سهيل الغنوشي

سهيل الغنوشي

سهيل الغنوشي

ماذا يعني أن تنجح الثورة بعد أن تنتصر؟ ما شروط الانتصار ثم العبور إلى الدولة وتحقيق النهضة المنشودة؟ وهل تسير الثورات العربية بهذا الاتجاه؟ هل تبعث المؤشرات والمعطيات على التفاؤل أم التشاؤم؟ هل توجد خارطة طريق واضحة لانتصار الثورات العالقة أو استكمال الثورات المنتصرة؟ وهل يجوز الاستمرار في تبرير كل ما يحدث بأعذار واهية وخداع الناس بالشعارات والوعود الحالمة؟

فشلت النخب السياسية العربية على مدى عقود في تعبئة الشعب وقيادته لإحداث التغيير المنشود، فبدأت الشعوب تتلمس طريقا للتغيير يتجاوز النخب ولا يستدعي التدخل الخارجي (لتجنب السيناريو العراقي)، فأفرزت حركات شعبية وشبابية غير تقليدية وغير حزبية أو فئوية بدأت تتحرش بالنظام وتميزت بالجرأة وبسرعة الحركة وطول النفس والمقاومة الإيجابية والميدانية.

بدأت الثورة في شكل احتجاجات عفوية بمطالب محدودة فحولها النظام بصلافته وحماقته إلى ثورة تطالب بإسقاطه. واكتشف الشعب قوته الكامنة وواجه النظام بإقدام واقتدار وذكاء وتكاتف وتجرد

بدأت الثورة في شكل احتجاجات عفوية بمطالب محدودة فحولها النظام بصلافته وحماقته إلى ثورة تطالب بإسقاطه. تحول الحلم البعيد إلى مطلب، واكتشف الشعب قوته الكامنة فتجاوز المعارضة التي طالما تجاهلته واستهانت به، وواجه النظام بإقدام واقتدار وذكاء وتكاتف وتجرد.

قامت الثورة بلا خطة لإسقاط النظام ولا قيادة تضبط مسيرتها وتتفاوض باسمها، ولكنها عوضت عن ذلك بدرجة غير مسبوقة من التضامن والإصرار والاستعداد للتضحية، واستفادت في حالتي تونس ومصر من عنصر المفاجأة، ثم تدخلت قوى خارجية لتسهيل عملية انتقال سلس للسلطة للحفاظ على ما أمكن من النظام ومن المصالح، وحتى لا تخرج الثورة والأوضاع عن السيطرة. 

ثم اندفعت الشعوب نحو الساحات والميادين لاستنساخ وصفة التظاهر والاعتصام لإسقاط النظام من دون قيادة ولا خطة ودون أي اعتبار لاختلاف الأنظمة والظروف وللأوضاع والمعادلات الإقليمية والدولية، فكانت الحصيلة كارثية ذكرت بكوارث الماضي القريب التي حلت بجل البلاد العربية وإن بدرجات متفاوتة، وكان أسوأها ما حدث في سوريا والجزائر. وهكذا تتوالى الإخفاقات وتتكرر الأخطاء وتضيع الفرص، ومع ذلك لا يعتذر المسؤولون عن ذلك بل ينكرون أو يبررون ولا يتركون مواقعهم طوعا.

في ليبيا كان الحافز والفرصة أكبر للتدخل الخارجي من قبل دول لها في ليبيا مصالح كبيرة ولها مع القذافي أسرار خطيرة، وحال الفراغ السياسي وطبيعة النظام الغريبة وحماقته البالغة دون ترتيبات شبيهة بتلك التي طبقت في تونس ومصر ثم في اليمن لاحقا، فكان التدخل العسكري الذي توسع وطال أكثر من اللزوم لأسباب غير خفية، ولكنه كان حاسما في إنقاذ الثورة من الإجهاض وإنقاذ الشعب من إبادة وشيكة، كما كان صمود الثوار حاسما في إفشال مخططات التقسيم.  

سقط عنصر المفاجأة وحل الربيع العربي في مناطق أكثر حساسية بحكم موقعها وتركيبتها كالبحرين وسوريا واليمن، واقترب كثيرا من إسرائيل والبترول وإيران، ولاحت في الأفق نذر تسونامي ثوري يوشك أن يعصف بالعديد من الأنظمة ويهدد مصالح إقليمية ودولية كبرى، فتداعى أصحاب تلك المصالح لتطويق الثورة وتعويقها وإطالة أمدها ورفع كلفتها وإخفات بريقها وتبديد زخمها وخفض سقف أهدافها، وأصبحت بعض الثورات ساحات للصراع بالوكالة.

وفي المقابل أصيب الصف الثوري نخبة وشعبا بفرقة مركَّبة أفقية وعمودية، فضاعت الثورة في تونس ومصر في متاهات دستورية وقانونية وأيديولوجية ومناكفات حزبية، وتقزمت إلى صراع على من يحكم البلاد وهل يقدّم الدستور أو الانتخابات. وحُوِّلت الثورة السورية إلى أزمة تدار كعملية السلام وتوّهت في أروقة الجامعة العربية والأمم المتحدة.  

ومع أن الربيع العربي عرف مسارات ومآلات متباينة فإنه يمكن رصد عدد من القواسم والعبر المشتركة. لم تتأثر الثورة كثيرا في بدايتها بافتقارها لخطة وقيادة، فإسقاط النظام هدف واضح ومحل إجماع شعبي، والعمل المطلوب ميداني أكثر منه سياسي، والمظاهرات والاعتصامات والعمل الإعلامي والاجتماعي بحاجة إلى تقنيات وتكتيكات وليس إلى فكر وإستراتيجيات.

ولكن لأن الحكم ليس نزهة والدول ليست جزرا معزولة وليست محاطة بجمعيات خيرية، فقد تضررت الثورة والبلاد كثيرا بعد البداية الملهمة بسبب هذا النقص الخطير، فتعثرت الثورات المنتصرة ووقعت الأخرى في صراع وجودي ومأزق تسبب في خسائر بشرية ومادية فادحة وأنهك البلاد واستباحها للأطراف والأجندات الإقليمية والدولية.

الإصرار على إسقاط النظام (المتماهي مع الدولة والمتشبث بالسلطة) بأي ثمن ووسيلة من دون قيادة وخطة يعني بالضرورة الفوضى والدمار والعسكرة والتدويل وارتهان الطرفين للخارج وحصر مصير البلاد في سيناريوهات قاتمة كإجهاض الثورة والحرب الأهلية والتقسيم والتدخل العسكري الأجنبي (أي الاحتلال) وربما الصوملة وتحول البلاد إلى دولة فاشلة. ذلك هو الدرس القاسي الذي ينبغي أن نستخلصه من تجارب الماضي والحاضر حتى لا تتكرر الأخطاء. ولا ينقص ذلك شيئا من الملاحم الثورية الباهرة التي سطرتها الشعوب خصوصا في سوريا وليبيا.

ثورة بلا قيادة ورسالة قد تسقط نظاما ولكنها لا تقيم دولة ولا تحقق نهضة، ومن يظن أن أحزابا متناحرة ومهووسة بالسلطة يمكن أن تحقق أهداف الثورة فهو واهم

صحيح أن التغيير أصبح ضروريا وحتميا بحكم تردي الأوضاع وحجم الظلم والفساد والاستبداد، وصحيح أيضا أن كسر حاجز الخوف وانتزاع حرية التعبير والتظاهر مكاسب كبيرة ومقدرة، ولكن الحقيقة المرة أن ثورة بلا قيادة ورسالة قد تسقط نظاما ولكنها لا تقيم دولة ولا تحقق نهضة، ومن يظن أن أحزابا متناحرة ومهووسة بالسلطة وبمكاسبها الحزبية -ولو على حساب المصلحة الوطنية- يمكن أن تحقق أهداف الثورة فهو واهم.

فجل هذه الأحزاب تفتقر إلى الديمقراطية والشفافية في إدارة شؤونها وغير مبرأة من الانتهازية والإقصاء والنرجسية والتنطع والدكتاتورية وتقديم الطاعة والولاء على الكفاءة والعطاء. فلا عمل مؤسسيا ولا تداول على السلطة ولا حق اختلاف ولا وضوح في المبادئ والصلاحيات والمسؤوليات، وإنما حلقة مفرغة من التكالب والصراع المحموم على السلطة كلما ظهر فيها فراغ أو ضعف يتبعه خضوع للفئة المتغلبة الساعية للتشبث والاستئثار بالسلطة وتدويرها وربما توريثها. وهكذا كان حال الأمة على مدى قرون. وقد لخص معاوية معادلة الحكم هذه بقوله "إن الناس قد أعطونا سلطاننا، فأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا طاعة تحتها حقد".

لقد لجأت الشعوب العربية مكرهة إلى خيار الثورة بلا رأس، بسبب بطش النظام وفشل المعارضة. فالشعب لم يجد أمامه قيادات وطنية يمكن أن يلتف حولها، قيادات يثق في كفاءتها وتجردها للوطن وتقديمها للمصلحة الوطنية.

ولكن التغيير المطلوب في البلاد العربية ضخم ومعقد جدا ويواجه تركة وتراكمات ثقيلة وأوضاعا معقدة وأطرافا فاعلة ومتغلغلة، وتعلق عليه مطالب وآمال كبيرة حملتها أجيال وناضلت وضحت من أجلها على مدى عقود.

لقد أحدثت قرون من الاستعمار والاستبداد دمارا شاملا وعميقا في السياسة والاقتصاد وفي النفوس والعقول، فخلت حياة الناس من أي غاية أو رسالة وفقدوا بوصلتهم واهتزت ثقتهم بأنفسهم وضعف التزامهم بدينهم وانتماؤهم لوطنهم وانخفض سقف طموحاتهم وفسدت أخلاقهم وانشغلوا بأنفسهم وتقلصت دائرة اهتماماتهم وضعف لديهم الحافز للنهوض بالنفس والانخراط في المجتمع وللتواصل والتنظيم والتوحد.

فالاستبداد مرض مزمن ومعد ووراثي تتوارثه الأجيال ويتوارثه الضحايا عن جلاديهم. ينتشر الاستبداد ويتغلغل في كل مفاصل المجتمع. وكثيرا ما يقترن الاستبداد بالفساد (السلطة مفسدة)، فيصبح المال والسلطة بيد فئة قليلة، وهنا تفقد المجموعة مناعتها وتصبح عرضة لشتى الأمراض. ولقد استفاض القرآن في شرح آثار الاستبداد في النفوس والمجتمعات من خلال التركيز على قصة بني إسرائيل. وقد قال عنه الكواكبي "إن أقل ما يؤثره الاستبداد في أخلاق الناس أنه يرغم حتى الأخيار منهم على إلفة الرياء والنفاق، ولبئس السيئتان".

إن الثورة لا تقوم لمجرد إسقاط النظام أو لانتزاع حرية التعبير أو لتمكين هذا الحزب أو ذاك من السلطة أو لتصريف الأعمال، ولكن لاستنهاض الشعوب وإحداث ثورة في العقول والنفوس وتخليصها من رواسب الاستبداد والفساد وتحصين البلاد ضد الاستبداد والفساد والتبعية، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال توعية المواطنين وتأطيرهم وتنشئة جيل رسالي وطني طموح ومتحرر.

إن جل الآفات التي أصابت الفرد والأسرة والمجتمع تعود جذورها إلى ضعف الحس الرسالي والحسِّ الوطني وانخفاض سقف الطموحات مما عطل كل محركات الاستنهاض لدى الإنسان. إن الأمم لا تنهض دون رسالة (أو قضية أو مشروع) وقيادة. وبقدر قوة الرسالة ونبلها وقوة القيادة وحكمتها وتجردها وتواضعها تكون إرادة الشعوب وحماستها وعطاؤها والتحامها بقادتها، ومن ثم نهوضها ونجاحها في مواجهة الاستحقاقات الكبرى.   

إن تحقيق أهداف الثورة وآمال الشعوب والتعاطي مع التركة الثقيلة والأوضاع المعقدة ومواجهة القوى الطامعة والمتآمرة (في بلاد لم تقم فيها دولة ولم يتحقق فيها استقلال حقيقي) مهمة ضخمة لن تنجزها المليونيات والاعتصامات والدستور والانتخابات، بل تحتاج إلى قوة عظيمة قوامها شعب معبأ حول مشروع وطني طموح وملتف حول قيادة وطنية متجردة قريبة من الناس حريصة عليهم وتشعر بآلامهم وحاجاتهم وغير مهووسة بالسلطة والمناصب والانتخابات، تقدر على تحريك الشارع واتخاذ القرارات الجريئة وتقدم المصلحة الوطنية في كل خياراتها وقراراتها.

هذا النوع من القيادات -الذي كان وراء كل ثورة أو نهضة ناجحة- نادر جدا في العالم العربي إن لم يكن مفقودا، فالأنظمة لا تسمح ببروزه والتنظيمات والأحزاب لا تفرزه، والمؤهلات القيادية والسياسية لا تنمو لأن القيادة والسياسة لا علاقة لهما بالمؤهلات والأطروحات والإنجازات. القيادة مناصب يحصل عليها الناس بالقوة أو بالوراثة أو بالطرق الملتوية أو بقوة التنظيم والمال والدعاية، ويتشبثون بها. والسياسة مقترنة بالسلطة التي هي غاية وليست وسيلة للخدمة العامة والإصلاح والنهوض بالوطن والشعب. والسلطة في القاموس السياسي العربي نشوة ومجد ووجاهة وغنيمة توزع على المقربين والموالين. ولذلك تجد في كل المجالات والمستويات صراعا على السلطة لا يكاد ينتهي إلا بدكتاتورية سافرة أو مبطنة.

نجاح الثورة يعني النجاح في إعادة بناء الإنسان والمجتمع من خلال تثبيت علاقة تفاعلية إيجابية بين الأفراد والأوضاع يترتب عنها نهوض دون سقف

إن نجاح الثورة يعني النجاح في إعادة بناء الإنسان والمجتمع من خلال تثبيت علاقة تفاعلية إيجابية بين الأفراد والأوضاع يترتب عنها نهوض دون سقف. والمواطن بوعيه ويقظته وانخراطه في الشأن العام هو حجر الزاوية في عملية النهوض وهو جهاز مناعة الثورة وصمام أمان المجتمع. وكل ثورة لا تستند إلى ذلك تضعف حظوظها في النجاح وإن انتصرت، ولن يصمد بناء يقام على أسس هشة.

إن التغيير المنشود شامل ومستديم، ومفتاحه الفرد الرسالي الوطني الطموح الحريص على وطنه وشعبه حرصا يعلو فوق كل اعتبار أيديولوجي أو حزبي أو فئوي أو شخصي، ويدفعه لتسخير حياته من أجل وطنه وشعبه ومن أجل الإنسانية. ونجاح الثورة وبناء الدولة وتحقيق النهضة يرتبط ارتباطا وثيقا بإحياء الفهم الرسالي للدين والحياة وتحميل الناس رسالة حياة تصب في خدمة الوطن من أجل استنهاضهم وتوجيه طاقاتهم للنهوض بالوطن، ومن أجل إضعاف النزعات الأيديولوجية والحزبية والطائفية والمذهبية والفئوية والأنانية التي تبرز مع ضعف الروح الوطنية أو ضعف الحس الرسالي أو انحرافه عن مساره الوطني الإنساني.

إن من أعظم إنجازات الثورة أنها فتحت الباب أمام الشعوب ليتحرروا من رواسب الاستبداد والتخلف ويفرزوا قيادات وطنية متجردة ويشكلوا تيارا وطنيا جامعا يحمل رسالة إنسانية ومشروعا وطنيا، فتتحقق أهداف الثورة وتتحقق النهضة المنشودة ولو بعد حين.

المصدر : الجزيرة

التعليقات