خالد حسن

محلل سياسي وصحفي جزائري

 

جرت الانتخابات البرلمانية كما أُريد لها أن تكون: جزائرية بكل المقاييس، و"عادية" إلى أقصى درجة ممكنة، فليست نسخة من الربيع العربي، وهي إلى العهد القديم أقرب، حيث النتائج معلومة سلفا والتزوير لا غنى عنه، لكن الجديد فيها اليوم هو أنها أقرب إلى الفاجعة بالنظر إلى رياح الثورات والتحولات العاتية التي تجتاح المنطقة العربية من مشرقها إلى مغربها.

استهدف مهندسو الانتخابات الجزائرية إحداث حالة من الصدمة النفسية وتحطيم الآمال في أي تغيير ولو كان جزئيا، وأهانوا فيها حتى شركاءهم الإسلاميين 

فقد استهدف مهندسوها إحداث حالة من الصدمة النفسية وتحطيم الآمال في أي تغيير ولو كان جزئيا، وأهانوا فيها حتى شركاءهم في الحكومة منذ أكثر من خمس عشرة سنة، ونعني بهم الإسلاميين المشاركين في كل المواعيد الانتخابية منذ التسعينيات من القرن الماضي، وفي مقدمتهم حركة مجتمع السلم (التي يرأسها أبو جرة سلطاني)، حيث أبقوها في المرتبة الثالثة مع تراجع في عدد المقاعد البرلمانية.

وحققت فيها جبهة التحرير الوطني (حزب الرئيس والسلطة) أغلبية مثيرة للجدل، واحتل فيها التجمع الوطني الديمقراطي (حزب رئيس الحكومة) المرتبة الثانية، وأما الإسلاميون المشاركون فلا هم تقدموا ولا هم حافظوا على مقاعدهم، وأخفقوا في جني ثمار الحصاد المغاربي التي أينعت في تونس وليبيا والمغرب، في توزيع باهت للنسب، لا مفاجآت فيها ولا أثر لعدوى الربيع العربي في نتائجها، ولا شك أنها خسارة مدوية للإسلاميين عاكست طموحاتهم وأمانيهم، وهي نتاج جملة عوامل، أهمها ضعفهم وانقسامهم وانقطاعهم عن التواصل الشعبي.

وبدت السلطة مقتنعة بنسبة الانتخابات كما أعلنتها (43%)، ورأت فيها -على ضعفها- انتصارا على دعاة المقاطعة، واستفتاءً على إصلاحاتها ونهجها. وتساءل الكثيرون في قلق وحيرة: هل يعقل في زمن الثورات العربية وموجات التغيير أن يتصدر حزب الرئيس والسلطة -الذي حكم البلاد منذ الاستقلال- قائمة المنتصرين في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في الجزائر؟ وكيف نفسر حيازة حزب الرئيس الحاكم ممثلا في جبهة التحرير الوطني 136 مقعدا قبل موجات الربيع العربي (في انتخابات 2007)، في حين ارتفعت حصته إلى 220 مقعدا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، بعد التحولات السياسية الكبرى التي شهدتها دول الجوار، وكذا إصلاحات الرئيس في الوقت الذي توقع فيه الكثيرون غلبة الإسلاميين على المقاعد، أو على الأقل حصولهم على نسبة معتبرة مجاراة لتحولات الربيع العربي. وماذا يعني هذا بالنسبة للحكم؟ وما الذي تغير في البلد؟

(1) أرادتها مراكز السيطرة أن تكون انتخابات "عادية" لإثبات قدرة النظام ومجموعات أصحاب المصالح المرتبطة به على الصمود والتحدي، في رسالة واضحة المعالم: لا يرهبنا ربيع ولا شتاء، والبقاء للأقوى أمنيا ونفوذا وتأثيرا.

أحاديث التزوير والتحفظات على بعض الممارسات المشبوهة في العملية الانتخابية لا أهمية لها ولن تغير من الوضع شيئا، لأن التزوير الحقيقي استهدف الإرادة الشعبية قبل هذا بالترهيب والوعيد، وحجم الضغط الرهيب ودغدغة العواطف بخطاب الرئيس عشية الانتخابات، وتوظيف المال السياسي لشراء الذمم والأصوات والتأثير في نتائج الانتخابات.

لا تملك مراكز السيطرة في الجزائر إلا سلاح المال والأمن والتخويف والتهديد للتأثير في توجهات الناخبين، أو بالأحرى من بقي من الناخبين، لأن الأكثرية لم تصوت وثارت على طريقتها بالمقاطعة في صمت وهدوء.

نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة رسالة لمن يهمه الأمر: أن لا رحيل للنظام ولا تغيير في تركيبته، وهو باق ويستمد استمراره من الإرادة الشعبية التي اختارت حزب الرئيس في المؤسسة التشريعية، التي لا وزن لها مؤثرا في منظومة السلطة، بالنظر إلى طبيعة النظام الرئاسي وصلاحيات الحاكم الكبيرة الممنوحة له دستوريا، وتضخم أجهزة الاستعلامات.

(2) النظام الجزائري على اتساع دوائره ومحيطه مسكون ومولع بقصة الخصوصية والتميز: الجزائر ليست كغيرها، ولن تتأثر لا بالقريب ولا بالبعيد، وما يجرب هنا وهناك من تحولات وثورات ليس أكثر من مخطط لإشاعة الفوضى، أو تحول عابر متأخر سبقتهم إليه الجزائر في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي.

العجرفة في التعامل مع الأحداث وتحولات دول الجوار نفخ فيها الإعلام المحلي الموجه وصنع منها ملاحم وبطولات، وسوَق لمؤامرات ومخاطر خارجية كبيرة "تهدد الدولة الجزائرية"

هذه العجرفة في التعامل مع الأحداث وتحولات دول الجوار نفخ فيها الإعلام المحلي الموجه وصنع منها ملاحم وبطولات، وسوَق لمؤامرات ومخاطر خارجية كبيرة "تهدد الدولة الجزائرية ومواقفها الثابتة ورؤيتها الثاقبة"، فالتصويت في هذا الظرف العصيب هو حماية للبلد من التهديدات وتحصين له من التدخلات الأجنبية، في لغة بالية موغلة في القدم والانغلاق.

(3) إغراق الساحة السياسية بالأحزاب، حيث اعتمدت وزارة الداخلية أكثر من عشرين حزبا في غضون شهر واحد، في محاولة لإحداث زخم سياسي والتفاف على القوائم وتمييع للعملية الانتخابية. وأكثر هذه الأحزاب من صنع مخابر أجهزة السيطرة، حيث أكسبتهم الخبرة والتجربة على امتداد أكثر من عشرين عاما قدرة ليس فقط على بسط الهيمنة وإنما على صناعة ديمقراطية وتعددية على المقاس، المهم أن لا يحدث شيء خارج ما هو مبرمج ومحسوب ومتوقع، والإيهام بأن كل شيء خاضع للسيطرة ضمانا لاستمرارها في الحكم وتحصينا لقلاعها من ردة فعل شعبية تستهدف نفوذها.

(4) حتى وإن تحقق للسلطة ما أرادت في هذه الانتخابات البرلمانية وفقا لما خططت له مخابرها، فإن الفراغ الذي حكمت به وصنعته لم يُملأ إلى الآن، والنتائج الهزيلة للإسلاميين بمختلف أحزابهم كشفت عن ضعف مريع في أداء قادتهم السياسيين المشاركين في العملية الانتخابية، وعجزوا بهذا عن ملء الفراغ وإقناع من صوتوا بقدرتهم وخطابهم. فما أنجزه النظام الحاكم في هذه الانتخابات ليس دليلا على قوته ومناعته بقدر ما يعكس ضعف القوى السياسية المنافسة على كسر هيمنته وتغوله.

(5) استفاد الحزب الحاكم الفائز بالأغلبية في البرلمان القادم -ممثلا في جبهة التحرير الوطني، ويليه التجمع الوطني الديمقراطي- من مقاطعة فئات واسعة من الشباب الساخط على الأوضاع والسياسات وأنواع الفشل، وحافظ على وعائه الانتخابي المشكل أساسا من مجتمع كبار السن والنساء والمستفيدين من حكمه، والمناطق السكنية التي تكثر فيها نسبة الأمية خاصة في جنوب البلاد. فما رأى فيه المقاطعون ثورة صامتة بالامتناع عن التصويت، استثمره حزب الرئيس وشريكه في السلطة (حزب رئيس الحكومة التجمع الوطني الديمقراطي) في جني أصوات من انتخبوا.

ومشكلة المقاطعين أنهم امتنعوا فقط بلا تحرك ولا تنسيق داخلي ولا تصور لما بعد هذه الخطوة، ومجرد التعبئة المضادة بخطاب إعلامي مشحون لا يؤثر كثيرا في توجهات السلطة، صحيح أن جبهة الإنقاذ وسياسييها محظور عليهم النشاط السياسي العلني، لكن من الخطأ الفادح ربط التوجهات السياسية المعارضة بالجبهة، وتجربتها المريرة والمتعثرة لا تؤهلها للتنسيق بين القوى الشعبية الضاغطة، إذ كشفت المقاطعة عن تنامي تيار الرفض للسلطة داخل المجتمع، وينقصه من يجمع شتاته وينسق بين قواه، ويبادر إلى تحويله إلى قوة ضغط سياسي تربك حسابات النظام وتدفع باتجاه التغيير العميق.

وحكم التسلط والتحطيم النفسي لا يمكنه أن يتغلب إلا بقدر ما يكون الناس مشتتين ومنقسمين، وهو أحد مصادر قوة السلطة القابضة على مقدرات البلد، وعليه فلا بد للقوى التي قاطعت -وكذا التي شاركت ومورس عليها التزوير- من تجاوز حالة الانقسام والشتات، وأن يبادروا للتحرك المنظم المسنود شعبيا خارج النطاق المرسوم، ولا يتوقع عاقل أن تبادر السلطة للتنازل عن بعض صلاحياتها أو تمكين المجتمع مما يتقوى به على مواجهة حكم الهيمنة والاستبداد، والتجاوز لا يتحقق بالمطالبة والبيانات والاحتجاج في القاعات المغلقة، بل لا بد له من ممارسة وعمل جماعي شعبي مؤثر.

لا غنى عن الإصرار على الفعل الاجتماعي والسياسي الشعبي السلمي المثابر، مع العمل على اتساعه وشموله وتحمل أعبائه وتكاليفه، وتجاوز حالات الانقسام والتفرد والاغترار بالمواقف

(6) اكتساح الحزب الحاكم لنتائج الانتخابات البرلمانية يمكن الرئيس والمجموعة الحاكمة من تمرير أي مشروع يعزز قبضة التسلط، وإن كانت حركة الاحتجاجات العمالية والنقابية والشعبية قد أضعفت إلى حد ما قدرة مراكز السيطرة على التحكم، فإحكام القبضة على المؤسسة التشريعية تسوغ السياسات والأوضاع لكنها لن تؤثر في حركة الغليان الاجتماعي، وهو ما يفرض على القوى المعارضة والمقاطعة التلاحم في معترك الاحتجاجات الشعبية وتوسيع حركة الرفض والضغط، وبقدر سعتها وشمولها لمختلف ألوان الطيف الشعبي والسياسي من دون استئثار تيار أو تنظيم بقيادتها وتوجيهها، بقدر ما تكون أكثر فعالية وتأثيرا.

(7) في الجزائر يكثر الضجيج والصخب لسنوات من أجل ألا يتغير أي شيء، فخلف مظاهر الاضطراب والتوتر والاحتجاجات الشعبية (حوالي 9 آلاف احتجاج منذ الصيف الماضي) توجد طبقة سميكة من التصلب والانغلاق والقدرة على التحطيم، تصدت وقاومت وتغلبت على الفعل السياسي والشعبي السلمي المعارض، واستمدت قوتها ليس من أدوات ومراكز السيطرة فقط وإنما من ضعف العمل الشعبي الضاغط، وهو الأكثر تمكينا لها.

وعلى هذا، فإنه لا غنى عن الإصرار على الفعل الاجتماعي والسياسي الشعبي السلمي المثابر مع العمل على اتساعه وشموله وتحمل أعبائه وتكاليفه، وتجاوز حالات الانقسام والتفرد والاغترار بالمواقف والمواقع، ورفض منطق الصفقات في التعامل مع النظام الحاكم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك