مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

إسقاط أبو الفتوح ولو خسرت مصر
رؤية من خارج الكأس
صالحون لا يَصْلَحون
ما لم يُفهم في التجربة التركية

درس أبو إسماعيل والسلفيين

في ظل التناقضات الواسعة والمركزية لمواقف الإخوان المسلمين في مصر، وتحديداً القيادة التقليدية الموروثة تراكمياً من الستينيات في فكرة طاعة التنظيم الخاص في المنشط والمكره لدى فئة من الحرس القديم تدير ميراثها الثقافي على العهد الجديد, يبدو غريباً بعض الشيء أن تُجعل هذه القضية محورا رئيسا لموقف الجماعة المضطرب من رئاسة مصر.

ولكنّ دراسة هذا التفكير أضحت ضرورة لفهم برنامج الجماعة المُتصاعد بصورة مذهلة في خط يتناقض باطراد مع التقديرات الموضوعية لمصلحة مصر الوطنية وأفق مشروع الحركة الإسلامية المصرية قد يضيع فرصة تاريخية لتحقيق مشروع الدولة القومية القوية والأمينة عبر إطار النهضة كمشروع مدني لتحقيق الشريعة والعدل الدستوري.

إسقاط أبو الفتوح ولو خسرت مصر
هذا الموقف لم يعد يملك أي مجال للتفسير والتبرير عبر ما سربه بعض إعلاميي التنظيم الخاص ضد مرشح مدرسة وشباب الإخوان والحركة الوطنية المصرية عبد المنعم أبو الفتوح، خاصةً بعد أن أُسقط خيرت الشاطر من قوائم الترشيح الأولية فدفع التيار التقليدي بمحمد مرسي احتياطياً.

مواقف الحرس القديم للإخوان تأتي متطابقة مع السيناريو المخيف, وهو ما يُحقق أنسب ترسانة تسيير لمواقف الجماعة المضطربة والتي ستخدم الانقلاب على الثورة

ومع تجذّر مخاوف رئيسية من وجود تصور أولي مخيف لقلب الطاولة على الثورة المصرية، ليس من خلال ترشح عمر سليمان الذي استُخدم كمناورة، لكن عبر شخصية أخرى هي من قلب النظام السابق وإن توارت عن مصطلح الفلول, هُنا تبدو مواقف الحرس القديم للإخوان متطابقة مع هذا السيناريو المخيف, نعم من غير قصد لكن في النهاية هو يُحقق أنسب ترسانة تسيير لمواقف الجماعة المضطربة والتي ستخدم الانقلاب الأخير.

تشتد الغرابة من خلال أن هذا السيناريو بالإمكان أن يُهزم في أي لحظة تتفق فيها قيادة الإخوان التقليدية في التنظيم الخاص مع موقف مدرسة الإخوان ودعوات شخصياتها الرئيسية في مصر والعالم، إضافة لموقف الحركة الوطنية المصرية المتعددة من ارتياحها لترشح أبو الفتوح, لكن من يمنع هذا الخيار الإنقاذي هم الإخوان أيضاً! ولذلك ما نحتاجه في هذه الدراسة هو محاولة تفكيك المشهد الحركي الداخلي لفكرة التنظيم الخاص ومصادمته الطبيعية لتطور الحركة الإسلامية في مصر التي قاعدتُها بلا شك مدرسة الإخوان وشبابها .

رؤية من خارج الكأس
إن أزمة الإخوان الحالية تنطلق بصورة رئيسية من محاولة قراءة المشهد من داخل قعر الكأس للتكتل المهيمن على قرار الجماعة، وهكذا تُنزّل الرؤية إلى أنصارهم ومناضليهم من قاع الكأس الحزبي, ولنا أن نتصور كيف يُمكن لجهة مركزية ذات قاعدة قوية إغفال مشهد الطاولة المصرية العريضة وحدودها وما يُحيط بالكأس وبين الرؤية التي تنطلق من قعر أحد كؤوس الطاولة!!

إن الإشكالية الأخرى ذات العلاقة المباشرة هي أن شخصيات من أبرز قيادات الإخوان الفكرية السياسية ذات الوعي المتقدم قد تمت تصفيتها من الجماعة، بدءًا بجماعة أبو العلا ماضي وصولاً إلى نائب المرشد محمد حبيب وشخصية الجماعة الفذة عبد المنعم أبو الفتوح وكتلة من شهداء الثورة ومناضليها الذين كانوا يُحسبون على حركة التجديد في الجماعة ولم يتحقق لهم تجسيد رؤيتهم على الأرض.

بل حتّى الشخصيات المعتمدة في سلك الجهاز التقليدي القيادي كالدكتور محمد البلتاجي و الدكتور عصام العريان ذات الوعي السياسي يتضح من المشهد أنها تُفاجأ بخطوات الاضطراب المستمرة في الملف السياسي للإخوان مع الثورة المصرية, سواء عبر مواجهة تيارات الثورة أو الصفقات مع المجلس العسكري ثم الترشيحات الانقلابية، وصولاً للوفد الإخواني لأميركا وتصريحات وفد الكونغرس للقاهرة الذي نقل حديثا خطيرا عن خيرت الشاطر عن كامب ديفد لم يكن له مبرر, في حين فاجأ الشعب المصري الموقف السياسي من تخطيه القوي لمباركات واشنطن في مؤشر إضافي يصعب تحديد معالمه لحركة الوعي في الشارع المصري الذي لم يلتقطه الإخوان فانحاز تأديباً لهم لحازم أبو إسماعيل.

إن هذه الرؤية التحليلية لا تنطلق من إلغاء البعد الاجتماعي المذهل لشباب الإخوان في حضورهم في الشارع الوطني وهموم الإنسان المصري المعيشية والمبدئية، ولا في تضحياتهم تحت القمع والمصادرة في عهود الفلول غير المباركة, لكنها تتساءل هل هذه الصفوف بالفعل حصلت على حقها الشوريِّ, هل تم ترفيع هذه النماذج التي قادت أقدس حرب لحماية الثورة المصرية في معركة الجمل إلى عضوية الشورى هم ومن يماثلهم في الوعي والخبرة, هل غَربلت الجماعة صفوفها ديمقراطياً قبل الإعلان عن أنّ القرارات تصدر عن مجلس الشورى في المجلس ذاته وجُددت فيه الحياة كواجب شرعي ووطني أم أنّ التشكيل هو ذاته رهين لفكرة التنظيم الخاص، الذي يعتقد بأن طرح فكرة جديدة لعضو عامل هو انشقاق يبلبل الصف، وكأنما هو متوجه لعملية فدائية في القدس وليس في برنامج سياسي يحتاج وجوباً الكثير من تجديد القواعد والرؤى وبذل الوسع في الاجتهاد للفهم. فكيف حين يُستبعد أهل هذا الفهم؟!

صالحون لا يَصْلَحون
المشيخة التربوية من العهد القديم للإخوان صُلحاء أفنى السجنُ نضارة بشرتهم والصيام والقيام سحنتهم, لكن وعي أمور السياسة ليس شرطاً بهذا الأمر
ولكي نفهم جيداً مدار إصدار هذه القرارات بين هذه المجموعة التقليدية نستذكر نصاً مهماً عن الإمام مالك رحمه الله، وهو قوله في تعريفه بفنّ رواية الحديث وأمانة وعيه، بأنّه أدرك سبعين من صُلحاء هذه الأمة صوّامين قوّامين لم يروِ عنهم حديثاً واحداً رغم فضلهم لأنه رآهم لا يَصلحون لدقة الرواية, وهنا يبرز لنا القياس المهم في السياسة, فهذه المشيخة التربوية من العهد القديم صُلحاء أفنى السجنُ نضارة بشرتهم والصيام والقيام سحنتهم, لكن وعي أمور السياسة ليس شرطاً بهذا الأمر فكيف حين يُسند لهم ولمعاييرهم تقييم طاعة الأفراد المنضبطين بسلوكهم تجاههم لا تُجاه المصلحة الوطنية العليا, فيُشكّلُ الفريق بغالبيته الساحقة من هذه الثقافة ويُستبعد من خالف نظرتهم، ثم تُقرّر قرارات الجماعة وقد طُرد أو حُيّد غالب طاقمها السياسي التجديدي.

لعل القارئ الكريم يُفاجأ حين يعلم من هم المنشقون المبعدون من خلال قرارات هذا الفريق تاريخياً وأين مكانتهم في حركة الوعي الإسلامي، فقبل أبو الفتوح ومحمد حبيب وأبو العلا كان أبرز من نُعت بالمنشق الإمام القرضاوي والإمام الغزالي، وقس على ذلك حشداً من طبقات نبهاء ومفكري الإسلاميين وذوي التجارب والإبداع الإعلامي والاجتماعي والسياسي وغيره كانوا في منظور الحرس القديم ثلة من المنشقين, هنا يبرز لنا ما أردنا تحديداً نقده في إشكالية الإطار التنظيمي المنغلق، وهل يملك ذاتياً إمكانية رؤية الواقع السياسي وتحديد المصلحة الشرعية والوطنية؟

ما لم يُفهم في التجربة التركية
يعتقد البعض أن قضية الحركة التجديدية لدى الوعي الإسلامي ضمن إطار مقاصد الشرع ومبادئه وقطعياته هي عبر ترديد النهضة كمصطلح، مع أنه ينبغي التذكير بحقيقة تاريخية مهمة وهي أن تجديد مشروع النهضة في أفقه الأخير لم يكن مطروحاً مطلقاً لدى الحركة الإسلامية المصرية قبل بعث الفكرة في كتاب المفكر القطري الدكتور جاسم محمد السلطان عن دلالات النهضة في فكر الإمام البنا, والقضية هنا في القاعدة الفقهية التي نطرحها في إطار فكري -ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب- أن الاعتقاد بأن نزوع رجب طيب أردوغان وزملاءه في التشكيل الأول لحركتهم التي اخترقت جدار الاستبداد الأتاتوركي العنيف هو مراعاتهم للعلمانية المعلنة ونقض العلمانية التكفيرية بالعلمانية الديمقراطية هو فهمٌ خاطئ.

فهذا التحرك مشروع سياسي ناجح لكن الأصل كان في ذات قرار الحركة الإسلامية التركية من أن أول خطوة يجب أن يعلنوها بوضوح وشجاعة هي تحولهم من حركة جماعة إلى حركة مجتمع تشمل كل الشعب وتتقدم باسمه, وهذا بالضبط مأزق التنظيم الخاص للإخوان ولذلك حينما طُرح مشروع سياسي كبير باسم حزب الحرية والعدالة، وقد أُشهر دون تحقيق القاعدة الصلبة له، عادت الجماعة ونقضت كل ما أعلنته وصادرت قرار الحزب الذي أضحى لدى المراقب العام مجرد ديكور متصدع لا يستر شيئاً .

هنا ما ينبغي على الحركة الإسلامية في مصر أن تُعيد التفكير فيه قبل أن تضيع فرصتهم وفرصة مصر لتحقيق دولة العهد الجديد, التي تؤسس على قاعدة قوية من الحزام الوطني تدمج خيار المشروع الإسلامي بخيار القوة المصرية المتحققة بأبي الفتوح, وهنا يأتي إعادة مفهوم الطاعة: هل الطاعة للمشروع الإسلامي في قوة بيانه وبنائه وباسم شعب عربي مسلم أم الطاعة لاجتهاد بعض العُبّاد الذين لا يصح أن يروى عنهم حديث السياسة؟

درس أبو إسماعيل والسلفيين
لا ندري حتى الآن إلى أين ينتهي التقاضي الجديد لتحديد إمكانية ترشيح الشيخ حازم أبو إسماعيل, لكن ما برز كدلالة قوية على الأرض هو أن أبو إسماعيل حقق هذه الشعبية برسالتين: الأولى الصدق والشفافية والروح المتواضعة سجيةً التي اجتذبت له هذه الحشود, والقضية الأخرى هي صراحته في قضية مرجعية الشريعة الحاسمة.

الأمر الذي تحتاج أن تعيه الحركة السلفية هو أنّ هذا الشيخ الجليل (حازم أبو إسماعيل) المستحق للحب والتقدير, أمامه ملفات شرسة تحتاج إلى قوة سياسية وحزم ومناورة أيضاً أمام أعداء أشداء لمصر

ومع أخلاقياته الراقية إلا أنه لم يُجامل الحركة العلمانية الشرسة والساخرة منه التي صبّ تحريضها عليه في مصلحته في مفاجأة قوية فجرها الشارع المصري, وهي رسالة لأبي الفتوح بأن لا يغرق في خطاب النخبة وتبرير فقه المواطنة التي أقرتها الشريعة على حساب البسطاء, وخاصة بأن التنظير الذي قُدم لتقرير موقف الحركة الإسلامية من ضمان العدل الدستوري والحريات لا يتناقض مع مرجعية الشريعة والحريات المدنية، وإن كان للشريعة مسارها الخاص لسيادة الإنسان والفضيلة تُناقش في إطار دستوري يحسم الجدل.

لكنّ الأمر الذي تحتاج أن تعيه الحركة السلفية هو أنّ هذا الشيخ الجليل المستحق للحب والتقدير أمامه ملفات شرسة تحتاج إلى قوة سياسية وحزم ومناورة أيضاً أمام أعداء أشداء لمصر, ليس هناك شك لدي بأن أبو الفتوح يبدو في تصور المراقب أقوى لمواجهتها للمصلحة الوطنية, وأن إلغاء الاشتراك بمرجعية الشريعة بين أبو الفتوح والحركة السلفية خلل غير مبرر، فمساحة الخلاف لا تُلغي الأصول, وفوز أبو الفتوح عبر أكبر حشد من الإجماع الوطني قوة للدولة الجديدة بمرجعيتها, ويبقى القرار بين هذه التيارات وتيار الشارع الوطني المصري القوي الذي قد يُفاجئ المراقب بأنه يفهم اللعبة جيداً ويفهم أركانها بين الفلول والعسكر والغرب وحلفائهم العرب.. فهل سيفهمها الإخوان؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك