فهمي هويدي

فهمي هويدي

كاتب وصحفي مصري

 

دخلت القمة العربية الأخيرة التاريخ من باب الجغرافيا. إذ لم يكن انعقاد القمة خبر الأسبوع الماضي لأن الخبر الحقيقي والأهم كان في احتضان بغداد ذلك اللقاء.

(1)

أحد الأسئلة التي ألحت عليّ طوال الرحلة إلى بغداد كان حول تفسير إصرار الحكومة العراقية على عقد القمة على أرضها، بعدما تأجلت شهرا بعد شهر طوال العام الماضي، حتى نفد صبر أهل القرار في بغداد وأعلنوا عن انعقادها بمن حضر يوم الخميس 29 مارس/ آذار, وطاف المبعوثون العراقيون بمختلف عواصم العرب لتوصيل تلك الرسالة.

حرص العراق على تثبيت "النَّسب" العربي يشكل العامل الأول والأهم في إصراره على عقد القمة العربية على أرضه تحت أي ظرف

أول ما خطر لي في الإجابة عن السؤال أن حكومة بغداد تريد أن تصل ما انقطع بينها وبين العالم العربي، منذ تحول العراق إلى دولة منبوذة جراء الاحتلال الأميركي، الذى استمر ثماني سنوات (بين عامي 2003 إلى 2011)، وبعد انسحاب القوات الأميركية نهاية العام الماضي، فإن ذلك شجع الحكومة العراقية على أن تعمل على طي تلك الصفحة وتجاوزها، بما يمكنها من تجديد أواصرها مع العالم العربي، وإثبات حضورها على الصعيدين الإقليمي والدولي.

خطر لي أيضا أن يكون رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي قد أصر على عقد القمة لتكون ورقة في يده ونقطة لصالحه لتثبيت قواعد حكمه وتقوية وضعه الداخلي، خصوصا أن ثمة شرخا مشهودا بينه وبين قيادة الإقليم الكردي. كما أن الشرخ الحاصل بين حكومته وبعض القيادات السُنية يزداد اتساعا بعد توجيه الاتهام الجنائي إلى طارق الهاشمي نائب الرئيس الذي يعد ممثلا للسنّة ولجوئه إلى كردستان. ذلك فضلا عن استمرار الصراعات داخل كل فئة، واستمرار العمليات الإرهابية التي تقوم بها أطراف متعددة المرجعيات والحسابات.

العراقيون الذين تحدثت إليهم، وبعضهم مسؤولون في الدولة، قالوا إن هذه العوامل موجودة في الخلفية حقا، لكن ثمة عاملا أكثر أهمية يكمن في المشهد، لكن الجميع لا يعلنون عنه تجنبا للحرج السياسي. وهو يتلخص في أن العراق منذ رحيل القوات الأميركية يواجه ضغوطا إقليمية قوية تتجاذبه بشدة. يتحدثون بوجه أخص عن إيران وتركيا، وأن كلا البلدين يحاول أن يتمدد فيه سياسيا واقتصاديا بل وعسكريا. أضافوا أن هناك ضغوطا أميركية مفروغا منها، ولكن الانسحاب العسكري أحدث فراغا على الأرض العراقية تحاول كل من طهران وأنقرة أن تملأه. والمسؤولون في هذين البلدين لا يلقون بالا للعمق العربي المتجذر في العراق.

في هذا الصدد قال لي أحد الوزراء إنه بوسع أي أحد أن ينتقد الحكم القائم في بغداد، لكن لا أحد يستطيع أن يشكك في عروبته، ليس فقط لأسباب قومية أو وطنية، وإنما لأسباب وجودية أيضا. ذلك أن المسؤولين في بغداد يدركون جيدا أن هويتهم العربية وحدها التي يمكن أن تعصم بلادهم من الذوبان في الجيران (للعراق حدود مع إيران بطول 1200 كيلومتر ومع تركيا بطول أربعمائة كيلومتر) وهذا الحرص على تثبيت "النَّسب" العربي يشكل العامل الأول والأهم في إصرار العراق على عقد القمة العربية على أرضه تحت أي ظرف.

في هذا السياق همس في أذني أحد المسؤولين العراقيين قائلا إنه بعد الانسحاب الأميركي أصبح العراق بلا غطاء جوي، الأمر الذى تنافس عليه بشدة الإيرانيون والأتراك، ولكن حكومة بغداد رفضت العروض المقدمة من البلدين، ولجأت إلى مصر لحل الإشكال، فاستجابت وحققت لها ما أرادته.

(2)

اجتماع القمة عقد في أحد قصور الرئيس السابق صدام حسين، وبعد الغزو اتخذه أول حاكم أميركي للعراق بول بريمر مقرا له. وفي الأسبوع الماضي توزعت بعض أجنحته على الرؤساء العرب الذين حضروا. وكان واضحا أن القصر خضع لعملية تجديد وترميم شاملة، خصوصا قاعة الاجتماع الرئيسية التي اتسمت بدرجة ملحوظة من الفخامة.

ضعف مستوى التمثيل لكل من قطر والسعودية فُهم منه أن للدولتين تحفظا قيل إن له أسبابا عدة بينها اختلافهما مع بغداد حول الموقف من تسليح المعارضة السورية الذي تمسكت الحكومة العراقية برفضه

من الملاحظات التي سجلها على الاجتماع بعض الدبلوماسيين الأجانب أن زعيما كرديا (الرئيس جلال الطالباني) رأس اجتماع القادة العرب، وأن عشرة رؤساء وقادة حضروا الاجتماع في حين أن قمة دمشق اشترك فيها تسعة منهم فقط، من الملاحظات الأخرى أن دولتين خليجيتين (قطر والسعودية) أوفدتا مندوبيها لدى الجامعة العربية لرئاسة وفديهما. وإضعاف مستوى التمثيل فُهم منه أن للدولتين تحفظا قيل إن له أسبابا عدة بينها اختلافهما مع بغداد حول الموقف من تسليح المعارضة السورية الذي تمسكت الحكومة العراقية برفضه.

لوحظ أيضا أن أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد استقبل بحفاوة خاصة من جانب العراقيين بعد تسوية النزاع حول تعويضات حرب الخليج (خمسمائة مليون دولار). وكانت تلك أول زيارة يقوم بها لبغداد منذ احتلال الكويت عام 1990. منها كذلك أن الرئيس التونسي المنصف المرزوقي اعتذر للعراقيين في المطار عن اشتراك عدد من التونسيين في أنشطة بعض الجماعات الإرهابية ببلدهم.

من الملاحظات أيضا أن أحمد بن حلي نائب الأمين العام للجامعة العربية قال إن بعض الأطراف العراقية لم تكن مرحبة بعقد القمة في بغداد، وإن الأمين العام الدكتور نبيل العربي قال إن 29 دولة طلبت حضور المؤتمر، كان بينها تركيا وإيران، إلا أن طلباتهم قوبلت بالرفض. ومما كانت له دلالته، أيضا، أن رئيس إقليم كردستان مسعود البارزاني قاطع القمة وغادر البلاد في جولة أوروبية وأميركية.

(3)

حتى اللحظة الأخيرة لم تفقد الحكومة العراقية الأمل في أن تبلغ بقدوم رئيس المجلس العسكري المشير محمد حسين طنطاوي أو رئيس الوزراء الدكتور كمال الجنزوري. وفيما فهمت فإن اتصالا هاتفيا أجري معهما، إلا أنهما اعتذرا عن عدم الحضور بسبب سخونة التفاعلات السياسية في مصر، وأزمة الإخوان مع المجلس العسكري والحكومة.

ومثل مصر في النهاية وزير الخارجية السيد محمد كمال عمرو، الذى حملته طائرة خاصة. وما إن هبط منها في مطار بغداد حتى ذهب لاجتماع مع رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء. وفي التعليق على المشهدين قال أحد العراقيين المخضرمين إن كثيرين لا يعرفون أن العراق يدفع الكثير بسبب غياب مصر، وإن حضورها هو الحل. وحسب تعبيره فإن مصر هي البلد العربي الكبير الوحيد الذي ليست له أطماع في العراق، ولا حساسيات طائفية إزاءه. ولست أبالغ إذا قلت إنه ما من مسؤول عراقي التقيته إلا وأبدى قلقه وأسفه إزاء الفراغ الذى أحدثه غياب مصر عن الساحة العربية عموما والعراق بوجه أخص.

في صدد العلاقة بين القاهرة وبغداد حدثني أكثر من واحد بما يلي:


* إن العراق حرص قبل القمة على إنهاء مشكلة مستحقات العمال المصريين الذين كانوا يعملون بالعراق، والتي جاوزت أربعمائة مليون دولار. وإن البيروقراطية المصرية مسؤولة عن تأجيل سداد ذلك المبلغ بسبب تمسكها بدفع خمسمائة مليون أخرى فوائد تأخير. وأخيرا، قبل أيام من عقد القمة، تم الاتفاق على دفع الاستحقاق الأصلي وفتح باب التفاوض حول الفوائد في وقت لاحق.

العراق كان مستعدا لحل مشكلة السولار التي فجرت أكثر من أزمة في مصر، ولو أن المشير أو رئيس الوزراء شارك في القمة لكانت تلك فرصة لحسم الموضوع وإغلاق ملفه خلال 24 ساعة

* إن العراق مستعد لحل مشكلة السولار التي فجرت أكثر من أزمة في مصر، ولو أن المشير أو رئيس الوزراء شارك في القمة لكانت تلك فرصة لحسم الموضوع وإغلاق ملفه خلال 24 ساعة.

* إن العراق الذي دمره الاحتلال، بحاجة ملحة إلى العمالة والخبرة المصرية في مختلف المجالات، ليس فقط في مجالات الإعمار (وهى بغير حدود) وإنما أيضا في المجال الزراعي. وقد حقق بعض رجال الأعمال المصريين في القطاع الخاص نجاحات مشهودة، ولكن هؤلاء لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة. (أحدهم حقق أرباحا بقيمة خمسة مليارات دولار خلال ثلاث سنوات فقط).

* ثمة شكوى من تقاعس وبيروقراطية مؤسسات القطاع العام التي لا تريد أن تتحرك أو تنجز.

وللتدليل على ذلك قيل لي إن وفدا يضم أحد وزراء الإقليم الكردي جاء للاجتماع مع رئيس واحدة من أكبر تلك المؤسسات لمناقشته في بعض المشروعات المهمة، ولاحظوا أثناء اجتماع المسؤول المصري معهم أنه كان يتابع إحدى مباريات كرة القدم، ويعبر عن قلقه لأن فريقه لم يحرز أية أهداف!

(4)

كانت تلك أول زيارة لي لبغداد بعد عقدين من الزمان. في العقد الأول (أيام صدام حسين) كان النظام غاضبا علي، وفي العقد الثاني (بعد الاحتلال) كنت من جانبي عاتبا عليه. وهذا الجفاء ظل مصدر حزن لي، لأنني طوال تلك الفترة ظللت محروما من بلد ثري يشكل جزءا عزيزا من وجدان كل عربي، خصوصا إذا كان مهتما بمسألة الثقافة والفنون، التي هي عندي أهم من النفط في العراق.

لم ألتق بغداد المدينة، لكنى صادفت بغداد المعسكر. إذ لم أر فيها سوى المدرعات والدبابات وناقلات الجنود ونقاط التفتيش التي أقيمت عند كل مائة متر. إضافة إلى مائة ألف جندي مدججين بالسلاح على الأرض. ومائة مروحية ظلت تحلق في الفضاء طول الوقت. أما الناس فقد اختفوا من الشوارع بعدما عطلت الدوائر الرسمية طيلة خمسة أيام. فمنهم من قعد في بيته ومنهم غادرها إلى بلدته أو قبيلته. وكانت النتيجة أن الشوارع صارت أقرب إلى السراديب المقفرة، بعدما وضعت ألواح الحوائط الإسمنتية على جانبيها، سواء كان خرابا أو تدبيرا إرهابيا.

لم نلتق لا أنا ولا غيري أحدا من المواطنين العاديين، ولكن كل الذين لقيناهم كانوا مواطنين موظفين، إما أنهم رجال أمن بلا حصر تخفوا في ثياب مدنية، أو موظفون انتدبوا للمراسم لمرافقة الضيوف وتلبية طلباتهم. وجميعهم ارتدوا ثيابا واحدة لا تميز بعضهم عن بعض، سواء كانوا رجالا أو نساء. أما المواطنون العاديون الذين التقيناهم فلم يكونوا عراقيين، وإنما كانوا أتراكا استقدموا خصيصا لخدمة المدعوين.

لم أر في بغداد سوى المدرعات والدبابات وناقلات الجنود ونقاط التفتيش التي أقيمت عند كل مائة متر, ومائة ألف جندي مدججين بالسلاح على الأرض, ومائة مروحية ظلت تحلق في الفضاء

وكما حدث في قمة "سرت" بليبيا التي عقدت منذ سنتين، فإن شركة تركية هائلة الإمكانيات وعالية الكفاءة تسلمت قبل أسبوعين من عقد المؤتمر 14 فندقا وبيتا للضيافة، وقامت بتوفير كل ما من شأنه خدمة المشاركين، استقبالهم وتسكينهم وخدمة غرفهم وكى ثيابهم وتقديم وجبات الطعام التركي الباذخ لهم. ونجحت في تقديم كل ما يمكن أن يريحهم، من العصائر والقهوة والحلوى وحتى الزهور، وكلها تركية بطبيعة الحال، وهى المهمة التي قام بها 2500 شخص، ارتدوا ثيابا نظيفة مميزة، وضمن ذلك الجيش كتيبة من الفتيات الجميلات اللاتي يراهن الناس في المسلسلات التركية ظهرت في مداخل الفنادق وبيوت الضيافة بابتسامات مرسومة وثياب شرقية جذابة، وقد حفظن عبارات التحية باللغة العربية، من صباخ الخير (بالخاء) وحتى «السلامو» عليكم وكيف حالكم. وإزاء ذلك الحضور التركي القوي سألت أحد المسؤولين العراقيين مازحا: هل جاؤوا معهم بتوصيات المؤتمر أيضا؟

صحيح أنني لم أتجول ببغداد ولم ألتق أهل العراق، لكنني ملأت صدري بالهواء الذي لم يقتله صدام حسين ولا استطاع أن يغتصبه المحتلون ولا لوثته مشاحنات العراقيين أو مراراتهم. كان نصير شمة عازف العود الشهير قد عاد في نفس يوم وصولي بعد غيبة 19 عاما، فانخرط في البكاء حين وطأت قدماه أرض بلده، لكنني اكتفيت باستنشاق هواء بغداد، وفي لحظة تبخرت عندي رواسب العقدين الماضيين، وحل العناق محل العتاب.

المصدر : الجزيرة

التعليقات