خالد المعيني

الاسم: خالد حمزة المعيني- المولد: 1960 بغداد - الحالة الاجتماعية: متزوج- التحصيل العلمي: دكتوراه فلسفة في العلوم السياسية - علاقات دولية


في نمط الصراعات الشاملة، عادة ما تتداخل مستويات عدة في آن واحد، وفي الشأن العراقي الذي  يعد أحد أهم نماذج هذا النمط من الصراعات لا يمكن لأي باحث لشدة التعقيد تلمس وتحليل الحقائق، ما لم يجر الإمعان في النظر إليها وتصنيفها عبر ثلاث زوايا، محلية وإقليمية ودولية.

وهكذا نرى في فن إدارة الصراعات الطويلة والشاملة، أن نتائجها قد تبدو للوهلة الأولى حسمت لصالح الطرف الأقوى، إلا أن قراءة عميقة لتجارب الشعوب تخبرنا أن الطرف الأضعف في الصراع إذا ما تمسك بقضيته وآمن بها أولا واعتمد ثانيا على مبدأ المطاولة والنفس الطويل، فإنه كثيرا ما تطرأ ظروف ومتغيرات طارئة على طبيعة الصراع، ترجح كفة الطرف الأضعف وتحسن من شروطه في الصراع.

وقد تشكل بعض هذه المتغيرات الجديدة التي تطرأ على المستوى الإقليمي أو الدولي رغم مخاطرها رافعةً لهذا الطرف الأضعف على المستوى المحلي بشرط استعداده المبكر للاستفادة من هذه المتغيرات.

لماذا سيكون العراق خط الجبهة الأول؟
وبقدر تعلق الأمر بالقضية العراقية وفي الذكرى العاشرة للاحتلال الأميركي، فإنها بحاجة لإعادة قراءة جديدة لمعطيات الساحة العراقية، وإعادة تعريف المخاطر والتهديدات التي تحيق بوحدة العراق ومستقبله في ظل انسحابات "عسكرية" أميركية واضحة، وتأثير كل ذلك على معادلة موازين القوة داخل العراق ومحيطه، إضافة إلى تقييم طبيعة الاصطفافات المحلية والإقليمية والدولية الجديدة والمتسارعة على ضوء تشكيل خطوط جديدة لإدارة الصراع في منطقة الشرق الأوسط والتي من المتوقع أن يكون العراق فيها خط الجبهة الأول والضحية الأولى ما بين المعسكريْن المتنافسين اللذين تتصدرهما تركيا ومن خلفها أميركا والغرب، وإيران ومن خلفها روسيا والصين، لا سيما وأن هذه اللعبة التي يلعبها حاليا الكبار لا يوجد فيها موقع للصغار إلا بحدود أدوارهم المرسومة كلاعبين ثانويين.

وفي ظل حمى تغيير الأنظمة سواء كان ذلك بناءً على استحقاقات داخلية نتيجة فشل كثير من الأنظمة والأحزاب الشمولية وعجزها لعقود طويلة عن الإيفاء بالتزاماتها، أو تغيير الأنظمة نتيجة استهدافات خارجية بناء على أطماع إقليمية ودولية، فإنه من الواضح في ظل هذه الموجة من التغييرات أن كثيرا من هذه المجتمعات في الوقت الحالي ستحافظ على وحدتها الوطنية نتيجة مقومات ذاتية وموضوعية كونها تضم نسيجا ذا أغلبية قومية أو دينية، الأمر الذي سيعزز من صمودها لفترة أطول، وهذا بطبيعة الحال لا يعني أنها ليست على قائمة التقطيع والتفتيت.

ربما يكون العراق كبش الفداء الأول الذي سيتم التضحية به من خلال تقسيمه لتدشين بداية مرحلة جديدة من إدارة الصراع في الشرق الأوسط ونشوب الحرب الباردة الجديدة وفق الأسس المذهبية والطائفية والإثنية

لكن الحال في العراق يبدو مختلفا حيث يبدو أنه سيكون كبش الفداء الأول الذي سيتم التضحية به من خلال تقسيمه لتدشين بداية مرحلة جديدة من إدارة الصراع في الشرق الأوسط ونشوب الحرب الباردة الجديدة وفق الأسس المذهبية والطائفية والإثنية، وهناك أسباب موضوعية عدة تدفعنا إلى هذا الاعتقاد وضرورة الاستشعار المبكر والتنبيه إلى خطورته لكي يتم التعامل معه وإجهاضه كتهديد في وقت مبكر وقبل أن يفوت الأوان:

1 – يمتلك العراق من الناحية "الجيوسياسية" حدودا مع إيران بما يقارب 1350 كلم، وهو خط جبهة نموذجي يصلح للفصل بين المحور الطائفي الذي تقوده إيران والمحور الثاني الذي تقوده تركيا.

2 – بخلاف بقية دول المنطقة فإن العراق من الناحية الديمغرافية يمكن تقسيم سكانه مناصفة بين محاور الصراع الجديدة القائمة على أساس طائفي حيث ينسجم هذا التقسيم مع التقسيم الجغرافي المذكور أعلاه.

3 – يخضع العراق ومنذ تسع سنوات لعمليات تسخين وفرز واستقطاب طائفي وعنصري مبرمجة وممنهجة تم ترسيخها وتكريسها في كافة مفاصل الحكم ومناهج الدراسة وطبيعة تشكيل القوات الحكومية وطبيعة مفردات النزاعات على الحدود الإدارية بين المحافظات العراقية وكذلك تمويل وتدريب ومساندة مليشيات طائفية ومتطرفة تستعد لمرحلة ما بعد الانسحاب.

4 – لا توجد في الأفق ممانعة لدى جميع الأطراف اللاعبة على الساحة العراقية (محليا وإقليميا ودوليا) متمثلة بالولايات المتحدة الأميركية التي سبق أن صادق كونغرسها عام 2007 على مشروع بايدن لتقسيم العراق، وهذا الأمر يسري على الأطراف الإقليمية اللاعبة في الساحة العراقية، المتمثلة بإيران وتركيا وإسرائيل، كذلك لا توجد ممانعة من الأطراف المحلية المهيمنة على المشهد السياسي العراقي حيث إن أحزاب الإسلام السياسي لا تجد غضاضة في ذلك في ظل خلفيات عقائدها الفكرية أو من خلال ما كرسته في الدستور النافذ بعد الاحتلال القائم على فلسفة المحاصّة.

كما أن التقسيم يعد مطلبا إستراتيجيا لدى الأحزاب الانفصالية في شمال العراق، وتعمل عليه بالتنسيق مع إسرائيل منذ عقود طويلة، ويقف وراء تأخير إعلان هذا الانفصال محاولة هذه الأحزاب استكمال قاعدة الانفصال الاقتصادية من خلال ضم كركوك الغنية بالنفط وضم ما تسمى المناطق المتنازع عليها التي سيحادّ الإقليم المنفصل من خلالها أطراف مدينة العمارة جنوب بغداد والاتصال شمالا من خلال الاستيلاء على أقضية الموصل مع أكراد سوريا في سياق إقامة دولة كردستان الكبرى على حساب وأنقاض الدول العربية المقسمة أصلا.

عناصر أزمة الحركة الوطنية العراقية
تكمن عناصر أزمة الحركة الوطنية العراقية الراهنة في طبيعة عناصر هذه الحركة التي شكلت المقاومة العسكرية والمسلحة فيها الرافعة الأساسية للمشروع السياسي وليس العكس كما جرت العادة في معظم تجارب الشعوب، الأمر الذي جعل من هذه المقاومة تطير بجناح واحد وأفقدها أهم  عنصر في المطاولة والتكيف مع تبدلات طبيعة الصراع.

ففي الوقت الذي أنجزت فيه المقاومة المسلحة انتصارا عسكريا باهرا على القوات الأميركية وأجبرتها على جدولة انسحابها ثم انسحابها فعليا من العراق، فإن هذه المقاومة ومن خلفها بقية أطراف الحركة الوطنية تبدو بعد هذا الإنجاز كأنها حائرة لأنها لم تستعد على المستوى السياسي والإستراتيجي لمثل هذه اللحظة التاريخية، فهي تفتقر إلى أهم مفتاحين للمطاولة والنصر وهما وحدة القيادة ووحدة البرنامج السياسي، ويمكن وصف حركتها في المرحلة الحالية بأنها رجراجة وبحالة من السيولة تميل إلى التفرج والمراوحة في نفس المكان وأقرب إلى الخدر والشلل منها إلى استلام واستعادة زمام المبادأة في ظل المتغيرات السريعة والدرامية التي تشهدها المنطقة.

عانت الحركة الوطنية العراقية من عدة أمراض عوقتها وشوهت ملامحها وحالت دون تبلورها ولا تزال تؤخر من تفاعلها لإنتاج الصيغة المنشودة للعمل المؤسساتي الوطني المشترك

لقد عانت الحركة الوطنية العراقية من عدة أمراض عوقتها وشوهت ملامحها وحالت دون تبلورها ولا تزال تؤخر من تفاعلها لإنتاج الصيغة المنشودة للعمل المؤسساتي الوطني المشترك الذي يعمل في ظل إستراتيجية شاملة واضحة الملامح، وتتراوح أعراض هذه الأمراض بنسب متفاوتة وعلى نحو جماعي أو فردي في أوساط الحركة الوطنية على النحو الآتي:

أولا، موجة التآكل والتساقط في براثن وأفخاخ السلطة والاحتلال مقابل أثمان بخسة وبصورة مفاجئة.

ثانيا، أزمة القيادة والسيطرة وفقدان الساحة لقادة إستراتيجيين ورموز جامعة تقبل القسمة على جميع الأطراف.

ثالثا، سياسة التوهيم والتضخيم وروح الإقصاء والتهميش، وادعاء كثير من أطراف الحركة الوطنية أنها تمثل العمل المقاوم بمفردها.

رابعا، انعدام الروح الديمقراطية وروح المراجعة والنقد في الكثير من مفاصل الحركة الوطنية، وشيوع ثبات حالة "القائد" لمدة تجاوزت عقدا من السنين في معظم التنظيمات والتشكيلات التي لم تسمح لغاية الآن ببروز قادة جدد رغم أنها في ضفة المعارضة فكيف ستسمح بذلك عندما ستكون في سدة السلطة والحكم؟

خامسا، عدم وجود مؤشر أو بصيص أمل على وجود نوايا لدى أطراف الحركة الوطنية أو رموزها أو قياداتها لاستغلال مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي وفراغ الساحة السياسية وخطورة وحراجة مستقبل ووحدة العراق للقيام بتجميع شتات وأطراف هذه الحركة وتحقيق الحد الأدنى من وحدة الصف أو العمل الجبهوي.

الخيارات وصياغة الأسئلة الكبرى
على ضوء المتغيرات الطارئة وفي مقدمتها تفجر الحراك الشعبي الذي يقوده الشباب في العراق، وعودة الوعي الوطني لكثير من شرائح المجتمع، ومغادرة الثقل الأكبر من القوات العسكرية الرئيسية للاحتلال، لا بد أولا من إعادة تعريف الحركة الوطنية العراقية وتعيين حدودها، وثانيا المباشرة بصياغة الأسئلة الكبرى.

فالخطاب السياسي الذي كان يصلح قبل خمس سنوات لم يعد يصلح في ظل المتغيرات الكثيرة والعميقة والمتراكمة التي طرأت على الساحة الداخلية والخارجية، فالمراقب حاليا يقف أمام صورة مشوشة ومفككة للحركة الوطنية العراقية قوامها مكونات وفعاليات ذات نشاطات وطنية متناثرة تفتقر إلى الحد الأدنى من الانتظام أو التنسيق.

يمكن تعريف الحركة الوطنية العراقية في ظل الانسحاب "العسكري" الأميركي بأنها حاصل جمع الفعاليات والنشاطات المادية والمعنوية التي قامت وتقوم بها أطراف عراقية سواء كانت هذه الأطراف أشخاصا أو مجموعات، والتي تتخذ موقفا واضحا وثابتا في مقاومة ومناهضة الاحتلال الأميركي ومشروعه العسكري والسياسي في العراق، وتتمثل أهداف هذه الحركة بانتزاع استقلال العراق وسيادته من براثن الاحتلال والنفوذ الأجنبي، والنضال من أجل تصفية آثاره السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وكذلك الحفاظ على وحدته أرضا وشعبا، ورفض كافة أشكال تقسيمه على أسس طائفية وعنصرية.

على الفصائل والقوى والركائز التقليدية التي تصدت للاحتلال في المرحلة الأولى وبصفحته العسكرية أن تعيد حساباتها وتكيّف برامجها وفق متطلبات وقياسات المرحلة الجديدة التي تغلب عليها الطبيعة السياسية

مما تقدم وعلى ضوء تحول طبيعة وأطراف الصراع وتراكم المتغيرات التي طالت الوقائع على الأرض وعكست بدورها تحولا في حدود ومفاهيم العمل الوطني وأهدافه ووسائله، فإن أمام الفصائل والقوى والركائز التقليدية التي تصدت للاحتلال في المرحلة الأولى وبصفحته العسكرية أن تعيد حساباتها وتكيّف برامجها وفق متطلبات وقياسات المرحلة الجديدة التي تغلب عليها الطبيعة السياسية.

ولعل خط الشروع الأول لولوج هذه الحقبة يأتي من خلال صياغة الأسئلة الكبرى التي تواجه العمل الوطني ووضع حلول عقلانية وواقعية لهذه الأسئلة التي تشكل تناقضات رئيسية قائمة في عقل المواطن العراقي الحائر والتائه في ظل الاستقطابات الحادة التي تعصف بسلامة تفكيره.

ولعل أهم هذه الأسئلة على الإطلاق: إذا كانت طبيعة الصراع قد أصبحت سياسية بعد رحيل القوات العسكرية الأميركية، فما هي الطرق والوسائل العملية التي سيتم اللجوء إليها لتحقيق أهداف الحركة الوطنية؟ وكم سيطول صبر وانتظار العراقيين لأطراف الحركة الوطنية لإنتاج المكافئ والبديل السياسي الوطني بعيدا عن مشاريع الحمل الكاذب والوهمية؟ وكذلك متى ستقوم هذه الأطراف بتوحيد خطابها السياسي والقيام بخطوات عملية ومعلنة للانتظام في إطار عمل وطني موحد بعيد عن التشرذم والعزف المنفرد؟ 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك