غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري

تأتي مهمة المبعوث المشترك للأمم المتحدة والجامعة العربية كوفي أنان في سياق الإدراك الغربي الذي يتعاطى مع الحالة السورية بوصفها قضية معقدة ومركبة، يجري تصنيفها في خانة القضايا التي تنطوي على جملة من الاحتمالات الخطيرة، مقابل وجود بعض الفرص التي تحتاج إلى مناخ مناسب لإنضاجها.

تشابك الأزمة السورية بين داخل تطيَّف إلى أبعد الحدود, وبين كتلة عسكرية كبيرة ومنحازة إلى طرف بعينه، عناصر -في رأي الغرب- تحتاج إلى عملية هندسية لتفكيكها

وبالتالي فإن الاعتقاد السائد في مراكز تقدير المواقف وصنع القرار في الغرب، ترى أن من شأن تفجر هذا النمط من الأزمات -وهو ما صرح به مؤخراً وزير خارجية ألمانيا جيدو فيسترفيله- أن تكون له ارتدادات واسعة وخطيرة على الإقليم. وتزاوج هذه الرؤية بين حساسيات الدول الإقليمية وحسابات القوى الغربية، وبين الالتزامات الغربية مع كل من روسيا والصين.

ولعل حالة التشابك في الأزمة السورية بين داخل تطيّف إلى أبعد الحدود بفضل ممارسات النظام ومؤيديه، وبين كتلة عسكرية كبيرة ومنحازة إلى طرف بعينه، إضافة إلى وجود جوار إقليمي يقف على عتبة الانفجار، هي عناصر في رأي الغرب تحتاج إلى عملية هندسية لتفكيكها، أو على الأقل إبطال مفاعيل تفجرها وحصر ضررها في أضيق نطاق ممكن. والواضح هنا أن إستراتيجية الغرب في ذلك تقوم باتجاهين متزامنين ومتوازين:

- الاتجاه الأول: يبدأ ببناء مسار قانوني تراكمه قرارات مجلس الأمن ومنظمات الأمم المتحدة بمختلف مستوياتها ودرجة فعاليتها وإلزاميتها، ومن خلاله يصار إلى انخراط الطرف الروسي في جملة هذه القرارات والمبادرات، وهو الطرف الذي يملك القدرة على تعطيل المستوى الأكثر فاعلية في هذه القرارات عبر حق النقض الذي يملكه في مجلس الأمن، وجعله شريكاً في الحل، ووضعه أمام مسؤولياته في حفظ الأمن والسلم العالميين في إطار الشرعية الدولية وإخراجه تالياً من كونه طرفاً في الأزمة، لغاية الوصول إلى عزل نظام الأسد عن شبكة الحماية الدولية التي جمّدت الحراك السياسي وحصرته في أقنية مفيدة للنظام. والواضح أن مهمة أنان تشكل بداية هذا المسار الذي يبدو أنه سيكون طويلاً ومؤلماً بالنسبة للشعب السوري، ولكنه من وجهة نظر الغرب أقل الخيارات المتاحة سوءاً.

والواضح أن ثمة رهاناً غربياً في هذا الإطار على أن تؤدي إستراتيجية تحصيل ما يمكن تحصيله من مجلس الأمن، إلى إحراج الطرف الروسي ودفعه إلى التسليم بضرورة وجود نمط مختلف من التعاطي مع الوضع السوري، أو على الأقل شل قدرته على استخدام النقض والاعتراض ضد قرارات مجلس الأمن وحصرها في أحسن الأحوال في خانة التحفظ كما حصل في الحالة الليبية.

تدرك الدوائر الغربية أن إمكانية التنسيق مع بعض أطراف الكتلة العسكرية في سوريا -المخترقة من قبل روسيا وإيران- أمر غير ممكن دون وجود عملية سياسية تفتح الباب لمساومات فعلية

- الاتجاه الثاني: محاولة اختراق الكتلة العسكرية، وتهيئة خيارات أخرى أمامها غير خيار الالتصاق بالأسد في حال استمرار الأخير رفض إيجاد حل سياسي للأزمة. ومن ضمن هذه الخيارات، ضمان حصول الجيش على دور في التغيير المقبل، مع إمكانية إيجاد نوافذ للتخلص من الاتهامات. ويمكن في هذا السياق اعتبار العقوبات التي فرضتها الدول الغربية على بعض الضباط الكبار في الجيش كنوع من ممارسة الضغوط عليهم لتفكيك ولائهم للأسد.

وفي هذا السياق تدرك الدوائر الغربية أن إمكانية التنسيق مع بعض أطراف الكتلة العسكرية في سوريا -المخترقة من قبل روسيا وإيران- أمر غير ممكن دون وجود عملية سياسية تفتح الباب لمساومات فعلية، بعد أن تتم معرفة مراكز القوى في هذا الجسم العسكري ومدى فعاليتها وتأثيرها.

يدرك الغرب تماماً أنه ببقاء هاتين العقدتين يصعب إيجاد مخارج عملية للأزمة السورية، خاصة أن الجوار الإقليمي تكرس كعامل غير مساعد لإنجاح أي توجه دولي في المسألة السورية، فقد توضح تماماً أن تركيا تواجه حزمة من التعقيدات الداخلية والإقليمية المعقدة التي لا يمكن معها أن يكون لتركيا أي فعل أو تأثير. ذلك أن الحسابات المعقدة لأردوغان وحزب العدالة والتنمية كادت تحوّل الدور التركي إلى مجرد ظاهرة صوتية ليس أكثر.

كما أن الأردن الذي يتداخل مع سوريا في المجالين الجغرافي والديمغرافي يتعامل بحذر كبير مع الأزمة، لخوفه من انتشار السلاح واحتمال انتقال جزء منه إلى أراضيه، مما يهدد النظام الموجود الذي يعاني مما يكفي من التعقيدات، في حين يبدو لبنان كأنه ينام ويصحو ويده على الزناد، حيث ترك المسؤولون فيه الأزمة السورية تتفاعل داخل مجتمعهم إلى حدها الأقصى. أما العراق فقد أعلن انحيازه النهائي إلى النظام دون الحاجة إلى عمليات تمويه وإخفاء، بل ذهب إلى تسخير كافة إمكانياته المالية والدبلوماسية لخدمة النظام السوري وتحويلها إلى عناصر فاعلة في سبيل ضمان استمرار النظام وبقائه.

على ضوء ذلك وفي ظل وجود هذه الكتلة العسكرية الكبيرة وإمكانية رفدها من بعض الحلفاء الإقليميين، وكمية ونوعية الأسلحة والذخيرة التي تمتلكها، فإن الأزمة مرشحة لأن تطول ويكون لها جولات دموية وجنونية في مراحل معينة، خاصة بعد أن تكشف أن الجسم العسكري قد جرى بناؤه بطريقة يصعب إحداث أي خرق داخله، باعتباره كتلة متراصة ومنسجمة في المصلحة والفعل. كما أن هذه الكتلة لا تشكل قاطرة النظام وحسب، بل جسمه الأساسي، ولا توجد فيها مفاصل متمايزة ومرنة بما يسمح لها الانفصال عن النظام والاستمرار كمؤسسة عسكرية مستقلة، وبالتالي فإن مقولة إسقاط النظام بالقوة تعنيها تماماً، إذا لم يتم اختراقها بطريقة ما وما لم يصار إلى منحها الضمانات التي تحفظها من جهة وتؤمن لها الدور والمكانة في المرحلة القادمة، بمعنى إظهار التمايزات في داخل هذه الكتلة.

ترتكز مهمة أنان على إستراتيجية غربية تقوم على فتح نوافذ معينة لأطراف الأزمة وتأمين خطوط التراجع لها، انطلاقاً من إدراك أصحاب هذه الإستراتيجية أن الأزمة وصلت إلى حدودها القصوى

ولكن كيف يمكن لمهمة أنان تفكيك هذه الحالة المتشابكة وتحقيق اختراق ما في الأزمة السورية؟ لا شك أن هذه المهمة ترتكز على إستراتيجية غربية تقوم على فتح نوافذ معينة لأطراف الأزمة وتأمين خطوط التراجع لها، وذلك انطلاقاً من إدراك أصحاب هذه الإستراتيجية أن الأزمة وصلت إلى حدودها القصوى، وأنها بعد ذلك ستكون مفتوحة على مشارف ومآلات يصبح التراجع معها غير ممكن، وتكون بذلك قد تجاوزت مجال العمل السياسي، إضافة إلى الاعتقاد بأن الأطراف قد استنفدت جزءاً كبيراً من رصيدها السياسي والدبلوماسي، وهي بحاجة إلى مبادرة معينة تساعدها على إعادة تموضع جديد من الأزمة بشروط جديدة، بما فيها جيش النظام وحلفاؤه الإقليميون والدوليون.

وفق هذا التحليل المبني أساساً على زاوية النظر الغربية للأزمة وإستراتيجية حلها، تبدو الأزمة السورية تتجه صوب التفكيك، وخاصة في مفاصلها الأساسية، وهي مرحلة أولى وضرورية للخروج الآمن لكل أطراف الأزمة عبر إيجاد مخرج متفق على حدوده الدنيا، غير أن ذلك لا يضمن بالضرورة نجاح مهمة أنان، خاصة أن البيئة التي تتغذى منها الأزمة -بمكوناتها الداخلية والخارجية- تتسم بطابع متوتر إلى أبعد الحدود، وتمتلك القدرة على تأمين الشحن الفائض للأزمة بما يضمن استمرارها وبلوغها درجاتها القصوى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك