خالد حسن

محلل سياسي وصحفي جزائري

في كل مرة تشعر فيها السلطة في الجزائر بالضيق والمحاصرة، تحن إلى "وقفة" الجزائريين في الشدائد، رغم أنها لم تقترب منهم طوال عهود ما بعد الاستقلال إلا لماما، تخطب ودهم وتتوعدهم بالعنف والإرهاب وأبواب جهنم والتدخلات الخارجية إن لم ينتخبوا، كأنما يقاد الشعب إلى صناديق الاقتراع بالسلاسل.

وعلى هذا، يواجه الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة أكبر تحدٍ في ما تبقى له من عهدته، وهو تحقيق نسبة مشاركة عالية في الانتخابات البرلمانية القادمة المقررة في 10 مايو/أيار في محاولة للخروج بإنجاز "مشرف" من مسيرة مضطربة في الحكم.

لم يجد النظام الحاكم ما يغري به الناخبين لجرهم إلى صناديق الاقتراع لانتخاب برلمان جديد, وما يملكه من أوراق، وأبرزها العفو الشامل، ادخره لما هو أهم وأبلغ تأثيرا، أي الانتخابات الرئاسية بعد سنتين

لكن لم يجد النظام الحاكم ما يغري به الناخبين لجرهم إلى صناديق الاقتراع لانتخاب برلمان جديد. وما يملكه من أوراق، وأبرزها العفو الشامل، ادخره لما هو أهم وأبلغ تأثيرا، ونعني به الانتخابات الرئاسية بعد سنتين أي في العام 2014.

فكانت تطورات الأحداث في مالي، الجارة الجنوبية للجزائر، الورقة القابلة للتوظيف السياسي والأمني لتعزيز الجبهة الداخلية والتسويق للتهديدات التي تواجه وحدة التراب الجزائري وتماسك المجتمع بسبب مخاطر التمرد والانفصال وإقامة كيان جديد لسكان "أزواد" قريبا من الحدود الجنوبية للجزائر، وهو ما يغري بتدخلات أجنبية ومخاوف عابرة للحدود، وزاد الوضع غموضا التركيبة المعقدة والمتضاربة للأطراف المشكلة للتمرد من مجموعات منتسبة للقاعدة إلى بقايا الحركة الشعبية لتحرير أزواد.

والقدرة على التوظيف السياسي والأمني صنعة تتقنها مراكز السيطرة، خاصة في ظل عجز السلطة والأحزاب عن إقناع الناخب الجزائري، أو ما تسمى الأغلبية الصامتة تحديدا، بالتصويت.

صحيح أن تسارع الأحداث وتطوراتها في المقاطعات الشمالية لمالي صدم الدبلوماسية الجزائرية وفاجأ مراكزها الأمنية والاستخبارية، حيث لم تتوقع هذا الانهيار السريع للقوات الحكومية وانسحابها من المناطق التي تم الاستيلاء عليها، وتقسيم الجارة الجنوبية إلى قسمين، وإعلان استقلال "أزواد" شمال مالي (وهي المنطقة التي تسكنها قبائل مختلفة من الطوارق والعرب، زيادة على أقلية زنجية)، وهو ما يعني فشلا آخر لمراكز السيطرة الأمنية في الجزائر وثغرة كبيرة في حدودها الجنوبية ومصدر قلق بالغ واستنزافا للمخزون العسكري.

وربما كان هذا آخر ما تتمناه السلطة أمنيا في هذا الوقت بالذات مع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية، لكنه سياسيا ورقة يمكن استخدامها في دفع الناخب للتصويت، فالبلد يواجه "تهديدات" ومخاطر "تدخل أجنبي" في الصحراء، ولا يمكن دفعه إلا بتماسك الجبهة الداخلية وتفويت الفرصة على المتربصين، لكن مثل هذا الخطاب يفتقد للجاذبية والإقناع، وهذا لسبب بسيط وهو أن ورقة مخاطر العنف والإرهاب والتدخلات الأجنبية احترقت واستنزفت على مدى السنوات الماضية، وحققت السلطة منها ما أرادته لحقبة من الزمن.

وعلى هذا، ربما هي المرة الأولى منذ إقرار التعددية السياسية في الجزائر (بمقتضى دستور 1989) تجد السلطة نفسها أمام تحدي انتخاب برلمان يستجيب لمقاييس الربيع العربي، بما يعني أن تكون العملية الانتخابية شفافة ومشهودا لها بالنزاهة إلى حد ما في محاولة للتناغم مع موجة التحولات السياسية في المنطقة المغاربية، لكن بما لا يؤثر في موازين القوى على مستوى مراكز صنع القرار.

غير أن رغبة الرئيس في برلمان "مُشرف" لتعزيز موقفه في الداخل والخارج وتجاوز "عقدة" النقص تجاه دول الجوار، وخاصة المغرب وتونس، وتحقيق "أمنياته" في إصلاح بعض ما أفسدته سياساته، تصطدم اليوم بكيانات سياسية هزيلة ومنقسمة ومعزولة وعاجزة عن إقناع الناخب بالتصويت لقوائمها، وفي هذا تحصد السلطة ما زرعته طوال السنوات الماضية من إضعاف وتخريب للقوى السياسية.

وهنا تبرز عقدة أكثر الأحزاب، سواء الموالية منها أو المعارضة، في خضوعها لأجهزة الرقابة الأمنية ومحاولة التأثير في توجهاتها ومواقفها، وإن اختلفت الصور وتفاوتت الأقدار، بما يطرح إشكالية الاستقلالية في خطها السياسي لحساب تدخلات غير مرئية تضغط باتجاه توجيه مسارها وتحويلها إلى ما يشبه أدوات وظيفية، إضافة إلى انقطاع أكثر القوى والنخب السياسية عن الهموم والانشغالات الحقيقية اليومية لعموم الناس، وهو ما أفقدها الالتفاف الشعبي والقدرة على التأثير، حيث باتت تعول على بيانات إعلامية وخطابات باردة تعتمد المكابرة والمناورة أداة لمنافسة الخصوم وتغطي غيابها عن الشارع.

المعركة السياسية الحقيقية حول تحرير البلد من هيمنة وتسلط مراكز القرار لم تُترجم إلى تدافع سياسي في مستوى عمق الإشكال القديم المتجدد وتم اختزالها إلى حرب قوائم انتخابية وأرقام

وهذه مشكلة الفعل السياسي للأحزاب وغيرها من القوى الاجتماعية، أنه خاضع لاستئثار النخب السياسية واستعلائها من جهة، ولم يسلم من توظيف مراكز السيطرة وتدخلاتها لإرباكه وتوريطه من جهة أخرى، وهو ما أثر في العملية السياسية برمتها.

وإنْ بدا أن هناك تنافسا محموما بين الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية وغيرها استعدادا للانتخابات البرلمانية في الشهر القادم، فإنه (التنافس) غرق في التفاصيل والجزئيات، واستنزفه صراع القوائم في غياب شبه كلي لنقاشات جادة عميقة حول استقلالية الفعل السياسي في الجزائر وتلاحمه الشعبي.

فالمعركة السياسية الحقيقية حول تحرير البلد من هيمنة وتسلط مراكز القرار لم تُترجم إلى تدافع سياسي في مستوى عمق الإشكال القديم المتجدد بما يعكس عراقة البلد وتاريخه ونضاله، ليُختزل كل هذا الإرث الثري من الكفاح ضد أشكال الاستعباد والإخضاع اليوم إلى حرب قوائم انتخابية وأرقام.
 
وهناك مسألة أخرى لا تقل أهمية بخصوص تعهد الرئيس الجزائري بإجراء انتخابات برلمانية نزيهة، ولعله يريده إنجازا فعليا يختم به طول مكوثه في الحكم، هو مدى استعداد السلطة الفعلية لرفع أيديها، ولو تدريجيا، عن تقرير مصير الشعب والتدخل في خياراته ومستقبله، وفي الوقت نفسه مدى قدرة الأحزاب المعارضة السياسية على تجاوز منطق الحسابات الانتخابية الضيقة وتحررها من تدخلات مراكز السيطرة في الحكم، وهذا اختبار حاسم لمصداقيتها واستقلاليتها، فإما أن تمضي بعيدا في مواجهة نفوذ العسكريين ووكلائهم واستئثارهم بالقرار وتقاوم أشكال الابتزازات وأنواع الإغراءات، وعلى هذا تشكل الانتخابات البرلمانية واحدا من الاستحقاقات المهمة في معركة تقرير مصير البلد، وإما أن تخضع لقواعد اللعبة المرسومة مسبقا، وحينها لن يكون الموعد الانتخابي القادم أكثر من انحناء مؤقت لعاصفة التحولات والثورات، وفي هذا تستوي الأحزاب ذات التوجهات الإسلامية مع غيرها، لأن هذا التحدي ليس مرتبطا بتيار معين وإنما فرض نفسه على كل مشارك في العملية السياسية من قريب أو من بعيد.
 
ما يغيب عن كثير من المتابعين للشأن الجزائري أن مراكز السيطرة أفسدت الطبقة السياسية في غالبيتها، وقد تشهد الفترة القادمة ظهور قوى من داخل الأحزاب ومن خارجها في محاولة لتخطي حالة العجز السياسي السائدة وضخ دماء جديدة في العملية السياسية والتحصن ضد أي محاولات لمراكز السيطرة للاختراق أو التوظيف أو التدخل.
 
مقاومة إغراءات السلطة وتدخلات أجهزة التجسس والرقابة وتحرر المواقف من تأثيرات أجهزة المراقبة الأمنية والالتصاق بهموم الناس ومعاناتهم هو أكبر تحدٍ تواجهه أحزاب المعارضة السياسية والقوى الاجتماعية الإصلاحية المستقلة في الفترة القادمة، حيث تبين للجميع تقريبا استنادا للتجارب السابقة أنه لا قيمة لبرلمان منتخب تشارك فيه أحزاب مهزوزة ومعزولة ومقسمة وغارقة في حسابات أجهزة السلطة وخاضعة لتأثيراتها.
 
وعلى هذا، فانتخابات الشهر القادم ربما تتغير فيها الأرقام والنسب ويقل فيها هامش التزوير مقارنة بسابقاتها، لكنها قد لا ترقى لأن تفرز برلمانا مشرفا، خاصة في ظل المؤشرات والقرائن التي توحي بعزوف الناخب عن التصويت بالشكل الذي ترغب فيه السلطة والأحزاب.
 
وقضية غلبة الإسلاميين على البرلمان القادم ضُخمت وتم توظيفها في محاولة لركوب موجة "الربيع العربي"، رغم أن أداءهم لم يكن مقنعا ولا مؤثرا في المشاركات البرلمانية السابقة.
 
وبدت مراكز السيطرة قلقة من احتمال حصول الإسلاميين، مجتمعين، على النسبة الأكبر في البرلمان القادم، وإن كانت تراهن على المشاركة الواسعة للأحزاب الإسلامية في الانتخابات البرلمانية القادمة لضمان إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع، لكنها في الوقت نفسه واثقة من قدرتها على غلق الأبواب أمام أي توجه إسلامي نحو الهيمنة على مؤسسات الحكم ومنازعتهم الاستفراد بالقرار، وخبراتها المتراكمة على مدى العقدين الماضيين تؤهلها لإجهاض أي محاولة في هذا الخط، إلا أنها بدأت تفقد في الفترة الأخيرة سيطرتها تدريجيا على المجتمع مع تنامي الوعي الشعبي واتساع رقعة الاحتجاجات وحالة الغليان الاجتماعي جراء تدهور القدرة الشرائية وفشل التوجهات الاقتصادية للحكومة في تهدئة الشارع الجزائري.
 
ويمكن ملاحظة تقدم الوعي الجماهيري على أداء الأحزاب لانقطاعها عن الاحتكاك والتواصل الشعبي وانغماسها في صراعات مستنزفة ومعارك ضيقة وارتباط أكثرها بحسابات مراكز السيطرة، وليس مستبعدا أن تحاول اللحاق بالركب الشعبي في الفترة القادمة، غير أنها ليست مؤهلة لقيادة موجات الغضب العارمة للاعتبارات الآنفة.
 
ولو أن أحدا أنصت جيدا لأصوات وآهات الشارع، فسوف يكتشف أن انشغالات المجتمع لا علاقة لها باهتمامات النخب السياسية وقادة الأحزاب ومعاركهم، وكأننا أمام عالمين مختلفين من أوطان شتى ولا يجعهما بلد واحد.
 
الاختبار الحقيقي أمام البرلمان القادم هو الارتقاء لمستوى الوعي الشعبي ورد الاعتبار لانشغالات الناس ومعاناتهم أيا كان الفائز بمقاعده وتحرير الإرادة السياسية لأحزاب المعارضة من مراكز السيطرة
فمعركة الأحزاب الأولى والأخيرة مع قوائمها الانتخابية والإجراءات الإدارية المنظمة لعملية الاقتراع، في حين يعيش العالم الآخر هموما من نوع مختلف تتعلق بمصائر الناس وقوتها ومعاناتها وحربها مع انغلاق الإدارة وتصلبها وأشكال الفساد، وهذا ما أحدث شبه قطيعة بينهما، وليس من المرجح أن تقرب بينهما انتخابات برلمانية بعد طول هجران وتنكر.
 
وما يؤسف له أن ضجيج الأحزاب يسمع من بعيد ويملأ صفحات الجرائد ووسائل الإعلام الأخرى ويستأثر بالاهتمام والمتابعة والتسلي، في حين أن هموم المسحوقين والمهمشين من عموم الناخبين لا يكاد يشعر بها أحد، رغم أنها أشد وطئا وأبلغ تأثيرا.
 
مشكلة السلطة اليوم في إقبال الناخبين على صناديق الاقتراع ومشكلة الأحزاب في القوائم الانتخابية والإجراءات الإدارية بينما عموم الشعب مغيب عن أولويات واهتمامات هؤلاء وأولئك، والاختبار الحقيقي أمام البرلمان القادم هو الارتقاء لمستوى الوعي الشعبي ورد الاعتبار لانشغالات الناس ومعاناتهم أيا كان الفائز بمقاعده وتحرير الإرادة السياسية لأحزاب المعارضة من تأثيرات مراكز السيطرة. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك