حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية

عندما نهضت الشعوب العربية في تونس ومصر وليبيا مطالبة بالتحرر من الظلم والطغيان ورافعة شعار "يسقط النظام" راح معظم الكتاب يتحدثون عن تأثير هذه التحولات الفارقة على بقية الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط. لقد تجاهل هؤلاء ذكر الدول الأفريقية بما في ذلك السودان ومدى تأثير الربيع العربي عليها. ولعل ما يثير التعجب هو محاولة الفصل التعسفي بين دول الشمال العربية وبقية دول أفريقيا جنوب الصحراء، حتى إن البعض بدأ يتحدث عن نماذج تركية وماليزية وإيرانية يمكن أن تقتفي أثرها الثورات العربية.

إن علينا اليوم التخلص من القوالب الفكرية الجامدة والنماذج الذهنية المشوهة حول علاقة العرب والأفارقة. ألم تذهب دعوة الإسلام إلى بلاد الحبشة قبل أن تصل إلى المدينة المنورة؟ وألم تمثل الصحراء الكبرى معبرا لتبادل الأفكار والعقائد قبل أن تكون ممرا لنقل البضائع والتجارة بين شمال أفريقيا وجنوبها؟

هذا المقال يسعي إلى التوكيد على القواسم التاريخية والحضارية المشتركة بين العرب والأفارقة وإلى إبراز أهمية الاستفادة من تجارب وخبرات كل طرف ولا سيما فيما يتعلق بقضايا النهضة السياسية والتنموية الشاملة.

الربيع الأفريقي أولا
علينا أن نعترف منذ البداية أنه حينما كانت أدبيات التحول الديموقراطي تتحدث عما أسمته حالة "العجز الديمقراطي" في العالم العربي أو ما أطلق عليه أحيانا اسم "الاستثناء العربي" في موجة التحول الديمقراطي التي شهدتها كثير من دول العالم بعد نهاية الحرب الباردة فإن الدول الأفريقية شهدت ما يمكن تسميته موجة الربيع الأفريقي.

تعددت مسارات التحول عن النظم التسلطية السياسية في أفريقيا منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي. فظهرت فكرة المؤتمر الوطني الذي يعد من أبرز مناهج التغيير السلمي للنظم التسلطية

وقد تعددت مسارات التحول عن النظم التسلطية السياسية في أفريقيا منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي. فظهرت فكرة المؤتمر الوطني الذي يعد من أبرز مناهج التغيير السلمي للنظم التسلطية من خلال التفاوض النابع عن ضغوط واحتجاجات شعبية عارمة. ولعل المثال الأبرز هنا هو ما حدث في دولة بنين عام 1991.

ومن المفيد هنا الإشارة إلى خبرة "برلمانات الشوارع" التي أقامها الأفارقة باعتبارها قنوات شرعية بديلة لمواجهة طغيان السلطة الحاكمة، وهذا ما حدث في جمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير سابقا)، وأسهم في الإطاحة بنظام الرئيس موبوتو.

وربما تطرح أفكار البرلمان الموازي والمؤسسات النقابية والعمالية الموازية في مصر أواخر عهد مبارك امتدادا لنفس تلك الأفكار الأفريقية التي تعبر عن عبقرية الأفارقة باستحداث أدوات سلمية لمقاومة الظلم والطغيان.

وقد اتخذت موجة التحول الديمقراطي في أفريقيا آنذاك إشكالا ونماذج أخرى مثل إجراء الانتخابات التعددية وسيلة سلمية للتحول من نظام التسلطية السياسية كما حدث في زامبيا وغانا ونيجيريا. وتم تعزيز هذه الانتخابات بعد إجرائها أكثر من مرة، وهو ما جعل دولة مثل غانا تعد إحدى قصص النجاح الكبرى للتحول الديمقراطي في أفريقيا.

هل يتجه الربيع العربي جنوبا؟
من الواضح أن الربيع العربي قد جاء متأخراً عن نظيره الأفريقي بنحو عقدين أو يزيد. ومع ذلك ثمة انعكاسات واضحة لتحولات الربيع العربي في شمال أفريقيا على بقية دول القارة. ونستطيع أن نشير إلى عدد من الملاحظات الأساسية في هذا السياق:

- ثمة قضايا مشتركة تمثل أساسا لإمكانية الثورة على نظم الاستبداد القائمة في أفريقيا، إذ لا تزال هناك عدة دول أفريقية تشهد وجود حكام أمضوا في السلطة أكثر من 20 عاما مثل الكاميرون وزيمبابوي، بالإضافة إلى وجود نظم عائلية حاكمة مثل ما هو الحال في الكونغو الديمقراطية والجابون وتوغو. أضف إلى ذلك فإن عنصر الشباب -الذي حرك ثورات الربيع العربي- يمثل النسبة الغالبة للتركيبة السكانية في بقية الدول الأفريقية.

- حاولت بعض قوى المعارضة الشعبية في العديد من الدول الأفريقية محاكاة ما حدث في كل من تونس ومصر. ويمكن أن نشير في ذلك إلى أعمال الاحتجاج العمالية والمهنية في أوغندا والمظاهرات الشعبية في دول أخرى مثل جيبوتي والسنغال وأنغولا وموزمبيق. ولعل من الأمور التي تثير التفكير والتعجب في آن واحد قيام السلطات في زيمبابوي باعتقال بعض النشطاء السياسيين ومحاكمتهم، وذلك لمشاهدتهم فيلما عن الثورة المصرية حيث كانت التهمة هي محاولة قلب نظام الحكم.

- يشير تقرير حديث صادر عن المركز الأفريقي للدراسات الإستراتيجية ومقره العاصمة الأميركية واشنطن أن الوعي الجماعي للمواطنين في الدول الأفريقية وكذلك رؤيتهم تجاه حكوماتهم قد تغير بشكل كبير نتيجة الثورات العربية في شمال أفريقيا. فثمة مشاعر تأييد وتعاطف قوية تجاه ما حدث في كل من تونس ومصر. وعادة يشير النشطاء السياسيون في أفريقيا إلى الموجة الديمقراطية العربية الجديدة باعتبارها نموذجا يحتذى في أعمال الاحتجاج والتمرد الشعبي.

الوعي الجماعي للمواطنين في الدول الأفريقية وكذلك رؤيتهم تجاه حكوماتهم قد تغير بشكل كبير نتيجة الثورات العربية في شمال أفريقيا

- رغم عدم وجود عدوى المظاهرات واسعة النطاق في الدول الأفريقية فإن العنف والتدخل الأجنبي الذي صاحب ثورات بعض دول الربيع العربي مثل ليبيا واليمن وسوريا سوف يدفع بالشعوب الأفريقية إلى التروي وعدم الانسياق وراء مطالب التغيير المفاجئ والشامل. يعني ذلك أن النموذج الليبي يصعب تكراره في كثير من الدول الأفريقية، كما أن ضغوط القوى المانحة الغربية قد تكون محدودة الأثر نتيجة الدور المتنامي للصين في أفريقيا.

وعلى أي حال فإن التدخل الدولي في الحالة الليبية أفضى إلى إحداث تأثيرات أمنية واقتصادية بالغة الخطورة على دول الجوار الأفريقية مثل تشاد ومالي والنيجر. لقد أضحت موجات هجرة العمالة الأفريقية من ليبيا بعد سقوط نظام القذافي تمثل محورا للجدل الدائر حول تأثيرات ثورات شمال أفريقيا على بقية دول القارة. وطبقا لتقديرات الاتحاد الأفريقي فإن تشاد وحدها استقبلت نحو نصف مليون عامل عائد من ليبيا.

ولعل الانقلاب الأخير الذي وقع في مالي يوم 21 مارس/آذار 2012 ضد حكم الرئيس أمادو توماني توري يرجع في بعض أسبابه المعلنة إلى فشل الحكومة في مواجهة تمرد الطوارق الذين عادوا بعتادهم من ليبيا وحققوا انتصارات كبيرة في شمال مالي.

التجربة السنغالية.. دروس وعبر
يمكن النظر إلى الانتخابات الرئاسية في السنغال التي أجريت دورتها الثانية يوم 25 مارس/آذار وأدت إلى فوز ماكي سال بالرئاسة وهزيمة الرئيس المخضرم عبد الله واد على أنها تمثل نموذجا يحتذى لبقية الدول الأفريقية. وعليه يتحدث البعض عن أهمية الدروس التي تطرحها الحالة السنغالية لدول الربيع العربي في شمال أفريقيا خاصة مصر.

- ولعل الدرس الأول يكمن في طبيعة العلاقات المدنية العسكرية المرجوة، فالسنغال هي الدولة الوحيدة في منطقة غرب أفريقيا التي لم تشهد انقلابا عسكريا واحدا، فضلا عن وضوح الحدود الفاصلة بين المجتمع والدولة بها. وإذا ما أخذنا بعين الاعتبار الدور المحوري الذي قامت به الجيوش العربية في ثورات الربيع العربي إما دعما لها أو محاولة لإخمادها لاتضح لنا أهمية الحديث عن ضرورة بناء نموذج جديد للعلاقات المدنية العسكرية في العالم العربي يقوم على حيادية واحتراف المؤسسة العسكرية وعدم تدخلها في الحياة السياسية. وذلك شرط لازم لبناء دولة مدنية ديمقراطية حقيقية.

-  أما الدرس الثاني الذي تطرحه السنغال فيتمثل في طبيعة القيادة السياسية والنخبة الحاكمة التي دعمت ثقافة الحوار والتسامح طيلة سنوات ما بعد الاستقلال. الرئيس المؤسس ليوبولد سيدار سنجور استمر في الحكم نحو عشرين عاما وخرج طوعا بإرادته مبديا اعتذاره عن استمراره في السلطة أطول من اللازم.

وقد استمر خلفه عبده ضيوف على نفس النهج لمدة عقدين من الزمان هو الآخر إلى أن مني بهزيمة في الانتخابات العامة عام 2000 على يد خصمه عبد الله واد. ومن الطريف أن الرئيس ضيوف قرر الإقامة في فرنسا حتى لا يكون عقبة أمام الرئيس الجديد.

ولعل المشهد عينه تكرر في حالة الرئيس عبد الله واد الذي هزم في الانتخابات الأخيرة كما بينا آنفا. وأحسب أن هذا النمط من القيادة والثقافة السياسية يمثل ركنا أساسيا في بناء الدولة الديمقراطية في مرحلة ما بعد الربيع العربي.

يمكن النظر إلى الانتخابات الرئاسية في السنغال التي أجريت مؤخرا وأدت إلى فوز ماكي سال بالرئاسة وهزيمة الرئيس المخضرم عبد الله واد على أنها تمثل نموذجاً يحتذى لبقية الدول الأفريقية

- ويتمثل الدرس الثالث بأن السنغال تنعم بنسبة عالية من التعليم الذي ينتشر بالتساوي في كل من المدن الحضرية والقرى، كما يوجد نمو سريع للمؤسسية بكل أشكالها الأكاديمية والمهنية والعمالية والتجارية والفنية وهلم جراً. وقد أدى ذلك إلى إفراز نخب سياسية على قدر كبير من الكفاءة والمسئولية . ولعل من أبرز ملامح ذلك هو أن السنغال بها أكثر من 170 حزبا سياسيا مسجلا بشكل شرعي. وعليه فإن مطالب مكافحة الأمية ونشر التعليم والتخلص من أزمة القيادة السياسية تمثل جميعها مطالب أساسية لبناء الدولة الديمقراطية العربية الحديثة.

وعلى أية حال فإن الدول الأفريقية -باستثناء أريتريا والصومال- التي تبنت سياسات التعددية الحزبية منذ تسعينيات القرن الماضي سوف تسير على هدي التجربة السنغالية في التحول السلمي التدريجي، وهو ما يبعدها عن مسار ثورات الربيع العربي.

وقد يفسر ذلك -ولو جزئيا- أن تأثير الإنترنت وعالمه الافتراضي لا يزال محدودا في بقية الدول الأفريقية، كما أنها لا تشهد وجود قوى الإسلام السياسي المنظمة بالشكل الذي توجد عليه في دول الشمال العربية.

تبقى الحقيقة التي لا مراء فيها هي عودة الاعتبار للمواطن العربي والأفريقي الذي سوف يصبح صوته حاسما في تحديد هوية من يتولون أمور الحكم والسياسة في بلاده. لقد ولى زمن الفرعون الحاكم والاستخفاف بالرعية إلى غير رجعة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك