محمد محمود أبو المعالي

محمد محمود أبو المعالي

كاتب وصحفي موريتاني

الحركة الوطنية لتحرير أزواد
حركة أنصار الدين السلفية
حركة الجهاد والتوحيد في غرب إفريقيا
القاعدة.. "الراعي الرسمي" لإمارة أزواد
التحضير للسيطرة العسكرية

تحديات تواجه الإمارة السلفية في أزواد

شكل انهيار نظام العقيد الليبي معمر القذافي، وعودة آلاف المقاتلين الطوارق المدججين بالسلاح من صفوف كتائب القذافي إلى مواطنهم الأصلية في إقليم "أزواد" تحولا جديدا في المنطقة، وبدا واضحا للعيان أن منطقة أزواد التي لم تعرف الاستقرار في سابق العقود الماضية بسبب النزعة الانفصالية لسكانها، والفوضى التي تضرب أطنابها هناك منذ عشرات السنين، مقبلة على مزيد من الاحتراب والاقتتال.

وقد ساهم تجاهل الحكومة المالية في باماكو للتحذيرات والتقارير التي كانت تتحدث عن استعداد الطوارق لاستئناف حربهم، في التعجيل باندلاع شرار المواجهة، وما إن بدأت طبول الحرب تقرع هناك، حتى كان الطوارق قد أنهوا عملية الاستقطاب الداخلي واستقر أمرهم على جبهتين: أولاهما الحركة الوطنية لتحرير أزواد (MNLA)، والثانية "حركة أنصار الدين".

ورغم أن كلا من الحركتين تسعى لأن تقدم نفسها كحركة جامعة شاملة تمثل جميع سكان أزواد، إلا أن سيطرة البعد القبلي فيهما ظل المبرر الفعلي الأول للتقسيم، فضلا عن أبعاد أخرى قومية وعقدية.

الحركة الوطنية لتحرير أزواد
تشكلت الحركة الوطنية لتحرير أزواد (MNLA) من "توماستيين" (نسبة إلى كلمة توماست وتعني القومية باللغة الطوارقية) وليبراليين ومستقلين، وآخرين لا يعرف لهم انتماء أيديولوجي. وبالرغم من محاولاتها الترويج في أدبياتها لنفسها باعتبارها حركة تمثل كل سكان الإقليم بمن فيهم العرب والفولان والسونغاي، فضلا عن الطوارق، إلا أن الواقع يعكس لوحة أخرى للحركة، قوامها بعد قومي قبلي.

فرغم وجود عناصر عربية ومجموعات من بعض قبائل الطوارق المختلفة في صفوف الحركة، تبوأ بعضهم مناصب قيادية فيها، إلا أن السواد الأعظم من مقاتلي الحركة، ينتمون إلى قبائل "الأيدينان" الطوارقية، وإليهم أسندت القيادة العسكرية، التي تولاها الضابط السابق في الجيش الليبي "محمد ناجم".

حركة أنصار الدين السلفية
الفصيل الثاني من المتمردين الطوارق هو "حركة أنصار الدين"، ويعرّفها مؤسسوها بأنها "حركة شعبية جهادية سلفية"، أسسها الزعيم التقليدي "إياد غالي"، وهو من أبناء أسر القيادات القبلية التاريخية لقبائل "الإيفوغاس" الطوارقية، قاد التمرد ضد الحكومة المالية في بداية تسعينيات القرن الماضي، وكان حينها قائدا قوميا أقرب إلى الفكر القومي الوطني، منه إلى الفكر الإسلامي، وبعد توقيع اتفاقية السلام بين الحكومة المالية والمتمردين الطوارق عام 1992، عمل قنصلا عاما لجمهورية مالي في جدة، لكن الرجل عرف في سنواته الأخيرة توجها دينيا، انتهى به إلى اعتناق الفكر السلفي الجهادي، وتحولت رؤيته للعمل المسلح في أزواد من عمل نضالي تحرري، إلى عمل جهادي ديني، ومع سقوط القذافي عاد "إياد غالي" إلى أزواد واتخذ من سلسلة جبال "أغارغار" مقرا له، وبدأ في تجميع المقاتلين الطوارق.

غيّرت حركة أنصار الدين مسار الحياة في مدينتي أغلهوك وتساليت بعد السيطرة عليهما، إذ منعت النساء من الخروج سافرات، وانتشر الملتحون في الشوارع، وبدأ الناس يتحدثون عن حياة شبيهة بحياة مدينة قندهار الأفغانية

وتحت عيون تنظيم القاعدة وبمباركة منه، أسس إياد غالي تنظيمه الجديد "حركة أنصار الدين"، بعد أن تداعى إليه المئات من أبناء قبيلة الإيفوغاس التي ينتمي إليها، وبعض المنتمين لقبائل طوارقية أخرى. وقد بدا واضحا أن "إياد غالي" استغل مكانته الاجتماعية، وتوجهه الفكري السلفي، لقطف ثمار عشر سنوات من عمل عناصر القاعدة في المنطقة، الذين دأبوا خلال تلك العشرية على نشر دعوتهم السلفية بين السكان، مستغلين حالة التدين الهشة هناك، فكانت المنطقة بالنسبة لهم أرضا بكرا زرعوا فيها بذور الدعوة السلفية الجهادية، فجاءت الاستجابة لدعوة إياد غالي مزدوجة اليوم، حيث تلبي البعد القبلي والقومي والانفصالي لدى الطوارق، وتتناغم مع الدعوة الجهادية المنتشرة هناك.

وقد دشن إياد غالي نشاطه العسكري بالهجوم على مدينة "أغلهوك" في أقصى الشمال المالي، حيث توجد قاعدة عسكرية محصنة تابعة للجيش المالي، وسيطر عليها، ثم ما لبث أن هاجم قاعدة "تساليت" العسكرية وتمكن من اقتحامها والسيطرة عليها، وأعلن عزمه تطبيق الشريعة الإسلامية في المناطق الواقعة تحت سيطرة حركته، حيث أسس مجالس محلية لتسيير شؤون المدن والبلدات التي سقطت في يد مقاتليه، وكانت البداية بمدينتي "أغلهوك" و"تساليت" اللتين غير فيهما مقاتلو "حركة أنصار الدين" مسار الحياة بعد السيطرة عليهما، إذ منعت النساء من الخروج سافرات، (مع العلم أن سفور المرأة واقع تقليدي في حياة الطوارق، وليس تأثيرا غريبا وافدا)، وانتشر الملتحون في الشوارع، وبدأ الناس يتحدثون عن حياة شبيهة بحياة مدينة قندهار الأفغانية عشية سيطرة حركة طالبان عليها.

حركة الجهاد والتوحيد في غرب إفريقيا
يعتبر العارفون بالمنطقة "حركة الجهاد والتوحيد في غرب إفريقيا"، نسخة عربية من حركة "أنصار الدين" الطوارقية، فحركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا ظهرت إثر انشقاق قادتها عن تنظيم القاعدة بعد رفض هذه الأخيرة طلبهم تأسيس كتائب خاصة بالمقاتلين من أبناء القبائل العربية في أزواد، أسوة بسرية "الأنصار" في تنظيم القاعدة التي تضم المقاتلين الطوارق، لكن قادة القاعدة الذين استفادوا-على ما يبدو- من تجربة الاقتتال الداخلي في الجزائر، قرروا تجنب الاحتكاك وامتصاص غضب رفاقهم في السلاح، والتنسيق معهم، كحركة حليفة في التوجه والهدف.

ويقود حركة الجهاد والتوحيد في غرب إفريقيا، التي تأسست في أكتوبر/تشرين الأول عام 2011، "سلطان ولد بادي" أحد شخصيات المجتمع العربي في أزواد، وبمعيته الناشط الموريتاني السابق في القاعدة "حماد ولد محمد الخير" المكنى "أبو القعقاع"، وإليهما انضم عشرات المقاتلين من أبناء القبائل العربية في شمال مالي، لتصبح الحركة بذلك واجهة للتيار السلفي الجهادي في المجموعات العربية بأزواد، تماما كما شكلت "حركة أنصار الدين" الواجهة السلفية الجهادية داخل المجموعات الطوارقية.

القاعدة.. "الراعي الرسمي" لإمارة أزواد
وبين "جماعة أنصار الدين" السلفية الطوارقية، و"حركة الجهاد والتوحيد" السلفية العربية، يقف تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، فارضا نفسه وصيا روحيا عليهما، وعلى المشروع السلفي الجهادي في المنطقة برمتها، باعتباره صاحب قصب السبق في إدخال الدعوة السلفية الجهادية إلى المنطقة، ويقر له الفريقان بالأقدمية في "ساحة الجهاد والدعوة السلفية"، وإلى منظريه ومفتيه يلجؤون في حل القضايا الفقهية والعلمية الشائكة.

يعتبر تنظيم القاعدة الذي وصل إلى المنطقة عام 2003 على يد أمير كتيبة الملثمين "مختار بالمختار" الملقب "بلعور"، أرسخ التنظيمات السلفية قدما في الصحراء الكبرى عموما ومنطقة أزواد خصوصا

ويعتبر تنظيم القاعدة الذي وصل إلى المنطقة عام 2003 على يد أمير كتيبة الملثمين "مختار بالمختار" الملقب "بلعور"، أرسخ التنظيمات السلفية قدما في الصحراء الكبرى عموما ومنطقة أزواد خصوصا، وقد تمكن من استقطاب الكثيرين رغبا ورهبا، إذ كانت يده تطال خصومه في المنطقة تصفية واختطافا، وعطاياه تغدق على مهادنيه ومواليه، فضلا عن ارتباط معظم عناصره بعلاقات مصاهرة مع المجموعات القبلية الأزوادية، كما توحي المؤشرات أن قيادة التنظيم في الصحراء الكبرى تمر بما يمكن أن يوصف بمرحلة "نصف مراجعات" تقتصر على جانب الآليات العملية وترتيب الأولويات، والاعتراف بارتكاب أخطاء خلال السنوات الماضية.

فلأول مرة يعترف التنظيم بارتكابه أخطاء في حربه ضد حكومات المنطقة، حيث أقر أمير كتيبة الملثمين، "بلعور" في مقابلة أجريتها معه ونشرت في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، بارتكاب أخطاء، وأعرب لأول مرة عن استعداد التنظيم للدخول في هدنة مع الحكومة الموريتانية، ورحب -في نفس المقابلة- بإرسال الحكومة الموريتانية وفدا من العلماء لمفاوضة التنظيم والحوار معه، كل ذلك يأتي بالتزامن مع تناقص عمليات إمارة الصحراء في الجزائر، وتعزيز الترسانة العسكرية لدى عناصر التنظيم في أزواد عبر استيراد كميات كبيرة من الأسلحة الليبية،  مما يفسر على أنه جزء من سيناريو التحضير لمشروع سلفي كبير في المنطقة، جاءت أشراطه وبدأت نذره تتراءى في الأفق القريب، ويتعلق الأمر -حسب تصوري- بإعلان ميلاد كيان إسلامي سلفي، تستعد الحركات الثلاث (أنصار الدين، القاعدة، حركة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا) لإعلانه.

التحضير للسيطرة العسكرية
وحسب المعطيات المتوفرة والتسريبات الأولية، فإن الحركات الثلاث تستعد لفرض سيطرتها عسكريا على إقليم أزواد عبر احتلال مدنه الكبرى (كيدال، تمبكتو، غاوة)، مفاوضة أو مغالبة، حيث تحاصر قوات "حركة أنصار الدين" مدينة كيدال ذات الأغلبية الطوارقية، وتستعد للانقضاض عليها، بينما لا ينتظر أن توكل مهمة مهاجمة مدينتي غاواة وتمبكتو، لحركة التوحيد والجهاد، وتنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، باعتبار أنهما مدينتان ذواتا أغلبية عربية.

ويرجع اختيار الحركتين لمهاجمة المدينتين إلى محاولة القائمين على المشروع السلفي في أزواد، تفادي الحساسات الاجتماعية والتاريخية بين القبائل العربية والطوارقية، ولا يستبعد أن تبدأ تلك الهجمات قريبا، في محاولة من تلك الحركات لاستغلال حالة الفوضى التي تعرفها مالي بعد الانقلاب الذي أطاح بالرئيس آمدو توماني توري، قبل أن يلملم الجيش المالي أشتاته ويضمد جراحه.

تحديات تواجه الإمارة السلفية في أزواد
غير أن إعلان إمارة سلفية في أزواد سيواجه لا محالة عقبات محلية وإقليمية ودولية كبرى، فعلى المستوى المحلي، تواجه "حركة أنصار الدين" رفضا داخل أوساط بعض القبائل الطوارقية، ذات العداء التاريخي مع قبيلة "الإفوغاس" التي ينتمي إليها زعيم الحركة "إياد غالي" ومعظم مقاتليه، حيث تتحدث المصادر التاريخية عن تراث مشترك بين تلك القبائل مليء بالحروب والدماء والثارات، وإن كان "إياد غالي" وشيعته يصرون على أن حركتهم سلفية جهادية لا دخل لها في الاعتبارات القبيلة والقومية.

لن تقبل دول المنطقة خصوصا الجزائر وموريتانيا، وكذلك فرنسا والغرب عموما بإمارة سلفية في الصحراء، قد تشكل نواة لعمل "جهادي" يستنسخ تجربة طالبان والقاعدة في أفغانستان

أما على مستوى القبائل العربية فهناك تحديات كبيرة تواجه مشروع الإمارة السلفية في أزواد، وفي مقدمتها تلك الاحتكاكات التاريخية بين القبائل العربية في أزواد والقبائل الطوارقية، ويعزز ذلك الرفض المحتمل كون الشخص المؤهل لقيادة إمارة أزواد الإسلامية حاليا هو "الشيخ إياد غالي" الطاريقي، الأمر الذي لن يكون مستساغا من طرف بعض القبائل العربية في أزواد، هذا فضلا عن أن "الجهاديين العرب" هناك ممثلون في تنظيم القاعدة وحركة التوحيد والجهاد، يواجهون عقبات أخرى في التناغم مع المجموعات القبلية، إذ تواجه القاعدة عداءً واضحا داخل بعض مجموعات قبائل "البرابيش" المنتشرة في تمبكتو وضواحيها، كما أن بعض المجموعات القبلية ذات البعد الروحي لن تكون مرتاحة لسيطرة المد السلفي هناك.

وإقليميا ودوليا لن تقبل دول المنطقة خصوصا الجزائر وموريتانيا، وكذلك فرنسا والغرب عموما، بإمارة سلفية في الصحراء قد تشكل نواة لعمل "جهادي" يستنسخ تجربة طالبان والقاعدة في أفغانستان، وربما تصل شرارته مناطق نائية من العالم، كما حصل مع إمارة طالبان التي احتضنت القاعدة فطاف نشاطها الجهادي أصقاع العالم، بدءا من نيروبي ودار السلام، وليس انتهاء بتفجيرات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، لذلك لن تكون هذه الإمارة بمنأى عن ضربات الطيران الأميركي وحلف الناتو، وربما هجمات برية من جيوش المنطقة.

ورغم ذلك فإن المؤشرات توحي بأن الحركات الجهادية في الصحراء الكبرى والساحل عموما، ومنطقة أزواد خصوصا ماضية قدما في التحضير لأمر جلل، وأغلب الاحتمالات تصب في أن يكون إعلان إمارة سلفية جهادية، ستكون لها امتداداتها وولاءاتها في المنطقة عبر تنظيم "بوكو حرام" في نيجيريا، وخلايا جهادية نائمة تنتشر في تونس وليبيا والمغرب وموريتانيا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك