منصف المرزوقي

منصف المرزوقي

رئيس تونس السابق

لا يهديني أحد كتابا إلا وشعرت بضرورة الرد، سواء برسالة شكر، أو إن أعجبني النص بقراءة أنشرها. ذلك لأنني ككاتب، أعلم أن من يهديك أعز ما لديه أي عصارة الفكر والروح ينتظر منك أن تتجاوب معه ولو سلبا. أمر من التجاهل أن تسمع بكتابك معروضا في السوق للبيع، يميزه الإهداء المكتوب بخط يدك، مما يدل على قيمته لدى الذي توسمت فيه الخير.

من الطبيعي أن أكتب هذا المقال وصديق عزيز مثل الشيخ راشد الغنوشي هو الذي أهداني آخر ما قرأت بكل اهتمام "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" (دار الشروق-القاهرة 2012) ولأن علاقة الناقد بكاتب أي نص هي دوما تفاعل فكر مشبع بالرؤى والتصورات والمشاعر، مع فكر آخر مهيكل بنفس الكيفية، لا بد من كشف الخلفية التي يحاول البعض طمسها لادعاء موضوعية كاذبة.

أعرف الشيخ راشد منذ أكثر من ربع قرن, لكننا لم نتقارب إلا عندما أطلق بن علي البوليس السياسي على الإسلاميين ابتداء من سنة 1991 بمستوى من العنف لم تعرفه تونس حتى في عهد بورقيبة

أعرف الشيخ راشد منذ أكثر من ربع قرن، لكننا لم نتقارب إلا عندما أطلق بن علي البوليس السياسي على الإسلاميين ابتداء من سنة 1991 بمستوى من العنف لم تعرفه تونس حتى في عهد بورقيبة. فكان ما كان من معاناة لكلينا، المعروف منها للأقلية والمجهول منها للغالبية. ثم جمعتنا غربة مريرة وطويلة. ودارت بيننا العديد من النقاشات على امتداد عقدين من الزمن سواء في بيته ومكتبه بلندن، أو ذات ليلة مشهودة في بيت صديق مشترك في فرنسا (التي دخلها بشكل سري) ثم تغيرت النقاشات بعد أن عدنا ورحل الطاغية، والرهان هذه المرة ليس على التوفيق بين رؤى فلسفية وسياسية متباعدة وإنما على التوافق حول النظام السياسي الجديد في تونس الثورة.

قد يكون هناك عامل ذاتي سهل التفاهم بيننا هو أننا ننحدر من نفس الأصول الفقيرة ومن نفس القرى المهمشة في الجنوب التونسي ومن نفس التيار اليوسفي الذي هزمه بورقيبة بعيد "الاستقلال". غير أنه لا ضروريات رص الصفوف لمقاومة الديكتاتورية ولا الانتماء المشترك، ولا الرغبة الصادقة من الطرفين في بناء الجسور، استطاعت طمس اختلافات جذرية على الصعيد الفكري. هكذا بنينا على مر السنين علاقة تتميز بالتباين المزمن والتفاهم المتواصل، ومن ثَم لا غرابة أن أكتشف -وأنا أقرأ الكتاب- كل ما يفرقنا إلى جانب كل ما يجمعنا.

نقاط التوافق ثلاث
قول الشيخ "لا يسعه (أي الإسلام) إلا أن يسعد ويرحب بما ارتقى له وعي البشرية .... بوصف ذلك بعض ما تتشوف له رسالته بما يجعل اتجاه التوافق بين تلك الإعلانات والعهود (لحقوق الإنسان) مع قيم ومبادئ الإسلام هو الاتجاه العام والاختلاف هو الاستثناء" (ص 103)، كم نحن بحاجة إلى توسع مثل هذا التفكير في عالم نخر فيه التعصب، وهو دوما المدخل لعنف ضجرت منه وضجت به البشرية!

قوله أيضا:
"لا يليق بالباحث المسلم في النظام الإسلامي أن يقف موقف المأخوذ المنبهر أمام أي إبدع حضاري يحطب منه -كحاطب ليل- حلوه ومره، ما يليق به، في الآن نفسه أن يتحرج ويستنكف من الأخذ بكل كلمة اتفق عليها عقل بشري وأثبتت جدواها تجربة حضارية حتى يندرج في سلك أولي الألباب" (ص39)

ثم هذه الجملة التي كان بوسعي أن أكون كاتبها، بنفس العبارات تقريبا "فإن المستقبل سيسلم قيادته على الأرجح للأمم الأقدر على الإبداع والتجدد الفكري والإقناع والحوار وتقديم ما ينفع الناس، والأقدر في المحصلة على المقاومة والتغيير والفداء" (ص 28).

نعم يجب أن نعود لساحة الإبداع لتدارك كل هذه القرون من التخلف، نعم يجب أن نجدد مخزوننا الحضاري، أن نترك الاجترار، بما في ذلك اجترار أمجادنا الماضية، الحقيقية منها والكاذبة، لا مجال لهذا إلا باستعادة الثقة في أنفسنا، إلا بفتح النوافذ على العالم... بتعلم الصينية والروسية واليابانية والأوردية ولغة الزولو والمايا... بالأخذ من كل الثقافات البشرية بامتنان وإعطائها بكرم... بجعل شعارنا قول الإمام علي بن أبي طالب:
كن ابن من شئت واكتسب أدبا  ***  يغنيك مضمونه عن النسب
إن الفتــى من يقـول ها أنذا  ***  ليس الفتى من يقول كان أبي

****

والآن إلى نقاط الاختلاف الثلاث وهذه تستوجب بعض الشرح.
1- العلمانية
في الجزء الأول (ص 37) يكتب الشيخ "وبذلك كانت حجة الواقع أبلغ من كل جدل في الرد على دعاوى العلمانيين ومساعيهم في علمنة الإسلام وتفريغه من جوهر رسالته" ويواصل نفس الفكرة (ص 38) "هذا دون الغض من قيمة الجهود الكبرى التي يبذلها علماء الإسلام ومفكروه في التصدي لتيار العلمانية ودحضه بحجة المنطق".

لا أريد العودة لنقاش المفهوم (انظر على الجزيرة نت: "العلمانية مفهوم للترك أو للتبني") أذكر فقط أنه يعني في منظوري حماية الدولة من المستبدين باسم الدين (أفغانستان طالبان) وحماية الدين من المستبدين باسم الدولة (تونس بن علي)... أنه لا علاقة له بالإلحاد... إنه من الأحسن تفاديا للخلط أن نتحدث عن الفكر المدني.

بصراحة أنا أكره فكرة أن الشيخ ينظر إلي بعقله الباطني على أن الله يوم يفتح علي ويهديني إلى الحق سأترك "دعاوى" العلمانيين إلى حقائق الإسلاميين

ما أريد التعليق عليه وصف الشيخ لمواقف المجموعة الفكرية التي أنتمي إليها بأنها "دعاوى" وأن هناك من "دحضها بحجة المنطق". كأن الشيخ ومن معه ما زالوا على مقولة "موقفي صواب قد يحتمل بعض الخطأ وموقفك خطأ قد يحتمل بعض الصواب!" بصراحة أنا أكره فكرة أن الشيخ ينظر إلي بعقله الباطني على أن الله يوم يفتح علي ويهديني إلى الحق سأترك "دعاوى" العلمانيين إلى حقائق الإسلاميين.

رأيي أن الموضوع لا علاقة له البتة بدعاوى وحقائق، ولا بخطأ من نصيب هذا وصواب لا يملكه إلا ذاك. فكريا نحن أمام تعقيد العالم الرهيب وتغيراته المتواصلة، متساوون في الخطأ والصواب. عقائديا الإسلام هو منبع نشرب منه جميعا وليس وقفا على أحد، اجتماعيا وسياسيا كلنا ندافع عن مبادئ مصالحنا ومصالح مبادئنا.

الأهم أننا جميعا تحت وطأة قانون: التعددية هي وإلى الأبد الحالة الطبيعية لأي مجتمع. هذه الظاهرة القارة لها سبب ذاتي: حب البشر للمشاكسة والتميز. هي نتيجة ظروف موضوعية داخلية وبالأساس نتيجة تباين الرؤى والمصالح والإستراتيجيات لحل مشاكل الأفراد والمجموعات في مجتمع محدود الموارد.

ثمة أيضا دور العوامل الخارجية، أي تأثير المجتمعات بعضها على بعض، إذ هي لا تنفك تتبادل الجينات والمعلومات والقيم، إن سلما وإن حربا. هذه التعددية هي التي أعطتنا في الماضي السنة والشيعة وداخل كل مذهب المدارس الفقهية المتنافسة. هي التي تفجر اليوم المنظومة الإسلامية إلى إسلام دعوي وإسلام سياسي، وهذا الأخير إلى إسلام سياسي معتدل وآخر متشدد، وداخل المتشدد إلى سلفية دعوية وسلفية جهادية، والكل يشكك بفهم الآخر للإسلام أو حتى يكفره.

هي التي تعطينا العلمانيين والإسلاميين، لأن مجتمعنا التونسي يحمل بقوة بصمات تأثير الشرق الإسلامي وبقوة موازية بصمات الغرب الأوروبي، ومن ثم وجود مفكرين إسلاميين ومفكرين علمانيين. ليست المسألة إذن قصورا في تفكير الآخر يمكن "دحضه بالمنطق" وإنما هي ترجمة كل فكر لما يعتمل داخل المجتمع من مشاريع متناقضة يجب تصريفها سلميا، بعد أن أثبتت التجربة التاريخية عبثية الأحادية وما تكلفه من ثمن باهظ من الدم والدموع. أما المفهوم الذي يدخله الشيخ "التعددية في إطار الإجماع" (الجزء الثاني ص150) فيبدو لي متناقضا حيث لا تظهر التعددية إلا لاستحالة الإجماع. هو مطالَب برفع كل التباس حتى لا يبدو -وهو المقر بوجود وشرعية التعددية- وكأنه يعطي باليد اليمنى ليسترجع باليسرى.

                                      ****
2- مادية الغرب
يقول الشيخ (ص 49)
"إن الفكر الغربي في جوهره واتجاهه العام لا يقر بغير المادة وحركتها، مما يجعل هذا الكائن المسمى إنسانا لا يعدو أن يكون لحظة متقدمة في حركة تطور المادة".

رأيي أن الشيخ لم ينظر إلا للنصف الفارغ من الكأس، هناك فعلا تيار قوي أعطى للفكر الغربي تصوره المادي للإنسان، ومن أبرز رموزه بايكون وقاليلي ونيوتن وداروين وماركس وفرويد. لكن تلك الحضارة لا تقتصر على العلوم والفلسفة والتكنولوجيا. من يتصور الغرب دون الكاتدرئيات الضخمة، مثل كاتدرائية باريس وكولن وشارتر وستراسبورغ وفلورانس، وكلها من روائع الفن المعماري العالمي، وقد استغرق بناء بعضها قرونا كاملة؟ من يتصوره دون لوحات مايكل أنغلو ورافايل ومئات الفنانين، وموضوعها الغالب صلب المسيح؟ من يعرف أن عظماء موسيقاه مثل باخ وهاندل وفيفالدي وموزار وبتهوفن وبراهمز كتبوا كلهم الموسيقى الكنائسية من نوع Messe أوRequiem. عندما يستمع التونسيون لموسيقى بتهوفن يعزفها الأوركسترا السيمفوني في المسرح البلدي دونما أدنى تنهيدة إعجاب، ملتزمين صمتا تاما، فإنهم لا يعلمون أنهم يواصلون خشوعا دينيا. فالموسيقى الكلاسيكية الغربية في جزء منها وريثة القصور وفي جزء أكبر وريثة الكنائس.

ما يضايقني دوما في الكثير من كتاباتنا عن الغرب(القومية منها أو الإسلامية) عمق العلاقة المرضية التي تربطنا به, إذ نعمل بالمثل الشعبي: كل الغلة وسب الملة. أو بالمثل الآخر: لا نحبّك، لا نطيق فراقك

الحقيقة أن الثقافة الغربية مشبعة إلى درجة كبيرة بالدين ولها منحى روحاني عميق ومتأصل. والظاهرة قارة في كل الثقافات الكبرى، أي تواجد تيارين متناقضين الروحاني والمادي، ولو بنسب مختلفة حسب الظرف الزمني. إذا تأملنا كأسنا نحن، فسنجد أن فيه بالطبع التيار الروحاني الذي نعرف، لكن فيه أيضا التيار المادي الذي ننسب ونتجاهل، هذا التيار الذي مثله أحسن تمثيل المعري وابن المقفع وابن خلدون أو قريبا منا صادق جلال العظم.

ما يضايقني دوما في الكثير من كتاباتنا عن الغرب (القومية منها أو الإسلامية) عمق العلاقة المرضية التي تربطنا به، إذ نعمل بالمثل الشعبي "كل الغلة وسب الملة" أو بالمثل الآخر "لا نحبك، لا نطيق فراقك".

ثمة دوما في الكتابة عنه والتعامل معه إما إنكار مبالغ فيه وإما تبعية مقيتة. آن الأوان والغرب بصدد فقدان سيطرة لم تدم إلا 500 سنة (على عشرة آلاف سنة حضارة) والعالم يعود لتعددية واعدة والثورة العربية تعيدنا لساحة التاريخ، أن نخرج من هذه الثنائية لنبني معه علاقة نضج تكون أكثر استقلالية وأقل حفيظة.

                                          ****

3- علوية الإسلام في ميدان حقوق الإنسان 
عنوان الكتاب هو "الحريات العامة في الدولة الإسلامية" عن أي دولة إسلامية يتحدث الكاتب: التي عرفناها طيلة 15 قرنا وكانت -ولا تزال في بعض البلدان- دولة استبدادية بقناع إسلامي، أم الدولة الإسلامية المرتقبة حتى لا أقول الخيالية؟ هل لي أن أذكر بأن العقد السياسي المبرم في تونس اليوم مع الإسلاميين هو بناء الدولة المدنية وليس بناء الدولة الإسلامية! ربما كان من الأصلح أن يكون العنوان "الحريات العامة في الإسلام" خاصة أن هذا هو فحوى الكتاب.

ما يطرح لي إشكالا منهجية المؤلف في التعاطي مع القضية هو يستعرض الحق في المساواة (ص68) وحرية العقيدة (ص70) وحرية الفكر (ص80) والحقوق الاقتصادية (ص81-90) والحق في القضاء العادل (ص 100)، ليخلص إلى أن كل هذا موجود في القرآن بل وبكيفية أشمل وأعمق مما يقدمه الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فبخصوص حق المعتقد مثلا يذكر المؤلف ببعض الآيات البينات "فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" او "لا إكراه في الدين" (صدق الله العظيم). ثم يكشف بخصوص الحرية عن مصدر تفوق الإسلام على النصوص الوضعية حيث يقول "إذا كانت إعلانات حقوق الإنسان في إطار الفلسفة المادية والمذهب الرأسمالي مجرد كفالات للبرجوازية ضد الإقطاع والبابوية قد تكشفت في النهاية عما تنطوي عليه من زيف ومحدودية....... فإن تصور الإسلام للحرية لا ينطلق من طبيعة للإنسان تنبثق عنها ذاتها حقوق طبيعية كما يدعي الفكر الغربي وإنما الحقيقة التي ينطق باسمها كل شيء في هذا الكون، إنه الله خالق هذا الكون ومالكه" (ص53)

ثمة مشكلتان في مثل هذا الطرح، الأولى متعلقة برؤية الإسلاميين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان ومشتقاته من عهود ومواثيق دولية، في كتاب صادره البوليس السياسي في بداية التسعينيات، عنوانه "الإنسان الحرام" ويمكن مراجعته على موقعي، قدمت قراءة للإعلان انطلاقا من دراسة تاريخية.

من يتذكر أن الصينيين هم الذين رفضوا للغربيين وللمسلمين ذكر الله في الديباجة، لكن أهل الديانات السماوية الثلاث فرضوا جملة الحقوق التي تعدها هذه الديانات مركزية في تعاليمها... إن الفاتيكان حاول أن يفرض منع الطلاق ورفض طلبه... إن السوفيات فرضوا الحقوق الاقتصادية على الغربيين لكنهم فشلوا في فرض حق الشعوب في الاستقلال والسيادة على مواردها الطبيعية (وهي الحقوق التي ستضمن لاحقا في معاهدات 1966)... إن هؤلاء فرضوا على السوفيات الحريات الفردية والعامة؟ مما يعني أن الإعلان لا يختزل في "الفلسفة المادية والمذهب الرأسمالي".

هو ليس إملاء غربيا وقل من يعرف حدة النقاشات وصعوبة عملية البيع والشراء التي رافقت صياغته، هو نتيجة وفاق صعب بين الثقافات الكبرى ومنها ثقافتنا العربية الإسلامية، فرضته ضروريات العيش المشترك في عالم متزايد الترابط، ففي ظل تعددية العالم الدينية والأيديولوجية والسياسية، وفي ظل استحالة أسلمة أو تمسيح أو تهويد... إلخ كل البشرية، واعتبارا لضرورة إيجاد أرضية مشتركة بين ثقافات متعددة، تكون تكملة ومتابعة لكل المشاريع العظمى التي جاءت بها مختلف الثقافات البشرية، لم يكن هناك من خيار غير تدبيج وثيقة مشتركة وبتزكية منها جميعا ومساهمتها في الصياغة.

مثل هذه الرؤية الموضوعية تنزع كل أسباب العدوانية المقَنعة والقبول الممتعض لبعض الإسلاميين. والإعلان كما نرى ليس منافسا أو بديلا إنما هو نص جماعي تفاهمنا عليه مع بقية مكونات العائلة البشرية لكي تكون لنا لغة مشتركة ومشاريع متفق عليها، حتى وإن بدت مغالية في المثالية والتفاؤل مثل تمكين كل البشر من حقوق ما زالوا بعيدين عنها كل البعد.

المشكلة الثانية تتعلق بالإسلام نفسه، كأن قيمته في اكتشافه لقيم حقوق الإنسان قبل كل النصوص الوضعية، وفي إرسائه لها على دعامات أصلب وأشرف، دون أن يشعر وضع الشيخ الإسلام في موضع منافسة مع نصوص لم تدع يوما أنها تؤسس لدين جديد أو أن لها أدنى قدسية. منهجية تذكر ببعض الذين كانوا يكتشفون في القرآن أسبقيته على كل اكتشاف علمي يعلن عنه وكأن قيمة القرآن تزداد باكتشافه هذه الحقيقة أو تلك قبل علماء الفيزياء والكيمياء.

عظمة الإسلام لا علاقة لها بسبق في هذا المضمار أو ذاك وإنما في كونه الطريق الذي ينتهجه أكثر من مليار من البشر ليمارسوا إنسانيتهم وإظهار جدارتهم بالكرامة التي حباهم بها الخالق عز وجل

إن عظمة الإسلام لا علاقة لها بسبق في هذا المضمار أو ذاك وإنما في كونه الطريق الذي ينتهجه أكثر من مليار من البشر ليمارسوا إنسانيتهم وإظهار جدارتهم بالكرامة التي حباهم بها الخالق عز وجل.

لما سئل غاندي عن سبب تعدد الأديان والله واحد، قال تصوروا أنه أعلى قمة لأعلى جبل والبشر يعيشون على السفح وهمهم الأوحد التوجه إليه. ثمة أكثر من طريق إلى القمة، من الجهة الغربية والشرقية والشمالية والجنوبية، لكنه متجه دوما إلى فوق. الرائع في هذه الصورة أن كل الطرق متساوية لأنها تتجه لنفس الهدف وأنه بقدر ما يتعالى البشر بقدر ما يقتربون بعضهم من بعض.

ربما هذا ما جعل كبار الناسكين، مهما كانت ديانتهم، يقولون تقريبا نفس الكلام، وهم يبتعدون عن السفح حيث الدين طقوس وعادات ومصالح، ويقتربون بأرواحهم وعقولهم من مصدر كل نور، لعل أبلغهم في لغتنا ابن العربي الذي قال:

لقد صار قلبي قابلا كل صورة *** فمرعى لغزلان ودير لرهـبان
وبيت لأوثان وكعبة طـائـف *** وألواح توراة ومصحف قـرآن
أدين بدينِ الحب أنى توجهـت *** ركائبه فالحـب ديني وإيمانـي

****

وفي الختام..
لا الاتفاق على جملة من الأفكار ولا الاختلاف حول أخرى يغير شيئا من العلاقة التي ربطتني وتربطني بالشيخ: المودة والاحترام، ذلك لأن أهم ما جمع ويجمع بيننا الاشتراك في نفس القيم. كل الأفكار تبلى أو تتسخ ومن ثمة غيرها كما تغير ثيابك الداخلية، أما القيم فهي العلامات الثابتة عندما يضيع الطريق في الضباب ومن ثم تمسك بها تمسكك بجلدك.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك