مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

بطولةُ مذابح جديدة باسم أنان
طهران وتل أبيب من جديد
معادلة الثورة الجديدة حلب ودمشق
السلاح عنوان الحسم المركزي

مرة أُخرى يتقدم أيُ حديثٍ عن مستقبل الثورة السورية بالأساس الذي انطلقت منه والراحلة الثابتة التي تتقدم به والطواحين التي لا تتردد لحظة في منح الثورة مجدداً مساحةً أخرى من الزحف الإستراتيجي، وهنا هذا الأساس المُشرع أمام كل مراقب ومحلل سياسي هو قاعدة الفداء والتضحية والصمود الأسطوري للثائر السوري, وهنا لم يعد الثائر السوري المناضل المنتصب في ساحة الفداء الوطني ومواجهات النظام الموغل في الإرهاب والوحشية فقط, لكنه يتحول إلى كاملِ المجتمع المدني للثورة .. رجالاً ونساءً.. شباباً وصبايا .. شيباً وعجائز, أطفالاً رُضّعا، وحتى الخُدّج في قارورة الرعاية أو في أحشاء أمّه أضحى عنصراً فدائياً في معركة تحرير سوريا وإقامة الدولة العربية المدنية.

ما نكتبه هنا ليس مقدمة تراجيدية ولا دراما فنية، إنها رصدٌ طبيعيٌ عفوي مهم لقاعدة مركزية الزحف في العنصر الرئيس لنجاح الثورة السورية التي تُسجل من جديد أعلى درجات الصمود أمام أعنف نماذج التواطؤ الغربي والإقليمي ببعديه الإسرائيلي والإيراني والمشاركة العربية للنظام بين الدعم للأسد أو التخاذل, مع فرق تشبيحٍ إعلامي لا تهدأ في المهجر ولبنان من التشكيك في أهداف الشهداء الذين أُحرقت جثامينهم ولا يزالُ التشبيح يطعنُ في مقاصدهم، ودعواه أنّ هذه الجثامين لشهداء مختفية المعالم تهدد ديمقراطية ومدنية مشروع النظام (!) تماماً كممانعة فريق الضاحية الجنوبية في لبنان وقيادته الدينية في إيران وشراكتها البريئة(!) في ذبح الشعب السوري حسب الركن الإيماني كما يقول السيد خامنئي.

المنطق الذي يَصيغ التنديد الغربي لما يحدث في سوريا بلا موقف عملي متزامناً مع الخنق الروسي والإيراني, أصبح واضحاً للمشهد العربي ويدركه الرأي العام قبل المراقب

بطولةُ مذابح جديدة باسم أنان
مع كل الضجيج الإعلامي لمهمة كوفي أنان فإن أطراف المجتمع الدولي الرئيسية كانت تُلمّح بل تُصرّح بفشلها ومع ذلك تؤكد عليها, فالمتحدثة باسم البيت الأبيض الأميركي ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون، وفرنسا وعدد من الدول الأوروبية كلهم كانوا يشككون في مهمة أنان ومع ذلك أصروا على تنفيذها مع تأكيدٍ قوي حاسم لديهم برفض تسليح التشكيل العسكري الوحيد للدفاع عن الضحايا وكلمة السر الأمينة للإنقاذ وهو الجيش الحر.

هذا المنطق الذي يَصيغ التنديد الغربي بلا موقف عملي متزامناً مع الخنق الروسي والإيراني, أصبح واضحاً للمشهد العربي ويدركه الرأي العام قبل المراقب وخاصةً موقف أوروبا وواشنطن ومن ورائهم خطة تل أبيب السرية, لكنْ مع كل ذلك تبقى بوابتهم هم الغربيون ذاتهم المدار الروسي الإيراني قد يشتمونه ولكن يمنحونه كل الدعم الزمني التنفيذي الذي تُريده روسيا ومليشيات إيران -الإيمانية- وقد هبّوا لقتل خصومهم من الأطفال والثوار السوريين, هي ذات الحبكة التي خدم فيها نبيل العربي المشروع الروسي الإيراني وقدّم للنظام مساحةً للذبح ومعها تلميحات لسلاح المعارضة, نفسُ الخطة تُنفّذ الآن, لكن ما الذي يدفع تلك الأطراف وقد صرح مسؤولو الغرب بأنهم بالفعل قدمواً إنذاراً لدول الخليج لم يُستجب له من قبل الرياض بعدم تسليح الجيش الحر.

طهران وتل أبيب من جديد
القضية التي تُجمع إسرائيل وإيران وتحرك الموقف المصلحي للغرب من منظور حماية إسرائيل أو حتى حماية مصالحهم, أنّ الذبح والقتل رغم كل الشناعة التي تُمارس بهما على الشعب لم يعد يعطي نتيجة حاسمة لإيقاف الثورة بل على العكس أضحي يُغذّيها بيمين عهدٍ دائم يهتفُ به الرضّع الجدد أمام مواكب جنائز أقرانهم, هذا ليس حديثاً عاطفياً, إنه مشهدٌ يستمطر تأكيده يومياً أمام المراقب والمحلل السياسي, هناك قضيةٌ عقائدية مركزية للشعب السوري وهي إسقاط النظام الأسدي بدمغته الإيرانية فهو طريق الحرية, ولا يوجد أيّ تراجعٍ رغم كل التردد الخليجي والتقاعس العربي والخذلان وسلسلة خطابات أردوغان غير المنتجة على الطبيعة, لم تتزحزح إرادة الشعب السوري قيد أُنملة.

ومع كل ذلك فالثورة متماسكة من قلب ميدانها الداخلي متحدةً بين الجيش الحر وحلفائه العسكريين ومع قيادة حراك الداخل المدني ومناضليها, هنا يكمن لنا المأزق الذي يخنق طهران وحدائقها الطائفية وتل أبيب وخشية موسكو على مزارعها, وبرغم تأخّر التسليح وتباطؤ الأتراك القاتل يتوسّع الجيش الحر في خطته الإستراتيجية ونقل المعارك إلى مواقع حيوية وخطيرة على النظام واستمرار خلق بؤرٍ متعددة لتحقيق الزحف الذاتي لصناعة المنطقة العازلة والتي بات الأتراك -ليس كمبادرة منهم ولكن كاعتراف بالواقع- يحاولون الاقتراب منها والتعاطي معها بصورة جدية لخلق وضعية أفضل لهم مع العهد الجديد.

الانضمام النهائي لحلب ودمشق للثورة يعطي منعطفاً مركزيا مهماً في دلالته وخطيراً على مستقبل النظام

معادلة الثورة الجديدة حلب ودمشق
مع كل سيناريو الانتصار الذاتي الذي تحققه الثورة وتحدثنا عنه في المقالات السابقة كحقائق على الطبيعة, يغفل عنها الرأيُ العام لبشاعة المجازر، إلا أنّ التطور الأخير بالانضمام النهائي لحلب ودمشق للثورة يعطي منعطفاً مركزيا مهماً في دلالته وخطيراً على مستقبل النظام, فما بين مساء الثالث وصبيحة الرابع من مايو/أيار الجاري جرى في المدينتين حدثان مركزيان نوعيان لمسيرة مشاركتهما في الثورة, ففي أقل من أربعٍ وعشرين ساعة واجهت جامعة حلب مركز الثورة في الشهباء هجوماً عسكرياً مكثفاً من كتائب النظام أردف ليلاً بمظاهرات مكثفة تضامناً مع الطلاب, وقد جاء الهجوم عبر سلسلةٍ مترادفة ومتوالية من الارتفاع التدريجي لشراكة حلب انتهى إلى أنّها الآن باتت تنافس عواصم الثورة في الفعاليات والفداء.

وفي الصفحة الأخرى المهمة جداً لمسيرة الثورة ولحرب النظام الشرسة للمحافظة على أسر المدينتين عبر وحشية الشبيحة من جهة وجزرة تحالفه مع البرجوازيين المغموس بلغته التهديدية في برنامج رامي مخلوف, هذه الصفحة جاءت عبر حي القابون الدمشقي بعد سلسلة من المداهمات والمظاهرات للعاصمة واجتياح مشاعر التضامن والاحتجاج المدني التي تنقّلت في أحياءِ دمشق ولم تعد برامج الاستهلاك لوعاظ النظام كالبوطي وغيره تُمثل أيَّ رادعٍ لمصلحة الأسد إنما باتت رافعةً لإسقاط هذه النسخ من علماء الاستبداد.

وهنا يجب أن نتوقف عند شكل الاستباحة والهجوم الذي تعرض له حي القابون الدمشقي.. لماذا؟
السرُ هنا أنّ أنموذج هذا الهجوم أخذ النسخةَ الحمصية ذات الفداء الأسطوري, هنا يبرز لنا حجمُ اضطراب النظام من داخله في مقابل صعود المواجهة الدمشقية وتطورها, وخسارته الإستراتيجية بإعلان الحرب الشاملة في حلب ودمشق بذات حربه على مدن وعواصم الثورة, هذا المقياس الدقيق لتقدم دمشق وهستيريا النظام يُعزز قطعاً حركة صعود الثورة وفشل دورة المذابح الأشنع في التاريخ المعاصر من تأخير زحفها لتحقيق مشروع التحرير الكبير.

فماذا لو أضفنا عملية مطار المزة العسكري, وماذا لو أدرجنا تحولات منطقة ريف دمشق كحزام عسكري للجيش الحر ينفذ عمليات نوعية في دمشق ضد مواقع النظام العسكرية وفرق الشبيحة؟ إذن هذا الصعود يحملُ بعداً تدريجياً مختلفاً لإنهاك النظام وصعود الثورة, وقد أعلنت الثورة معادلةً جديدة أمام النظام.. دمشق وحلب تتقدمان في مواجهة الداعمتين لصمود النظام طهران وتل أبيب, وليس هناك شك بأن قوة الاختراق الداخلية للثورة أقوى من أي دعم خارجي للنظام.

السلاح عنوان الحسم المركزي
خلال الأسابيع الماضية صعدت حركة الانشقاقات لمستوى أعداد وقطاعات جديدة قياسية في مسيرة الثورة وخاصةً انضمام بعض الضباط العلويين للجيش الحر ودلالته العميقة, ومع مشروعية الاستفادة من كل تقاطعٍ عربي وخليجي خصوصاً لدعم الثورة عبر الإغاثة والتسليح, إلاّ أنّ المطلوب من العمق الشعبي العربي والإسلامي أن لا ينتظر هذا التأخر والتردد غير المبرر من أنقرة والخليج مع بقاء الاستفادة من مواقف الدول المتعاطفة لمصالحها والحذر من المنافقة, وهنا ما أقصده بوضوح الدخول مباشرة لتأمين السلاح للمقاومة السورية ولكن مع اعتماد آلية إيصال مباشر لممثلي الجيش الحر والمجلس العسكري ولا يضر بعض الاختلاف السياسي حيث أعلنا وحدة خطتهما العسكرية, وكذلك رفع معيار الحذر من عدم فسح أي مجال لتشكيلات منفصلة ومؤسسة على أي أساس مختلف عن قواعد الثورة السورية ووحدتها الداخلية بين الحراك الثوري والجيش الحر.

وصول حالةَ النفير الشبابي في الداخل السوري لأعلى مستوياته حقق توازن إستراتيجي لمصلحة الثورة, والمهمة باتت بكل جزم قوة الأرض والسلاح

وتجدر الإشارة هنا إلى موقف الثورة الليبية الرائع من مبادرة التسليح وكذلك التأكيد على الأطراف الشعبية والعلمية الخليجية مواصلة التحذير والجزم بمنع أيّ متطوعٍ من الأرض الخليجية أو عبرها للدخول إلى سوريا وترك المهمة التي أكدت كل المصادر السورية أنها بحاجة إلى سلاحٍ ودعم عسكري عربي لا أفرادٍ متطوعين, فالثورة هي الأدرى والأقدرُ على إدارة معركتها الداخلية والتعامل مع الأرض والديمغرافية الوطنية بعيداً عن أي تطرف أو اجتهاد أحمق تستثمره إيران والنظام ضد الثورة.

ووصول حالةَ النفير الشبابي في الداخل السوري لأعلى مستوياته حقق توازنا إستراتيجيا لمصلحة الثورة , والمهمة باتت بكل جزم قوة الأرض والسلاح.. إنها معركة الحرية والانتصار لقوافل الاستشهاد والنُصب الدموية, رغم كل المؤامرات لم تَفتر العزائم ولم تنخفض الرايات.. شامخةً سوريا بشهدائها وانبلاج الفجر لحرية مدنية عربية.. ويسألونك متى هو؟ أليسَ الصبح بقريب؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك