توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

سبق وأن قدم الأستاذ زياد منى عرضا لكتاب المدير الأسبق لمحطة "سي آي أيه" في الأردن جاك أوكونيل, على "الجزيرة نت". واختار ترجمة لعنوانه هي "كاتم أسرار الملك: مذكرات حرب وتجسس ودبلوماسية في الشرق الأوسط". وضمّن عرضه تلخيصا وافيا مرفقا ببعض التعليقات السريعة, لحزمة الأسرار التي كشفها أوكونيل, والتي أغلبها لم يكن من صلب موضوع الكتاب بل أتى على ذكرها عرضا في مجرى كتاب يقرّ أوكونيل أنه كتبه "تنفيذا لأمر ملكي".

ونحن في أولى مقالاتنا التي تتناول الكتاب, معنيون بالتوقف عند أبرز ما يعنينا منه كأردنيين وكعرب, لنخضعه للتمحيص والتحليل. ولكن بداية يتوجب إيضاح الإطار الذي يأتي فيه الكتاب, ودور "الكاتب" الذي ليس هو دور رجل "سي آي أيه" ولا حتى دور كاتب سيرة ذاتية.. ولكن صيغة "المذكرات" التي اضطر لها الكاتب تتيح لنا الإطلال على أمور غير تلك التي أراد الكاتب توجيهنا نحوها حصريا. 

كان الملك حسين يشعر أنه في سعيه للسلام "تعرّض للخيانة" على يد أميركا وإسرائيل والفلسطينيين والمصريين, ولهذا كان مستعدا لكشف كل ما يعرف, أو لجعل أوكونيل يكشفه

أوكونيل  تقاعد من "سي آي أيه" عام 1973 وافتتح مكتب محاماة, وكونه وضع نفسه لحد كبير في خدمة الملك بصورة غير مألوفة من نظرائه, ضمن له أن يصبح "محامي الأردن". وفي بداية التسعينيات كلفه الملك بالبحث عن  "كاتب أميركي معتبر" ليروي القصة التي أصبحت "تشغل بال الملك وتستحوذ عليه", وهي قصة  "بحث الملك بلا جدوى عن السلام".. أي أنه يمكن افتراض قيام أوكونيل بكتم بعض الأسرار التي لا تخدم خلاصة معدة مسبقة لكتاب تأريخي وثائقي.

فالملك -حسب أوكونيل- يشعر أنه في سعيه ذاك للسلام "تعرّض للخيانة" على يد أميركا وإسرائيل والفلسطينيين والمصريين.. ولهذا هو مستعد لكشف كل ما يعرف, أو لجعل أوكونيل يكشفه. ويقول الملك إن دافعه لوضع هذا الكتاب ليس تلك الخيانة, بل هو "السلام", وإنه يريد هذا الكتاب ليعلم العالم لماذا فشل السلام (بين العرب وإسرائيل), وليعلم الناس ما عليهم فعله بهذا الشأن.. وعلى أوكونيل أن يجد كاتبا لهذا!!  

أول من اتفق معه أوكونيل كان محررا ومراسلا للشؤون الخارجية في "واشنطن بوست", اسمه فيليب غيلين. وعندما أحضر أوكونيل غيلين للأردن أوضح له الملك أن "الهدف من الكتاب تصويب السجل التاريخي", وقال (أي الملك) إنه سيجعل نفسه متاحا للقاء غيلين في أي وقت يريده الأخير, فيما سيكون أوكونيل حلقة الوصل بينهما "يوما بيوم".. ولكن الذي أعاق المهمة مرض ثم وفاة غيلين. 

ورغم المغريات الهائلة التي لا تقتصر على أخذ أولوية قصوى في وقت الملك ووثائقه, لا يبدو أن العثور على "كاتب أميركي معتبر" يقبل المهمة كان سهلا. فاستمر بحث أوكونيل لنهاية التسعينيات, حين بدأ مدير عام وكالة الاستخبارات الأميركية الأسبق ديك هلمز بكتابة مذكراته.

فعرض أوكونيل على هلمز أن يضمّن "الأحداث التي يريدها الملك في كتابه" باعتبار أن العديد منها حدث في فترة ترؤس هلمز لـ "سي آي أيه". وهلمز تحديدا, حسب أوكونيل, كان وسيلة الاتصال المفضلة بين الملك شخصيا والولايات المتحدة طوال توليه منصبه, لكون الملك لا يحب التعامل مع أميركا عبر قنوات السياسة الخارجية. وفي اللقاء الذي رتبه أوكونيل بين الملك وهلمز في واشنطن, طلب الملك من أوكونيل أن يطلع هلمز على كل ما يعرفه. فتساءل أوكونيل مستغربا "كل شيء؟؟ وماذا عن لقاءاتك مع الإسرائيليين؟".. فجاء رد الملك: قلت "كل شيء", فأنا لست خجلا من أي شيء فعلته. 

ولكن بعد أشهر طويلة قدّم فيها أوكونيل أوراقا عديدة لديه, اعتذر هلمز بأنه من الصعب عليه تضمين ما يريده الملك ضمن مذكراته. وبعدها بقليل ظهرت أعراض المرض على الملك وتوفي, وهو يظن -حسب أوكونيل- أن هلمز سيكتب "قصته" ضمن مذكراته. وتوفي هلمز بعده بسنوات قليلة ونشرت مذكراته التي يقول أوكونيل إنها لم تحو شيئا مما "ساهم به" هو, وإن منطقة الشرق الأوسط لم تذكر بأكثر من أربع صفحات في تلك المذكرات.. ما جعل أوكونيل أمام "وصية" لا يوجد أحد غيره لينفذها, ووفاء للملك حسين قرر كتابة المطلوب منه, مستعينا على إخراجه بكاتب محترف هو فيرنون لوب, وهو محرر آخر في "واشنطن بوست".  

الكتاب حقيقة لا يضيف جديدا كثيرا لمن يتابع ما نشره غيره, رغم كون من يتحدث هنا هو مدير محطة "سي آي أيه" في عمان ما بين عامي 1963 و1967, وسبق له أن عمل في عمان موفدا من دائرته عام 1958, وفي كليهما كانت مهمته "إبقاء الملك في السلطة". الجديد حقيقة يمكن أن نتوصل إليه من القراءة بين السطور, وتحليل ما يورده أوكونيل في ضوء معلومات أخرى ذات علاقة من مصادر أخرى أكثر اطلاعا, أو على الأقل أكثر حيادية من أوكونيل الذي ينفذ هنا أمر مستخدمه ووصية صديقه.

اعتبر الملك حسين العدوان الإسرائيلي على قرية السموع في الضفة الغربية دلالة على أنهم يستهدفون عرشه وأن هذا العدوان مزق "الاتفاق غير المكتوب" مع الإسرائيليين على تحييد الجبهة الأردنية

فالذي يبدو غريبا أن أوكونيل لم يكن مطلعا, بحكم موقعه في عمان, أكثر من غيره من الأميركان والعرب, حتى في الشأن الذي اعتبره سر الأسرار وقمة "كل شيء", وهو اتصالات الملك حسين السرية مع إسرائيل. فهذه كشفها الملك بنفسه خريف عام 1966 لأوكونيل وللسفير الأميركي فندلي بيرنز, وهو الكشف الذي فاجأ الرجلين كما فاجأ كامل الإدارة الأميركية. وسبب كشف الملك لاتصالاته تلك هو تحديدا شعوره بأنه "جرت خيانته" من قبل الإسرائيليين عندما هاجموا برا وجوا قرية السموع في الضفة الغربية, في اليوم الثالث عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني من ذلك العام, ردا على عمليات  الفدائيين الفلسطينيين عبر الحدود الأردنية. وهو الهجوم الذي أدى لخسائر أردنية عسكرية ومدنية وخسائر في الأرواح. 

ويورد نص تقرير السفير بيرنز لواشنطن في 23 نوفمبر/ تشرين الثاني 1966, أن الملك اعتبر العدوان الإسرائيلي دلالة على أنهم يستهدفون عرشه, وأن هذا العدوان مزق "الاتفاق غير المكتوب" مع الإسرائيليين على تحييد الجبهة الأردنية. وفي برقية (كلاهما منشور في كتاب آخر عن الملك لنايجل آشتون ) أرسلها السفير لواشنطن بتاريخ 11 ديسمبر/ كانون الأول, يقتبس مطولا من "ما أسره" الملك له ولأوكونيل, ومنه حديثه عن كونه لم يكن يؤمن يوما أن الحرب حل للمشكلة الفلسطينية, وأنه فعل أقصى ما بوسعه  للقضاء على "العمليات الإرهابية الآتية عبر الحدود الأردنية", وأن هذا تعرفه أميركا كما يعرفه الإسرائيليون أيضا.

ويقتبس السفير قول الملك " أنا أخبرتهم بهذا شخصيا... خلال السنوات الثلاث الماضية كنت التقي سرا مع غولدا مائير وإيبان وآخرين. وقد بحثنا هذه المشاكل مطولا واتفقنا على كل أوجهها. وأخبرتهم, ضمن أشياء أخرى, أنني لا أستطيع أن أستوعب أو أحتمل أي ضربة انتقامية جادة. فتفهموا الأمر ووعدوا بأنه لن تكون هنالك ضربة أبدا... وآخر رسالة وصلتني من الإسرائيليين كانت لطمأنتي مجددا لعدم وجود أية نية لديهم لمهاجمة الأردن. الرسالة وصلتني يوم الثالث عشر من نوفمبر/ تشرين الثاني, ذات اليوم الذي هاجمت فيها قواتهم قرية السموع... والغريب أنه بالرغم من الاتفاقيات والتفاهمات والتأكيدات السرية أنا لم أكن مطمئنا تماما لنواياهم نحوي أو نحو الأردن. وفي تقديركم أنتم للنوايا الإسرائيلية أطلب أن تضعوا تجربتي معهم في معادلتكم... إيبان نفسه الذي أعرب عن تفهمه لمشاكلنا وأعطانا تأكيداته, في طريقه الآن إليكم, وأنا متأكد بأنه سيقول لكم ألا تلبوا حاجات الأردن". وتقول برقية السفير إن الملك ختم بقوله بمرارة: "هذا ما يحصل عليه المرء لمحاولته أن يكون معتدلا, أو بالأحرى لكونه غبيا".

 هذه كلها اعترافات أدلى بها الملك طوعا, وليست أسرارا تكشفت لأوكونيل بحكم عمله في الأردن. على العكس من هذا, إذا نظرنا للمرة الوحيدة الذي اطلع فيها أوكونيل على لقاء الملك بمسؤولين إسرائيليين (بعد هذا الاعتراف أصبح يتلقى تقريرا أردنيا عن اللقاءات ويرسله لواشنطن), نجد دوره أقرب لـ "شاهد ما شفش حاجة".

ففي مايو/ أيار 1969, تلقى دعوة لمرافقة الملك للعقبة بطائرة الملك التي كان يقودها بنفسه, ومعهما زيد الرفاعي. ولم يقل أي منهما شيئا عن هدف الرحلة، فبقي أوكونيل على ظنه أنها دعوة عشاء كالعادة. وحين وصلوا منتجع الملك تساءل أوكونيل عن بقية الضيوف, فقال له الملك: "نحن ذاهبون لاجتماع. فالإسرائيليون عملوا ديكورات جديدة للقلعة القديمة المهجورة على جزيرة مرجانية" . وحين تساءل أوكونيل عن حضوره معهم وأثره, قاطعه الملك قائلا: "أنت لن تأتي, ولكن لا أحد غيرك يعرف أين نحن, ونريد التأكد في حال لم نعد, أن هنالك من يعرف ما جرى". وأعطاه جهازwalkie-talkie وطلب منه الجلوس على رمال الشاطئ وانتظار عودة قارب الملك.

ما أورده أوكونيل, لا يمثل فقط سجل أحداث قديمة, بل هو مما يهم الأردنيين الآن تحديدا, داخليا وإقليميا.. فجذور ما يلقي الآن بثقله, على الأردن والإقليم بعامة, تعود لسنوات بل وعقود مضت

وجلس أوكونيل, مع زجاجة ويسكي, على الرمال يرقب الخليج من الساعة الثامنة ليلا وحتى الواحدة فجرا. وحين عاد الرجلان أخبراه أنهما تعشيا في القلعة وأن جولدا مائير كانت تقوم بتضييف الملك, وأن أبا إيبان وإيجال ألون وياكوف هيرتسوغ حضروا العشاء. وحين قال أوكونيل إن هذا أقرب للحفلة منه للقاء عمل, كان رد الملك: "لقد قضينا وقتا ممتعا". وعندما سأله إن أنجزا شيئا, جاء رد الملك "في الحقيقة لا". ولكن ما أنجز هو أن أوكونيل أرفق بنسخة تقرير الرفاعي عن الزيارة المرسلة لديك هلمز, ملاحظة عن كون قارب الملك المفترض أن يجري إخلاء العائلة المالكة به في حالة الطوارئ, ربما لا يكون مناسبا للإبحار في جو عاصف, فأرسل هلمز يختا كبيرا مستعملا, هدية للملك. 

الجديد الوحيد الذي يضيفه أوكونيل هو أن الملك حسين اعترف له ولأميركان آخرين, منذ أوائل تسعينيات القرن الماضي, أي منذ وقع اتفاقية وادي عربة مع إسرائيل, واستمر في اعترافه لحين وفاته, بأن "السلام" بين العرب والإسرائيليين قد فشل.. بل واعترف تحديدا بفشل مسعاه هو شخصيا للسلام. ولكن مع رغبته في تبرير ذلك الفشل في كتاب يخاطب العالم, لا نجد أثرا للاعتراف به لشعبه. فمع أن الأردنيين لم يُذكروا (حسب القائمة التي وردت في كتاب أوكونيل ) مع من خانوا الملك, إلا أن خطاباته التي صعّدت بدايات العام 1997 كانت تحمّل الجانب العربي والأردني مسؤولية عدم إشعار الإسرائيليين بالأمان لتحقيق السلام.. وأذكرها جيدا لأنها استلزمت مخاطبتي له برسالة علنية مطولة عنوانها "شعبك خائف ومجروح", تعرض جراحات تاريخية للشعب الأردني هي الأولى بخطاب ملكها, نشرت في مايو/أيار 1997. ومع أن كتابا موالين اعتبروا الرسالة نصيحة موالاة, بل ودليل موالاة, فإن ما قامت به المخابرات الأردنية حينها كان جولة على المكتبات لتحبير الصفحتين اللتين شغلتهما الرسالة من أسبوعية "الميثاق", وهو ما أنتج انتشارا أوسع للرسالة. 

وتلزم وقفة أخرى مع بعض أهم ما أورده أوكونيل, مما لا يمثل فقط سجل أحداث قديمة, بل هو مما يهم الأردنيين الآن تحديدا, داخليا وإقليميا.. فجذور ما يلقي الآن بثقله, وليس فقط بظلاله, على الأردن والإقليم بعامة, تعود لسنوات بل وعقود مضت. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك