علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني

حماس والنضج التنظيمي
تقديرات وتوقعات
كاريزما خالد مشعل

من المقرر أن تشهد الأوضاع التنظيمية الداخلية في حركة المقاومة الإسلامية (حماس) نقلة جديدة مع اقتراب موعد الانتخابات الداخلية لاختيار القيادة الجديدة للحركة للسنوات الأربع القادمة في دورة انتخابية عادية جديدة لا علاقة لها بأي تطور سياسي في المنطقة العربية ولا علاقة لها بصعود حركة الإخوان المسلمين في المنطقة خصوصًا في مصر وفق تقديرات غالبية المطلعين على أمور حركة حماس.

فكيف نستطيع سبر أغوار الحالة الداخلية لحركة حماس، خاصة أن عملية الانتخابات الداخلية المتوقعة تأتي مترافقة مع هذه الهزات والخضات الكبرى التي بدأت الاعتمال في منطقتنا العربية منذ أكثر من عام ونصف، وقد أعطت انعكاساتها المباشرة على عموم القوى في المنطقة، والإسلامية منها على وجه التحديد بما فيها حركة حماس التي وجدت نفسها في بحر متلاطم من الأمواج العاتية التي ضربت وما زالت أكثر من بلد عربي، فكان لزامًا عليها اتخاذ واشتقاق مواقف معينة حساسة جدًّا ودقيقة في الوقت نفسه وعلى "حد السكين" تجاه أكثر من ملف من ملفات علاقاتها العربية مع بعض دول المنطقة، وهل ستنتهي العملية الانتخابية المقررة إلى بر الأمان دون مصاعب أو التواءات؟

حماس والنضج التنظيمي
في البداية، لابد من الإشارة إلى أن الدورة التالية من الحياة التنظيمية، واستحقاق الانتخابات الداخلية في حركة حماس، تأتي وفق ما هو مقرر في عموم مفاصل الحركة، حيث تم تحديد موعد الانتخابات الداخلية منذ أن عقد مجلس شورى الحركة اجتماعه الموسع الأخير قبل فترة ليست ببعيدة في العاصمة السودانية الخرطوم، وهو الاجتماع الذي تقدم فيه خالد مشعل بطلب الاعتذار عن ترشيحه لقيادة دورة ثالثة للمكتب السياسي إلا أن طلبه رفض في حينها بإجماع أعضاء مجلس الشورى الذين يقدر عددهم بنحو 55 عضوًا.

واصلت حماس الاحتكام لأنظمتها الداخلية طوال العقدين الماضيين، مستفيدة من التجربة المرة والمريرة التي حكمت مسار عمل عموم القوى والفصائل الفلسطينية مما يؤكد نضج الحركة

كما لابد من تسجيل الملاحظة الإيجابية التي تدل على النضج الجيد للحياة الداخلية في حركة حماس قياسًا بعموم الفصائل الفلسطينية، وقياسًا بعموم الأحزاب في منطقتنا العربية. فقد واصلت حركة حماس، بالرغم من التباينات السياسية بين بعض أطرها القيادية تجاه هذه المسألة أو تلك، وبالرغم من المنعطفات الحادة التي مرت بها في مسيرة العمل الوطني الفلسطيني منذ أن أطلقت بيانها الأول نهاية عام 1987، واصلت الاحتكام لأنظمتها الداخلية طوال العقدين الماضيين، مستفيدة من التجربة المرة والمريرة التي حكمت مسار عمل عموم القوى والفصائل الفلسطينية خاصة اليسارية منها، والتي افتقدت على الدوام روح العمل الجماعي الداخلي، واستشرت داخل أطرها مظاهر الإحلال الفوقي وغياب الديمقراطية الداخلية، وغياب العملية الانتخابية الحقيقية في بناء الهيئات القيادية، التي استُبدِلت بها نماذج انتخابية مشوهة على أساس القوائم المسبقة والتزكيات العليا التي كانت في جوهرها أقرب إلى منطق الفك والتركيب العام والترقيع للهيئات بدلاً من منطق الانتخابات ذات الشفافية المطلوبة.

فلم يحدث أن جرت انتخابات داخلية في أي من عموم الفصائل الفلسطينية دون "لعبة القوائم" التي تطورت نحو لعبة جديدة عنوانها الانتخابات التمهيدية (البرايمرز) كما يجري عادة عند عموم الأحزاب "الإسرائيلية" على أيدي مقاولي الانتخابات من داخل الحزب الواحد أو حتى من خارجه.

الكلام الوارد أعلاه قد يستفز عددا من المتعجلين أو من المتسرعين في الحكم على الأشياء والماهيات، الذين يرون أن هناك إشكاليات كبرى ذات طابع سياسي داخل حركة حماس تعكس مناخًا من الإشكاليات التنظيمية التي لا تعكس النضج الداخلي في الحياة التنظيمية (كما سبق أن ذكرنا)، وأن هناك تمايزًا أو تباينًا بين خطاب الداخل وخطاب الخارج.

لكن آخرين يرون أن في ذلك نوعا من تقاسم الأدوار، وهو تقاسم اعتادت عليه بعض القوى الفلسطينية، وينحو آخرون (ونحن منهم) منحى آخر فيرون أن تلك التباينات ظاهرة صحية تمامًا ما دام هذا التباين أو الاجتهاد يتم تحت سقف القرار الموحد للحركة، ولم يرتق في أي لحظة من اللحظات إلى عنوان احترابي أو إشكالي معقد داخل الحركة، وما دام القرار المصاغ والمستخلص في الهيئات الشورية المنتخبة والمكتب السياسي المنتخب أيضا يتم بطريقة تحفظ حق الجميع في إبداء الرأي دون ليّ للأعناق ودون سيادة منطق الاستبداد أو منطق "البطريريكية الأبوية".

تقديرات وتوقعات
في هذا المسار، فإن العملية الانتخابية داخل أطر وتنظيم حركة حماس يتوقع أن تنهتي خلال شهر واحد من انطلاقها المقرر بدءًا من النصف الثاني من شهر أبريل/نيسان الجاري 2012، مع تسجيل ملاحظات أساسية:

1- أولاها أن الانتخابات تأتي بعد الاجتماعات المطولة التي عقدت لمجلس شورى الحركة في الخرطوم، حيث ناقش هذا الاجتماع العديد من العناوين والقضايا الحساسة والمثيرة، وقدم خالد مشعل جرد حساب للمرحلة الماضية، التي كانت بكل تأكيد مرحلة صعبة على حماس، ويتوقع أن تكون نقاشات ذلك الاجتماع واستخلاصاته مثار وعامل تحفيز عند الناخبين لتحديد خياراتهم الانتخابية.

2- ثانيتها يتوقع أن يكون التنافس بين قيادات الحركة موجودًا وساخنًا، خاصة في قطاع غزة بسبب مشاركة العشرات من قيادة الحركة السياسية والعسكرية الميدانية، التي يتوقع أن تتم بسلاسة ودون عراقيل، في حين يتوقع أن تجري الانتخابات في الضفة الغربية والقدس بصعوبة نظرًا لقيام سلطات الاحتلال باعتقال مئات من قيادات وأعضاء الحركة بعضهم أعضاء في المجلس التشريعي.

الوقائع تشي بأن التباينات أو الاجتهادات حول القضايا ذات الطابع السياسي أو حتى التنظيمي داخل حماس لا تؤسس ولن تؤدي لولادة تيارات أو كتل أو حالات من التجنح أو الانشقاق
3- ثالثتها أن الانتخابات الداخلية في حركة حماس ستبدأ في عموم مواقع وجود حركة حماس في فلسطين والشتات بمشاركة كافة أعضاء الحركة في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس والشتات والجناح العسكري للحركة (كتائب الشهيد عز الدين القسام)، إضافة إلى أعضاء الحركة داخل سجون الاحتلال في فلسطين وفق القوانين واللوائح التنظيمية الداخلية ودون دعايات داخلية أو ترويج معين.
 
ويتوقع للعملية الانتخابية أن تمتد على نحو شهر كامل نتيجة الوضع الخاص لعموم الحركة وبناها التنظيمية شبه السرية خصوصًا في الداخل الفلسطيني، أما الانتخابات داخل سجون الاحتلال فيتوقع أن تأخذ وقتًا قد يطول بسبب القيود المفروضة من الاحتلال، ولوجود أعداد كبيرة من معتقلي حماس في عدد كبير من السجون على امتداد الأرض المحتلة بما في ذلك الأرض المحتلة عام 1948.

4- ورابعتها أن الاستحقاق الانتخابي الداخلي في حركة حماس، سيطال كما هو معلوم عموم هيئاتها ومفاصلها التنظيمية في فلسطين والشتات، متضمنًا انتخاب مجلس شورى الحركة وهو الهيئة القيادية الوسيطة بين المواقع التنظيمية الدنيا والمكتب السياسي، وهو في الوقت نفسه هيئة إرشادية توجيهية وأساسية في رسم معالم وسياسات وإستراتيجيات حماس.

5- وخامستها أن العملية الانتخابية ستنتقل إلى مستوى آخر بعد الانتهاء من انتخاب مجلس الشورى وفق آليات خاصة ومحددة متفق عليها في أطر الحركة لانتخاب المكتب السياسي للحركة الذي يمثل أعلى هيئة قيادية فيها، إضافة إلى انتخاب رئيس المكتب السياسي، حيث تتواتر التسريبات والتقديرات التي تشير لإمكانية صعود خالد مشعل مرة ثالثة لقيادة المكتب السياسي بعد أن سبق أن أعلن عن عدم رغبته في الترشح لدورة ثالثة في قيادة المكتب السياسي للحركة سعيًا منه لتجديد الدماء في المواقع القيادية، وإفساح المجال أمام الخبرات والكفاءات الصاعدة، انطلاقًا من اقتناعه بتدافع الأجيال، وإحلال منطق التواصل وليس القطع بين القديم والجديد، ونقل الخبرات والمهارات واكتسابها على أرض العمل والميدان.

6- وسادستها أن هناك تقديرات وتوقعات قوية تقول بصعود قادة ميدانيين جدد إلى المواقع القيادية للحركة كالمكتب السياسي والقيادات العسكرية. فحركة حماس دأبت على إجراء انتخاباتها الداخلية بسرية ومن دون أي ضجة تحيط بها، منطلقة من أن الصعود إلى المواقع القيادية مهمة تكليف لا تشريف.

7- وسابعتها أن الوقائع تشي بأن التباينات أو الاجتهادات حول القضايا ذات الطابع السياسي أو حتى التنظيمي لا تؤسس ولن تؤدي إلى ولادة تيارات أو كتل (بلوكات محسوبة على هذا الشخص أو ذاك) أو حالات من التجنح أو الانشقاق في أسوأ الحالات.

خالد مشعل بشخصيته الوسطية المعتدلة، والكاريزما التي يتمتع بها، يستحق عبور دورة انتخابية ثالثة لرئاسة المكتب السياسي وقيادة حركة حماس في المرحلة التالية

كاريزما خالد مشعل
في الاستخلاصات الأخيرة، نستطيع القول إن حركة حماس ستتمكن من عبور استحقاق الانتخابات الداخلية بسلاسة ودون خضات أو هزات، وهي مقبلة على مرحلة جديدة من حياتها التنظيمية الداخلية بعد أن "دعكتها ومرمرتها" التجربة العسيرة في ساحة العمل الوطني والإقليمي وفي الفضاء الأوسع، وبعد سنوات من الانقسام الفلسطيني الأسود الذي لا بد من إسدال الستار عليه، والبناء للمرحلة القادمة على أساس خيارات فلسطينية وطنية متجددة عمادها البرنامج الوطني الائتلافي الحقيقي والسعي لإشراك الجميع في قيادة العمل الوطني الفلسطيني، وكسر حالات الهيمنة والتفرد لأي لون سياسي لصالح برنامج الإجماع الوطني.

وفي هذا الميدان، وانطلاقًا من رؤيتي ومتابعتي اليومية في قلب الحدث الفلسطيني، ومن داخل مخيمات وتجمعات شعبنا في الشتات، وعبر تجربة وطنية تمتد أكثر من ثلاثة عقود ونصف متتالية، وبعيدًا عن "تقديس الفرد والفردية" أرى أن خالد مشعل بشخصيته الوسطية المعتدلة، وبالكاريزما التي يتمتع بها، يستحق عبور دورة انتخابية ثالثة لرئاسة المكتب السياسي وقيادة حركة حماس في المرحلة التالية في العمل الوطني الفلسطيني إلى جانب كل القوى الفلسطينية والفاعلة منها على وجه الخصوص كحركات فتح والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. 

المصدر : الجزيرة

التعليقات