ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني

أعلن رياض الشقفة الأمين العام لحركة الإخوان المسلمين في سوريا ونائبه صدر الدين البيانوني، في مؤتمر صحفي (25 مارس/آذار 2012)، "وثيقة عهد" لسوريا المستقبل تضمّنت رؤية الحركة لقيام "دولة مدنيّة حديثة، تقوم على دستور مدنيّ.. يحمي الحقوقَ الأساسية للأفراد والجماعات.. ويضمن التمثيلَ العادل لكلّ مكوّنات المجتمع.. دولة تحترمُ المؤسّسات، وتقومُ على فصل السلطات التشريعية والقضائية والتنفيذية.. دولة ديمقراطية تعددية تداولية.. ذات نظام حكم جمهوريّ نيابيّ، يختار فيها الشعب من يمثله ومن يحكمه.. دولة يكون فيها الشعبُ سيدَ نفسه.. دولة مواطنة ومساواة، يتساوى فيها المواطنون جميعاً، على اختلاف أعراقهم وأديانهم ومذاهبهم واتجاهاتهم.. يحقّ لأيّ مواطنٍ فيها الوصول إلى أعلى المناصب، استناداً إلى قاعدتي الانتخاب أو الكفاءة. كما يتساوى فيها الرجالُ والنساء.. دولة تلتزم بحقوق الإنسان.. من الكرامة والمساواة، وحرية التفكير والتعبير، وحرية الاعتقاد والعبادة، وحرية الإعلام، والمشاركة السياسية، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية.. دولة العدالة وسيادة القانون، لا مكانَ فيها للأحقاد، ولا مجالَ فيها لثأر أو انتقام.. دولة تعاون وألفة ومحبة، بين أبناء الأسرة السورية الكبيرة، في ظلّ مصالحة وطنية شاملة."

في الواقع، فإن هذه الوثيقة، ومن مختلف المعايير، تعتبر بمثابة ثورة في التفكير والنضج السياسيين عند هذه الحركة. فهي، أولاً، تشكّل افتراقا، بمعنى ما، عن بعض الأفكار الضيّقة التي شابت هذه الحركة ومثيلاتها من حركات الإسلام السياسي، في محاولاتها للمماهاة بين الدنيوي والديني، وبين البشري والمقدّس، وبين السياسي والروحي، وهو ما تم اختزاله في شعار: "الإسلام هو الحلّ" وفي تعريف الأمّة بأمّة الإسلام الممتدة في أصقاع الأرض وبتحديد المواطنة نسبة إلى الدين (الإسلام)، وفي رفض الدولة الوطنية الزمنية للرجوع إلى زمن دولة الخلافة لا التاريخية وإنما المتخيّلة.

الوثيقة تعتبر بمثابة محاولة من الإخوان للتجاوب مع متطلّبات الثورة السورية وتفاعلاتها السياسية والمجتمعية، لجهة الانفتاح على مكوّنات الشعب السوري، وإبداء الاحترام لواقع سوريا بتنوّعها وتعدّديتها

ثانياً، إن هذه الوثيقة تأتي بالتفارق، أيضاً، مع الخطابات السائدة في الحركات الإسلامية الأخرى، وضمنها حركة الإخوان المسلمين الأمّ (في مصر)، التي ما زالت تصرّ على اعتبار الشريعة الإسلامية بمثابة المصدر الأساسي للتشريع، والتي لا تقبل برئاسة غير المسلم أو المرأة للدولة؛ إذ لم تتضمّن "وثيقة العهد" النصّ على مصدر التشريع، في حين إنها حدّدت لرئاسة الدولة معايير الكفاءة والانتخابات، وليس الدين أو الجنس.

ثالثاً، مع أن ثمة سوابق لهذه الحركة في إصدار هكذا وثائق في سياق تفاعلاتها مع قوى وطنية أخرى (2001-2004)، إلا أن هذه الوثيقة تعتبر بمثابة محاولة منها للتجاوب مع متطلّبات الثورة السورية وتفاعلاتها السياسية والمجتمعية، لجهة الانفتاح على مكوّنات الشعب السوري، وإبداء الاحترام لواقع سوريا بتنوّعها وتعدّديتها (الدينية والإثنية)، كما أنها تأتي استجابة لحاجات الواقع ومتطلّبات التطوّر للدولة والمجتمع السوريين.

كذلك ففي هذه الوثيقة نوع من محاكاة للعالم، لجهة المصالحة بين الإسلام وحقائق العصر، ما تجلى في القول بقبول الدولة المدنيّة والاحتكام للدستور والقوانين الوضعية والمواطنة المتساوية، ونبذ الإرهاب والاعتراف بالعهود والمواثيق الدولية.

الآن، لا شكّ أن ثمة تحفّظات ومخاوف مشروعة وغير مشروعة، طبيعية ومصطنعة، عند كثيرين من الذين لا يؤمنون بأي دور لحركات الإسلام السياسي، أو عند الذين لا يثقون بها، ويأخذون عليها شبهة انتهاج سياسة "التقيّة" لتهدئة المخاوف الناجمة عن تنامي دورها في مجريات الثورة السورية.

ومع التأكيد بأن هذه المخاوف والتحفّظات إنما هي نتاج التخوّف من ميل غالبية حركات الإسلام السياسي لوسيلة العنف لفرض ذاتها، ومن ممانعتها للحداثة، إلا أنها صادرة في أغلبيتها عن نزعات أيديولوجية هوياتيّة، جاهزة وجامدة ونمطيّة، مفادها أن هذه الحركات في تكوينها الديني لا تؤمن بالدولة المدنيّة ولا بالديمقراطيّة ولا بتداول السلطة، وهي نزعات عملت الأنظمة الاستبدادية أصلاً على تغذيتها لتكريس سلطتها.

طبعا من حقّ أيٍّ كان أن يكون له رأيه في هذه الوثيقة، لكن لا يمكن الحكم عليها بشكل مسبق، فما بعد الثورات الشعبية العربية، ليس كما قبلها، فقد ظهر الشعب على مسرح التاريخ، وبات يعرف حقوقه وبات يدرك أنه سيد مصيره، ومعنى ذلك أن هذا التطور عند حركة الإخوان المسلمين ينبغي أن يخضع للاختبار للتقرير بشأنه.

وفي الواقع ثمة كثير من التعسّف في التعاطي الأيديولوجي مع ظاهرة دخول الإخوان المسلمين إلى الحياة السياسية مع الثورات الحاصلة، والمشكلة أن ذلك يفيد، أو يخدم، قبول استمرار العيش في واقع الاستبداد المقيم. وعدا عن ذلك فإن بعض الرافضين لحقيقة وجود تيار إسلامي مستنير يتجاهلون طبيعة مجتمعاتهم وثقافتها التاريخية، لكأنهم يعيشون في مجتمع سويسري أو سويدي، ويتناسون أنهم أنفسهم ينطلقون من خلفيات أيديولوجية ومن مواقف تتناقض مع الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير، وتضرّ بقضية التعدّدية والتنوّع والمواطنة في المجتمع.

ثمة مشكلة أخرى عند بعض هؤلاء أيضا، تتمثّل في أنهم يقبلون بوجود تيارات إسلامية أقلّ استنارة وأكثر استبدادية بذرائع "وطنية"، مما يعني أن ثمة معايير مزدوجة هنا. فكثير من المعترضين على حركة الإخوان المسلمين تجدهم يقبلون "حزب الله" في لبنان، علماً أنه حزب إسلامي وطائفي، والأنكى أنه يتبع ولاية الفقيه، أي إنه حزب عابر للحدود ويستمدّ مرجعيته من "الوليّ الفقيه" في إيران، وحتى أنه لا يتوانى عن التهديد باستخدام القوّة لتعديل موازين القوى الداخلية في لبنان.

ولعلّ المشكلة الأساسية لأصحاب هذه التخوّفات تكمن في رفضهم الاندراج في عملية كسر حلقة الاستبداد الصلبة والقاسية والبشعة المسؤولة عن خراب دولنا ومجتمعاتنا، كما في ضعف إدراكاتهم لمسؤولية هذه الحلقة عن ضعف التيارات التنويرية والعقلانية والليبرالية في مجتمعاتنا، وانتعاش تيارات الإسلام السياسي على حسابها.

على ذلك فإن رفض وجود المكوّن السياسي الإسلامي لدى هذه الاتجاهات يتكشّف عن نوع من مفارقة قوامها إضفاء نوع من الشرعية الأخلاقية على الاستبداد والاستبعاد والتمييز، وفي أن هذا الرفض يتناقض مع الحرية والكرامة والمساواة والديمقراطية، التي تدّعي هذه الاتجاهات الذود عنها.

لا يجوز تهميش أو عدم قبول أو إقصاء أحد مكونات التيارات والحركات السياسية والفكرية العربية، المتمثل بالتيار الإسلامي، لأن هذا يتنافى مع أبجديات الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير والمواطنة

لذا لا يجوز، لاعتبارات أيديولوجية، أو حتى لاعتبارات الحفاظ على نوعية عيش فئات معيّنة، تهميش أو عدم قبول أو إقصاء أحد مكونات التيارات والحركات السياسية والفكرية العربية، وهو المتمثل بالتيار الإسلامي، فهذا يتنافى مع أبجديات الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير والمواطنة وحقوق الإنسان.

وفضلاً عن كل ذلك فإن هذا الموقف يتعاطى مع الأمر وكأن ثمة جوهرا ثابتا في المجتمعات -كما الحركات السياسية- الإسلامية قوامه عدم القابلية للحداثة والعقلانية والديمقراطية، وهي نظرة مستمدّة من العقليات العنصرية الاستعمارية في الغرب، في حين أن التجربة التاريخية والمعاشة تثبت عكس ذلك.

ففي التجربة السورية السابقة تبوأ فارس الخوري رئاسة الحكومة السورية عدة مرّات، ولم تشهد سوريا في تاريخها الماضي أية حساسيات طائفية. وقد ثبت في مصر أن بعض النزاعات الطائفية كانت مدبّرة من قبل أجهزة النظام. فوق ذلك فكما في سوريا ثمة أيضا في مصر وتونس مقاربات من التيارات الإسلامية باتجاه الدولة المدنية والقوانين العصرية والحكم الديمقراطي. وهنا ينبغي ملاحظة أن التيار الإسلامي لم يعد نفسه، كما في الخمسينيات إلى الثمانينيات، وأن مجتمعاتنا لم تعد هي ذاتها أيضا كذلك، بفضل مسارات العولمة والحداثة والتطوّر التقني، والثورات الحاصلة.

لكن كل ذلك لا يعني أنه ليس ثمة مشكلات ناجمة عن تسييس الدين بدل تنزيهه، وعن أسلمة السياسة بدل اعتبارها شأنا دنيوياً تخصّ مصالح البشر ونزعاتهم الغريزية وأهواءهم الشخصية، لكن ذلك يعني أن ثمة واقعا من حركات سياسية إسلامية لا ينبغي تجاهلها، أو تجاهل حقّ أفرادها في التعبير عن ذواتهم، لأن إتاحة الفرصة لهؤلاء للتعبير عن ذاتهم ربما هو الشرط اللازم لتحويلهم إلى سياسيين عاديين، ولوضع أفكارهم في مختبر الحياة الواقعية لنقلها من الحيّز الديني إلى الحيّز السياسي الواقعي، ومن حيّز المقدّس إلى أفكار بشرية تحتمل الخطأ والصواب والكذب والصدق والتورية والتلاعب.

هكذا ينبغي وضع هذه الظاهرة في محكّ التجربة وفي اختبار الواقع، مثلما اختبرت من قبل الظاهرتان السياسيتان المحمولتان على فكرتي الشيوعية والقومية، فكلما خاض هذا التيار في معمعان التجربة العملية واختباراتها وتحدياتها، من شؤون البلديات إلى السكن والعمل والتموين والصحة والتعليم، قلّ البعد الأيديولوجي والبعد المقدس فيها.

في كل الأحوال فقد قالت حركة الإخوان المسلمين السورية قولها بشأن المستقبل، ويبقى أن القوى الأخرى (اليسارية والقومية والوطنية والليبرالية والعلمانية) معنية بنفس المقدار بأن تقول قولها، أيضاً، فهي ليست معفاة من ذلك، لا سيما أن هذه القوى لم يثبت في التجربة أنها ديمقراطية تماماً أو أنها مع دولة المواطنين الأحرار المتساوين أمام القانون حقاً.

ولعل ما ينطبق على هذه القوى ينطبق أيضا على حزب الله في لبنان كما على مجمل حركات الإسلام السياسي (في العراق وفلسطين وغيرهما) من التي لم تقل كلمتها في هذه الأمور بعد، ومن التي لم تصل في تفكيرها السياسي إلى الحدّ الذي وصلته وثيقة الإخوان المسلمين في سوريا.

ومعنى ذلك أن المطلوب التعامل بديمقراطية وعقلانية وبمعايير واحدة مع مختلف التيارات التي من المفترض مطالبتها أيضاً بـ"وثيقة العهد" خاصّتها، بحيث يصبح بالإمكان إعلاء شعار: "الدين لله والوطن للجميع"، وهو شعار لمعنى وطن يتعايش فيه جميع المواطنين، على اختلاف انتماءاتهم الدينية والقومية والإثنية والسياسية والفكرية بحرية وفي إطار من المساواة أمام القانون وفي إطار من تكافؤ الفرص.

أما بالنسبة للمخاوف المشروعة المتعلّقة بإمكان ارتداد هذه الحركة عن مضامين هذه الوثيقة، على ضوء التجارب السابقة، فهو أمر لا يمكن التيقّن منه، إلا في اختبارات الواقع والتجربة، فضلاً عن أن ذلك يصدق، أيضاً، على كل التيارات التي صعدت إلى السلطة أو التي تحالفت مع السلطات الاستبدادية القائمة، وضمنها تيارات قومية ووطنية ويسارية وليبرالية وعلمانية.

على أية حال فإن التيارات الأخرى (اللادينية) مطالبة بالإقلاع عن سياسة ندب حظّها، والعتب على مجتمعاتها، وإلقاء اللوم على الإسلاميين الذين فازوا بالحصّة الكبرى في انتخابات البرلمانات، وتقبّل واقع أن هذه القوى تمثل جزءاً من المجتمع، وأن مجتمعاتنا ليست مجتمعات إسكندنافية وإنما هي مجتمعات ما زالت تغلب عليها أصلا الثقافة العربية الإسلامية، لا سيما في ظل السلطات التي أعاقت الحداثة والدولة والمواطنة.

التيارات (اللادينية) مطالبة بالإقلاع عن سياسة ندب حظّها، والعتب على مجتمعاتها، وإلقاء اللوم على الإسلاميين الذين فازوا بالحصّة الكبرى في انتخابات البرلمانات، وتقبّل واقع أن هذه القوى تمثل جزءاً من المجتمع

وينبثق مما تقدم أن التيارات اليسارية والليبرالية والعلمانية والقومية والوطنية معنية بمراجعة سياساتها وأفكارها وطرق عملها، والتخلّص من البعد الأيديولوجي الهويّاتي في الترويج لذاتها، ومن شبكة العلاقات التي استمرأت العيش عليها في ظل السلطات القائمة؛ وهي العوامل التي أفقدتها هويتها وعزلتها عن مجتمعها، بمعنى أن على هذه القوى أن تجدّد ذاتها وأن تجد هويتها وقضيتها.

مع كل ذلك فإن حركة الإخوان المسلمين معنيّة بتأكيد صدقيّتها بتحويل الوثيقة إلى نوع من ثقافة سياسية لمجمل قواعدها، كما بتأكيد نبذها العنف في علاقاتها مع القوى الأخرى، وفي انحيازها للعقل وقيم الحرية والمساواة والمواطنة وقبول الأخر، أي المختلف معها، في صوغ التشريعات وفي إدارة الدولة والمجتمع. ويأتي ضمن ذلك عدم الادعاء باحتكار تمثيل الإسلام، أو احتكار تفسير الإسلام، ليس لأن هذا يناقض حرية الرأي والتفكير والاعتقاد فقط، بل إن ثمة إسلاما واسعا شعبيا، غير سياسي، مما يعني اعتراف حزب الإخوان المسلمين باعتباره حزبا سياسياً، كغيره من الأحزاب.

قصارى القول لا حلّ لمجتمعاتنا إلا بالتخلص من الدولة الاستبدادية وإقامة الدولة الديمقراطية المدنية، التي لا هي عسكرية ولا هي دينية، وإنما هي دولة مواطنين أحرار متساوين أمام القانون، بدون أي تمييز من أي نوع كان.

فقط في هكذا دولة يمكن إعادة اللحمة الوطنية لمجتمعاتنا، وتنظيم مواردها وطاقاتها، وإدارة اختلافاتها، وتحويل التعددية والتنوع فيها إلى عامل إثراء لحياتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية. وفي هكذا دولة لا يمكن أن يكون ثمة تخوّفات من أي نوع، لا أمنية ولا نفسية ولا عقيديّة ولا وجودية، وإنما ثمة تعايش مشترك وقبول متبادل ومستقبل واحد.

عموما فإن ما قامت به حركة الإخوان المسلمين السورية هو خطوة في الاتجاه الصحيح يؤمل أن تترسّخ وأن تتطوّر وأن تتحوّل إلى ثقافة عامة في الحركة، وأن لا تقتصر على قياداتها، وأن لا تكون وليدة ظرف راهن، ولنأمل أن البقية ستأتي، وأن باقي التيارات الأخرى ستقدم إسهاماتها الخاصّة في هذا المجال.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك