عادل لطيفي

عادل لطيفي

كاتب وباحث أكاديمي

من الإقصاء إلى مأزق السلطة
عودة الدستورية البورقيبية
توازنات جديدة في انتظار الانتخابات المقبلة


بعد ما يزيد على مائة يوم من تولي الحكومة التونسية بقيادة حزب حركة النهضة مهامها مدعومة بحزبين غير إسلاميين، بالإمكان القيام بقراءة أولية للمشهد السياسي التونسي وتحولاته بالرغم من خصوصية الوضع الانتقالي وصعوبته.

ثلاث ملاحظات أساسية تبرز هنا: مأزق حركة النهضة في السلطة مما يضعها في مواجهة مع المجتمع، ثم عودة البورقيبية التي وجدت في شخص الوزير الأول السابق الباجي قايد السبسي، رمزا جديدا لها. وأخيرا التوجه نحو الاندماج بين العديد من الأحزاب مما أعطى شكلا أكثر وضوحا للخارطة السياسية.   

من الإقصاء إلى مأزق السلطة
تحول كبير ذلك الذي حصل في تونس وتسلمت بموجبه حركة النهضة مقاليد الحكم. فصعود هذه الحركة الإسلامية عبر صناديق الاقتراع جسد الإرادة الشعبية والسياسية لدى المجتمع السياسي التونسي في تفعيل مبدأ التعددية السياسية والتداول على السلطة. من ناحية أخرى، دفع الانتقال السلس للسلطة إلى تغيير النظرة إلى المجتمعات العربية عموما على أساس أنها بالفعل قادرة على أن تندمج ضمن المسارات الديمقراطية في العالم بالرغم من كل المخاطر.

لكن بتجاوز هذا الإطار العام وبالدخول في صلب الموضوع، أي بالتحول من موقع المعارضة إلى إدارة السلطة، بدأت تبرز العديد من المصاعب. بدا وكأن الحكومة الحالية وعلى رأسها حركة النهضة تواجه مأزقا حقيقيا تظهره بكل وضوح نتائج استطلاعات الرأي.  

وجود الشريعة في الدستور مسألة مبدئية فلماذا أخفتها حركة النهضة طوال المسار الانتخابي؟ ثم لماذا تراجعت عن هذا المطلب بعد أن أضاع المجلس أربعة أشهر في التجاذب حول هذه النقطة؟

فمن حيث إدارة السلطة بدأت الحكومة وكأنها ضعيفة وأداؤها غير منسجم في عديد من الملفات. يبدو هذا واضحا مثلا في مسألة السياسة الخارجية حيث يعطي وزير الخارجية مواقف تعارضها أحيانا تصريحات وزراء آخرين من الائتلاف الثلاثي أو من رئاسة الجمهورية. ونضيف إلى ذلك غياب الخطاب السياسي القوي الذي يذكر بقوة القانون وبقوة مؤسسات الدولة. كما برز خلال مواقف عديدة أن الخطاب الرسمي حزبي أكثر منه حكومي.

لكن الملف الذي فرض نفسه بكل قوة والذي جعله التونسيون في مقدمة مشاغلهم كان الملف السلفي وما يحمله من مخاطر العنف حتى المسلح منه. هذا الخطر تأكد حتى من خلال تصريحات وزير الداخلية القيادي التاريخي في النهضة علي العريض، في حين أن الانطباع الذي حصل لدى العديد من المواطنين هو أن هناك نوعا من المهادنة من طرف الحكومة وكأنها تلعب ورقة السلفيين للضغط على خصومها.

لكن الذي حصل هو العكس، فالامتعاض الذي عبرت عنه الأحزاب السياسية وأغلب ممثلي المجتمع المدني أصبح امتعاضا شعبيا عاما خاصة بعد تعدد الدعوات إلى القتل ودعوات التكفير ومعاداة الديمقراطية التي يكتشفها الشارع التونسي لأول مرة. وربما كانت نتائج انتخابات المجالس العلمية في مختلف الأجزاء الجامعية التي أدت إلى هزيمة ساحقة للقوائم الإسلامية أمام قوائم خصومها من اليسار ومن المستقلين ناقوس خطر كي تراجع حركة النهضة سياستها.

ملف الشريعة في الدستور الذي جندت له الحركة الإسلامية كل قواها، ساهم بدوره في بث نوع من الشك لدى الرأي العام خاصة أن المجموعات السلفية هي التي كانت الأكثر حركية للمطالبة بدسترة الشريعة.

فمن المعلوم أن حركة النهضة لم تتحدث لا في برنامجها الحزبي ولا في برنامجها الانتخابي عن موقع الشريعة في الدستور. لكن بعد أن أعلنت عن نيتها الحقيقية داخل المجلس التأسيسي، بدت للرأي العام وكأنها كانت تتبع خطابا مزدوجا. فإذا كان وجود الشريعة في الدستور مسألة مبدئية فلماذا أخفت حركة النهضة ذلك طوال المسار الانتخابي؟ ثم لماذا تراجعت عن هذا المطلب بعد أن أضاع المجلس أربعة أشهر في التجاذب حول هذه النقطة؟

خطآن سياسيان آخران وقعت فيهما الحكومة الحالية وعلى رأسها حركة النهضة. يتمثل الأول في إعلان مواجهة غير مبررة مع الاتحاد العام التونسي للشغل لتكتشف الحكومة فيما بعد مدى السند الشعبي الذي تتمتع به منظمة الشغيلة وهي التي لعبت قواعدها ومقراتها دورا مهما خلال الثورة. الخطأ الثاني يتمثل في شن حرب على الإعلام وخاصة على قسم الأخبار في القناة الوطنية والحال أن المشاهد التونسي استرجع ثقة كبيرة في هذا الجهاز كما تبين ذلك استطلاعات الرأي.

لقد ظهر الأمر وكأن حركة النهضة تريد إعلاما حكوميا لا إعلاما عموميا كما يريده الصحفيون. والغريب في الأمر أنه في الوقت الذي تتهم فيه الحكومة الإعلام بالمحافظة على نموذج النظام السابق فإنها حاولت أن تعين على رأسه أشخاصا من الحزب الحاكم السابق وهو ما أفقد نقد الحكومة كل مصداقية.  

المهم هنا أن بوادر عدم التأقلم مع الانتقال من موقع المعارضة إلى موقع السلطة أصبحت بادية للعيان مما جعل أداء الحكومة مضطربا وغير ذي فعل في الملفات الكبرى بالبلاد. وهو ما شجع تيارات كثيرة على إعادة الهيكلة ومن بينها التيار البورقيبي. 

عودة الدستورية البورقيبية
تجسدت هذه العودة في الاجتماع الجماهيري الذي عقده الدستوريون في مدينة المنستير يوم 24 مارس/آذار الماضي برئاسة الوزير الأول السابق الباجي قايد السبسي. وعلى إثره بدأ البعض يدق ناقوس خطر عودة رموز النظام السابق. لكن لا بد من قراءة متأنية وموضوعية لذلك. أولا أرى أن لا عودة إلى الوراء من حيث الحريات والتعدد السياسي لأن ذلك ترسخ بحكم الثورة وهو غير مرتبط بالدستوريين ولا بالإسلاميين ولا بغيرهم.

البورقيبية موجودة كتيار قوي بالرغم من الطابع الجهوي الذي بقيت محافظة عليه والمتمثل في الارتباط بجهة الساحل، ومن حقها الوجود في سياق ديمقراطي تعددي. لكن عليها أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية في إفراز دولة الاستبداد التي بدأت مع بورقيبة كما هيأت كل الظروف لصعود بن علي.

كانت التجربة التونسية مثالا للثورة ولسلاسة التحول الديمقراطي ويجب أن يحافظ النموذج على زخمه من خلال إنجاح المشروع المجتمعي البديل

أما إشعاع قايد السبسي الذي أزعج حركة النهضة فيعود إلى الفراغ السياسي الذي وجدت فيه البلاد نفسها خاصة أمام ضعف شخصية محمد الغنوشي الوزير الأول الأسبق وكذلك أمام ضعف الأداء الحكومي الحالي. هذا دون اعتبار خبرة الرجل وقوة خطابه السياسي.

نضيف إلى ذلك ما يشهد له به كل التونسيين بمختلف توجهاتهم من إعداد لانتخابات نزيهة وشفافة وبالتالي المساهمة الفعالة في الانتقال الديمقراطي. كما أن إشعاعه الحالي متأت من الخوف الذي بدأ ينتشر في الرأي العام من التطرف الإسلامي ومن غياب آفاق سياسية واضحة.

عامل أخير مهم، وهو غياب خطاب سياسي قوي لدى حكومة الترويكا وغياب القدرة على اتخاذ خطوات تتسم بالجرأة السياسية. فهناك نوع من الرداءة السياسية على مستوى الخطاب وعلى مستوى الفعل السياسي يستفيد منه قايد السبسي والبورقيبيون.

أما على الجهة المقابلة، أي جهة المعارضة، فلا توجد بدائل واضحة للتحالف الحكومي الحالي خاصة أن وجود السيد مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي طرفا في الحكومة، وهو الوجه الديمقراطي التقدمي المعروف، بعثر الخارطة السياسية نوعا ما. وهذه نقطة هامة يستفيد منها التيار الدستوري البورقيبي.

إن اقتناع الكثيرين باتباع حركة النهضة لازدواجية الخطاب وبالنظر إلى أن خطر التطرف باسم الإسلام لم يعد شماعة أو فزاعة بل حقيقة يقرها مسؤولون حكوميون، فإن الرهان اليوم بالنسبة لجزء كبير من التونسيين هو رهان حضاري وتاريخي وثقافي يتجاوز اللحظة السياسية الحالية.

وهنا تبدو كل التحالفات ممكنة إذا اقتنع البعض بأن الرهان اليوم هو أولا تأسيس مجتمع الحقوق الفردية والحريات حسب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وعلى رأسها الحق في العيش الكريم ودولة مؤسسات بالمعايير الدولية.

على قوى التغيير والحداثة أن تعي كذلك أن الرهان يتجاوز تونس والمجتمع التونسي لينغرس في عمق الواقع العربي. فقد كانت التجربة التونسية مثالا للثورة ولسلاسة التحول الديمقراطي ويجب أن يحافظ النموذج على زخمه من خلال إنجاح المشروع المجتمعي البديل مجتمع الحرية والحقوق الاجتماعية والسياسية. فيكون بذلك سندا للقوى الحية الثورية في العالم العربي.

توازنات جديدة في انتظار الانتخابات المقبلة
على ضوء التردد الحكومي وبوادر تراجع شعبية الحركة الإسلامية، كما رأينا من خلال انتخابات الجامعات، بدأ المشهد السياسي يتشكل من جديد ليخرج من حالة التفتت التي كان عليها خلال الانتخابات الماضية. أعتقد أن ملامح المشهد السياسي التونسي بدأت تتضح في ظل حركية الأحزاب وتوجهاتها الاندماجية مما يعطينا فكرة أولية عن القوى التي ستتنافس خلال الانتخابات القادمة في بداية سنة 2013.

بالتأكيد سيكون هناك توجه أول إسلامي حول حزب حركة النهضة الذي تبقى حصيلة تجربته في الحكم سلبية عموما سواء على البلاد أو حتى على الحزب نفسه. فسيكون من الصعب على النهضة اليوم طمأنة المواطن العادي وقد جعلت البلاد مرتعا للسلفية.

النهضة ما زالت بصدد اكتشاف المجتمع التونسي وعثراتها بدأت تعطي ثمارها لخصومها. ولعل من أبرز الأمثلة على ذلك هو فقدان هذه الحركة لورقة الحجاب الذي طالما مثل القضية الرمز لإسلاميي تونس. بعد الثورة يكتشف الإسلاميون أن المحجبات موجودات في كل الأحزاب بما فيها الأحزاب العلمانية. ربما سيكون الحليف الوحيد للنهضة في المواعيد المقبلة هو حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يتميز بخطابه الشعبوي وبنزعة سياسية منفتحة ونضالية لكنها موسومة بنوع من المحافظة الاجتماعية تروق كثيرا للإسلاميين.

التوجه الثاني هو توجه يساري ديمقراطي يجمع حوله القطب الحداثي والتجديد والحزب الديمقراطي التقدمي وأحزابا أخرى. ستبقى حظوظ هذا التوجه رهينة التحاق مصطفى بن جعفر رئيس المجلس التأسيسي، به لأنه موقعه الطبيعي بالنظر إلى الرؤية الفكرية والتاريخ النضالي لحزبه. كما هي مرهونة كذلك بتحييد الطموحات الشخصية والزعاماتية في بعض الأحزاب. ربما تلتحق بهذا التوجه بعض القوى اليسارية، مثل "الوطنيون الديمقراطيون"، شريطة أن تخرج من القراءة الأيديولوجية للواقع.

وقد يفكر البعض من هؤلاء في التفاعل مع الباجي قايد السبسي والبورقيبيين، لكن ذلك قد تكون له عواقب حاسمة خاصة من حيث فقدان أصوات ناخبي المناطق الداخلية. من المحتمل كذلك أن يستفيد هذا التوجه من مساندة الاتحاد العام التونسي للشغل خاصة في حال تطعيمه بأطراف من اليسار الثوري. كما أن الاستفادة من بعض الأحزاب والأطراف الليبرالية وحتى من رجال الأعمال تبقى واردة في سياق البحث عن شفافية أكبر في المجال الاقتصادي.

التوجه الثالث توجه يساري ثوري ويجمع حوله القوى اليسارية المعروفة ومن تحالف معهم خاصة من القوميين. حظوظ هذا التوجه ستبقى ضعيفة لفرض نفسه كقوة بارزة ما لم يخرج من صرامة القراءة الأيديولوجية بهدف توسيع تحالفه خاصة مع التوجه اليساري الديمقراطي.

ملامح المشهد السياسي التونسي بدأت تتضح في ظل حركية الأحزاب وتوجهاتها الاندماجية مما يعطينا فكرة أولية عن القوى التي ستتنافس خلال الانتخابات القادمة في بداية 2013

التوجه الرابع يتمثل في التيار الدستوري البورقيبي وهو تيار ليبرالي عموما. استفاد كما رأينا من أخطاء الإسلاميين الذين ظهروا وكأنهم يشنون حربا على رموز هوية تونس الوطن التي يبقى لبورقيبة ضمنها مكانة خاصة. وربما كانت حادثة إنزال العلم وتعويضه براية السلفية وما صاحب ذلك من استنكار شعبي واسع أبلغ مثال على قوة حضور الهوية الوطنية. ويستفيد كذلك هذا التيار من العديد من العناصر القاعدية للتجمع التي بقيت مهمشة بعد الثورة.

لكنني أعتقد أن العامل الحاسم في نجاح هذا التوجه سيكون داخليا أولا ويتمثل في مساندة رجال الأعمال، ثم خارجيا من خلال مساندة حلفاء تونس التاريخيين لما يمثله هذا التوجه من استمرارية ومن ضمانة للمصالح.

في المقابل سيبرز هذا التوجه للناخب التونسي وكأنه عودة إلى التمايز الجهوي الذي شهدته البلاد طوال تاريخها خاصة أن ثقله يبقى مرتبطا بالساحل. وإمكانية تحالفه مع اليسار الديمقراطي تبقى واردة خاصة إذا لم تصدر رسائل واضحة من النهضة في مسائل الدولة المدنية ومقاومة التطرف الإسلامي.  أي أن هذا التحالف ممكن إذا تأكد أن الرهان الأول هو الحفاظ على مدنية الدولة وعلى الحريات الفردية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك