما أكد القس ميصائيل كاهن كنيسة القديسة هيلانة (الجزء المصري في كنيسة القيامة في القدس) رفض الكنيسة استقبال الزوار المسيحيين المصريين الذي قدموا للاحتفال بعيد القيامة هذا العام. مفسراً الرفض بأن تعليمات البابا شنودة الثالث بابا الإسكندرية وبطريك الكرازة المرقسية الراحل ما زالت سارية، ويجب احترامها أكثر بعد رحيله.

ويلاحظ في الموقف الديني عموماً أن المؤسسات الدينية الكبيرة الإسلامية والمسيحية (الأزهر، الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، والكنيسة القبطية في مصر) لا زالت على مواقفها بشأن زيارة المدينة المقدسة تحت الاحتلال من قبل العرب والمسلمين خارج فلسطين، وقد رفضت بشكل واضح الخرق الأخير للموقف العام المتمثل بزيارة بعض الأفراد من الشخصيات الدينية. وبالتالي فالموقف التقليدي ما زال صلباً، ولعلها رسالة واضحة لمن أراد أن يختبر هذا الموقف.

أما في إطار النقاش السياسي، فلا تحظى زيارة القدس حالياً على إجماع بحسبانها ضرورة سياسية، بل على العكس من ذلك، فسواد الأمة يعارض الزيارة لتقديرات تتعلق بمفاسدها وأضرارها على الصراع ومضامينه ومستقبله.

ما وراء موجة الزيارات
يمكن فهم الخلفيات السياسية لموجة الزيارات للقدس من خلال قراءة سريعة للمواقف العامة للأطراف المشاركة في تنظيمها، أو التي على تماس معها.

أذنت إسرائيل بزيارة مفتي مصر لأنها توفر لها مكاسب سياسية عديدة، من بينها أنها تعزز مسار التطبيع، وهو هدف أساس في الإستراتيجية الصهيونية

على الصعيد المصري؛ تشير بعض المصادر المصرية إلى أن المفتي علي جمعة لا يمكنه القيام بتلك الزيارة بدون ضوء أخضر من المجلس العسكري، خاصة أنه يحمل صفة رسمية، إذ لا يعقل أن يقوم مسؤول مصري بزيارة من هذا الحجم دون الإذن أو التنسيق مع قيادته الرسمية. وربما يعزر هذا الاستخلاص المعالجة الرسمية الملتبسة لتداعيات الزيارة من قبل المجلس العسكري والأزهر.

والهدف من الزيارة مصرياً وفق هذا التفسير هو إشاعة جدل إعلامي بوتائر عالية للتغطية على أزمات الساحة السياسية المصرية، امتداداً لنفس النهج السابق لما قبل الثورة المصرية.

أما السلطة الفلسطينية وبعض الأطراف العربية فهم يرغبون باستثمار هذه الزيارات كوقود إضافي لشحن عملية التسوية المحتضرة. خاصة أن هذه العملية أفلست في ظل تعنت الحكومة اليمينية المتطرفة في تل أبيب، ونفاد الخيارات أمام أطراف التسوية من الجانب الفلسطيني والعربي.

وفيما يتصل بدولة الكيان الإسرائيلي؛ فقد أذنت بهذه الزيارات لأنها توفر لها مكاسب سياسية عديدة، فالزيارة تعزز مسار التطبيع، وهو هدف أساس في الإستراتيجية الصهيونية، وعبر رمز ثقيل في الصراع هو القدس، وتحمل الزيارات كذلك معنى الاعتراف بالأمر الواقع للمدينة المقدسة.

مخاطر زيارة القدس تحت الاحتلال
لا شك أن زيارة القدس تحت الاحتلال الصهيوني تشكل خرقاً سافراً للموقف العربي منذ اغتصابها عام 1967، وتولد مخاطر عديدة تضر بالصراع ومستقبله؛ ومنها:

1- سيؤدي تكثيف الزيارات وتتابعها إلى كسر الحاجز النفسي مع الاحتلال، إذ إن الزيارات ستغيب صورة الاحتلال وتعزز الوجود الصهيوني في المدينة المقدسة كواقع مفروض يمكن التعايش معه. بمعنى خلق صورة نمطية جديدة ومزيفة عن الصراع.

2- فتح مسار عريض للتطبيع مع الكيان الإسرائيلي، مع ما يحمله ذلك من تقديم منحة ثمينة للإستراتيجية الصهيونية الساعية لشرعنة الوجود اليهودي في فلسطين، عبر تشويه الوعي الجمعي العربي والإسلامي تجاه شكل الصراع ومضامينه.

3- خلق حوار جانبي حول "كيف نزور القدس؟ ومتى نزور القدس؟" كما قال الشيخ رائد صلاح، والتغطية بهذا الضجيج لحجب المتطلبات الأساسية للقدس باعتبارها مدينة ترزح تحت الاحتلال. إذ المدينة المقدسة المحتلة تحتاج حالياً سواعدنا لإزاحة الاحتلال عنها، لا جباهنا للسجود في مسجدها المبارك، مع فضل ذلك.

4- ويوفر هذا الجدل غطاء مناسباً للكيان الإسرائيلي للتعمية على عمليات التهويد الواسعة للمدينة المقدسة.

5- دولة الكيان الإسرائيلي ستوظف الزيارات عالمياً عبر آلاتها الإعلامية والدبلوماسية على أنها دولة متسامحة، بسماحها للمسلمين والمسيحيين بزيارة المدينة، وستستثمر ذلك كمؤشر على الاعتراف العربي والإسلامي بالقدس مدينة تابعة لها.

ما تحتاجه القدس فعلا
تحتاج قضية القدس في الوقت الراهن إلى قلب محور النقاش، فبدلاً من الحوار الجانبي الحالي حول جواز زيارتها أو منعها، يفترض أن يكون النقاش حول الرؤية في المدى القريب والمتوسط بشأن كيفية دعم صمود أهلها، ومقاومة تهويدها، وتعطيل برامج الاستيطان التي تقضم جغرافيتها، وفي المدى البعيد كيف نخلصها من الاحتلال.

القدس بحاجة الآن لأن تكون قضيتها مفردة أساسية في الإستراتيجية السياسية الفلسطينية والعربية، لا بنداً ثانوياً كما هو واقعها الحالي. فمن غير المعقول أن تلتهمها الآلة الاستيطانية الصهيونية المسعورة، وتمزق خطط التهويد المتسارعة وجودها الديمغرافي، بينما نحن نتجادل حول زيارتها، وهو سلوك سوريالي لا يمكن فهمه أو تفسيره في إطار منطقي.

التقصير في شأن القدس مزدوج, لأن التفريط تجاهها يشمل تبديد الفرص في استخدامها كرافعة ومحركة للصراع في الاتجاه الإيجابي، مع ما يضمه من تخاذل في نصرتها كغاية وهدف وطني وقومي

ومن المفارقة أن القدس تشكل رافعة وأداة هامة في إدارة الصراع مع الكيان الصهيوني، فهي رمز مكثف يحمل معاني تاريخية ودينية عميقة يمكن استثماره بفعالية عالية في استقطاب الجماهير العربية والمسلمة وتجييشها لخدمة القضية، كونها رمزا حضاريا يجمع كافة أطياف الأمة وتلاوينها السياسية والدينية.

التقصير في شأن القدس مزدوج؛ لأن التفريط تجاهها يشمل تبديد الفرص في استخدامها كرافعة ومحركة للصراع في الاتجاه الإيجابي، مع ما يضمه من تخاذل في نصرتها كغاية وهدف وطني وقومي.

الخلاصة؛ أن القدس ليست مدينة أسيرة فقط، وهي أكثر من جغرافية مغتصبة من قبل الكيان الصهيوني، وتتعدى كونها مركزاً دينياً للعبادات الدينية. فالمدينة المقدسة على مدار تاريخها رمزٌ حضاريٌ كبيرٌ شكّل المساس بها مساساً بالهوية والمصالح الحيوية للأمة، وهي أيقونة الصراع بين الأمة والغزاة عبر التاريخ.

ومن المعيب أن ينحدر مستوى النقاش تجاهها حالياً من مستوى ضرورة تخليصها من الاحتلال، إلى متى نزورها؟ وكيف نزورها؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك