عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوريا ويهتم بقضايا الفكر والثقافة، ويكتب بشكل دوري في بعض الدوريات العربية.

حالة الاستثناء
حكاية البعث
رايات العروبة
نهاية الحكاية

ما كان يمكن لأحد أن يتصور من قبل أن يضطر النظام السوري إلى إلغاء المادة الثامنة في الدستور الذي وضعه عام 1973، لولا الثورة السورية التي بدأت منذ الخامس عشر من مارس/آذار 2011، وبالتالي بات حزب البعث العربي الاشتراكي، خارج الدستور في النسخة الجديدة منه، من دون أن يعني ذلك -على الأقل عملياً- إزاحته عن السلطة، بوصفه أحد أركانها منذ تسعة وأربعين عاماً. 

حالة الاستثناء
وقبل بداية الحراك الاحتجاجي للثورة، وعلى امتداد عقود عديدة، ما كان من المسموح به الحديث علناً عن تغيير أي مادة في الدستور السوري، لأن السلطة الحاكمة كانت تعتبره حديثاً محرماً، ويدخل في عداد خطوطها الحمر، مع أن المشكلة في سوريا لا تختصر في مشكلة دستورية على أهميتها، بل في إشكالية نظام سياسي بأكمله، نهض على حالة من الاستثناء، وعلى نهج تسلطي، يستند إلى القمع والهيمنة، وعلى مركبات عديدة أخرى.

وفي ظل سيادة حالة الاستثناء -التي ضربت حياة قطاعات واسعة من السوريين منذ وصول حزب البعث إلى السلطة- ابتعدت الدولة السورية عن صورتها المدنية، ولم يعرف السوريون فيها سوى سطوة قوانين الطوارئ والمحاكم العرفية، وتعطيل العمل بالدستور، والقفز فوق القانون من طرف الأجهزة والمتنفذين والمسؤولين وأولادهم، مع سعي قوى السلطة الدائم إلى الهيمنة على الفضاء العام للمجتمع وحراكه، فانتفى الرأي العام، وغابت أصوات قوى المجتمع الحيّة، مع اختفاء المؤسسات والمنظمات التي يمكنها الدفاع عن الصالح العام، وانتفاء مختلف أشكال الجسور والتوسطات ما بين الدولة والمجتمع. 

الثورة أطلقت حراكاً سلمياً قوياً يصعب احتواؤه والسيطرة عليه، ولن يتوقف عند حدود تعديلات دستورية، وضعتها لجنة اختارها النظام

وحين بدأ الحراك الاحتجاجي السلمي في الخامس عشر من شهر  مارس/آذار 2011، لجأ النظام الحاكم منذ البداية إلى الحلّ العنفي، الأمني والعسكري، لمواجهته، لكن استمرار الحراك الثوري، واتساع دوائره، أفضيا إلى إقراره بوجود أزمة وطنية، فاضطر إلى تقديم جملة من الخطوات، التي تضمنت إصدار بعض القرارات والمراسيم، لعل أبرزها إلغاء حالة الطوارئ والمحاكم العرفية والاستثنائية، وإقرار حق التظاهر السلمي، لكنها بقيت جميعاً مجردّ حبر على ورق، دون أن تأخذ طريقها إلى التطبيق الفعلي. 

ويبدو أن النظام في سوريا أراد من تغيير الدستور وتنحية حزب البعث من نص الدستور الجديد، كسب المزيد من الوقت، وإرسال رسالة مزدوجة إلى الداخل والخارج، تشير إلى أنه قادر على التغير والتغيير، وأنه ماض في تعهداته حيال القيام بخطوات إصلاحية، تنقل البلد من نظام تسلطي ينهض على الشمولية واحتكار الحزب الواحد إلى نظام ديمقراطي تعددي، مع إمعانه -في الوقت ذاته- في المضي قدماً بالحسم العسكري والأمني، بغية إنهاء الأزمة وإيقاف مظاهر الحراك الاحتجاجي الشعبي، فيما يستمر -بالمقابل- إصرار جمهور المحتجين على المطالبة برحيل النظام، وتغيير طبيعة وبنية وتركيبة النظام المتقادمة، فضلاً عن مطالبات عربية ودولية بسحب قوى الجيش وقطعاته من المدن والبلدات السورية، ووقف العنف والاعتقال التعسفي، وإطلاق سراح المعتقلين وكافة سجناء الرأي.

ولا شك في أن الثورة أطلقت حراكاً سلمياً قوياً يصعب احتواؤه والسيطرة عليه، حيث خرج جمهور المحتجين في مختف المدن والبلدات، مطالباً بالحرية والكرامة والعدالة، وباستعادة السلطة من جماعات استولت عليها، ولن يتوقف حراكه عند حدود تعديلات دستورية وضعتها لجنة اختارها النظام، بالرغم من أنها أقالت حزب البعث، لكنها ركزت السلطة بين يدي شخص الرئيس.

حكاية البعث
تبدأ حكاية البعث السوري في عام 1932، عندما عاد كل من ميشال عفلق وصلاح البيطار من باريس إلى سوريا بعد انتهاء دراستهما هناك، محملين بأفكار قومية، وظفاها في تأسيس "جماعة الإحياء العربي" التي أصدرت مجلة "الطليعة" في عام 1934، ثم في السابع من أبريل/نيسان عام 1947 تمّ تأسيس "حزب البعث العربي الاشتراكي"، الذي أخذ منذ نشأته مفهوماً للقومية من الأفكار والتجارب القومية الأوروبية، وخصوصاً تلك التي طرحت بصدد مقومات القوميتين الفرنسية والألمانية.

وأعلن وصول حزب البعث إلى السلطة -بانقلاب عسكري في الثامن من مارس/آذار عام 1963- اعتلاء فئات عسكرية ومدنية من الطبقة الوسطى والدنيا الريفية سدة الحكم، وإزاحة الفئات البرجوازية المدينية التقليدية، بعد أن تمكن الحزب من قطف ثمار الحراك السياسي في سوريا، إبان فترة خمسينيات القرن العشرين المنصرم. 

إذاً، وصل حزب البعث إلى حكم سوريا منذ ستينيات القرن العشرين المنصرم على ظهر العسكر. وفي السبعينيات، بنت النخبة العسكرية التي حكمت باسمه نظاماً تسلطياً شمولياً، صادر وقمع جميع أشكال الحراك السياسي والمدني والاجتماعي المخالفة له، أو تلك التي لا تصب في مصلحة خدمة نظامه.

عمل حزب البعث على تدمير القوة السياسية للنخب المدينية الغنية مقابل تنمية نخب ريفية جديدة، كما أسهم في بقاء النظام واستمراره من خلال توسيع قاعدة السلطة اجتماعياً

وعمل الحزب على تدمير القوة السياسية للنخب المدينية الغنية مقابل تنمية نخب ريفية جديدة، كما أسهم في بقاء النظام واستمراره من خلال توسيع قاعدة السلطة اجتماعياً، حيث سعى إلى إدخال جموع كبيرة من الشغيلة والفلاحين في مؤسسات الحزب ومنظماته، لكنه اُستخدم في نفس الوقت كأداة لقتل السياسة في المجتمع، واكتفى قادته بالتمتع بامتيازاتهم السلطوية، فسكنوا أبنية فخمة ومقرات شبيهة بالقلاع، في مراكز المدن والبلدات وحواشيها، بعد أن لجأ النظام إلى تقديم غنائم مادية لمحازبيه وأزلامه، وخصوصاً في مجال خدمات الدولة والعلاوات وتسهيل الرشوة والعمولات، أو على الأقل غض الطرف عنها، فضلاً عن الامتيازات السياسية.

وأنتجت السياسة السلطوية -منذ ثمانينيات القرن العشرين المنصرم- نمطاً من الإذعان نهض على قوة من الضبط والمراقبة الرمزية والمادية، شملت حتى حزب البعث نفسه، فلم يعد حزب البعث فاعلاً أو مؤثراً في قرارات السلطة الحاكمة وتوجهاتها، بل إن القيادة القطرية للحزب فقدت دورها القيادي، ولم تعد تقوم -بدءاً من التسعينيات- بدور الهيئة أو المطبخ السياسي الذي يصنع القرارات، بل مجرد مركز من مراكز السلطة.

رايات العروبة
رفع البعث السوري رايات العروبة والقومية وفق رؤى وتوظيفات "شعبوية"، جعلتها أقرب إلى إيديولوجيا منها إلى هوية ثقافية ومواطنية وعيش مشترك، وبالتقابل والتضاد مع ما كانت تطرحه الأحزاب والحركات الشيوعية ومن لفّ في فلكها من شعارات وإيديولوجيات أممية وبروليتارية فجة. 

ويتحمل حزب البعث بأطروحاته وممارسات السلطة التي حكمت باسمه مسؤولية الإجحاف الذي جرى بحق مختلف تكوينات ومركبات المجتمع السوري، وبحق الوطنية السورية، نظراً لأن هذا الحزب فهم القومية العربية فهماً قسرياً، إلحاقياً، يعتمد اللغة كأساس جوهري لانتماء الجماعة القومية، تحولت وفقه الأمة إلى كائن أنثوي، حددها زكي الأرسوزي في مفهوم "الأمة الرحمانية"، الذي لم يكن الأرسوزي ذاته مدركاً لمعانيه ومركباته، نظراً إلى أن مؤسسي البعث "الأشاوس"، كانوا مشدودين إلى ميتافيزيقا اللغة وكارهين للتاريخ، ولم يدركوا من معاني اللغة ومبانيها سوى ظاهرها، وراحوا يسحبون الرابط الأبوي بشكل خيالي ومصطنع حين يتعلق الأمر بالشخصنة، والرابط الأمومي حين يتعلق الأمر بالجماعة، التي باتت متخيلة في مخيلتهم، وبعيدة عن التربة والواقع. ووصل تأثيرهم إلى شاعر مثل أدونيس، غير البعثي، الذي ما زال يستحضر صورة المرأة الجارية كي يصور عبودية الأمة العربية، بالرغم من أنه يستهجن أي حراك ثوري فيها، وخاصة حراك السوريين.

لم يؤقلم البعثيون مفهوم القومية حسب التربة العربية وتعيناتها السورية، بل لجأ المنظرون منهم إلى التحليق اللغوي الميتافيزيقي، الناكر والكاره للتاريخ، وللعيش المشترك والمصالح المشتركة التي تجمع مختلف حساسيات وفعاليات المجتمع السوري.

وزاوجت أطروحاتهم بين القومية ومتصوّرهم الخاص للاشتراكية، في عملية قسرية واختزالية لا حدود لها، حيث تحوّل كل من يدور في فلك هذا الزواج من شعارات طنانة ونخب ديماغوجية إلى ما يشبه المقدس، المتعالي والميتافيزيقي، يستمد قداسته من قداسة الميتافيزيقا نفسها، استناداً إلى تهويمات اللغة وجملها "الثورية" الفارغة من أي محتوى حقيقي.

ولم تعن العروبة -المطروحة بعثياً- في أحايين كثيرة سوى إيديولوجيا استبعادية؛ وزّع ممثلوها تهم الخيانة والعمالة على كل مختلف معهم في الرأي والتوجه، واستبعدوا كل ما هو غير عربي، سواء أكان كردياً أم آشورياً أم غير ذلك. ثم فعلت المقايسة الميتافيزيقية فعلها الإيديولوجي الإقصائي ليتم استبعاد جميع من هم في حكم "غير العروبيين" من العرب أنفسهم، والمحصلة لمثل هذه الممارسات، كانت عروبة معزولة منغلقة على نفسها، تبرر الاستبداد والقمع، وتقصي جميع المختلفين مع دعاتها بالرأي أو التفكير، فاقتصرت على ثلة من "الشعبويين" المعزولين عن الناس وعن المجال المجتمعي العربي. وبالتالي، ابتعدت العروبة عن وصفها دالة انتماء وحاضنة هوية، بعد أن تحولت إلى إيديولوجيا طاردة للمواطنة والإجماع والتعايش، لذلك بقيت مختلف تكوينات الشعب السوري تنتظر المناخ الديمقراطي الذي يصحح ما جرى من ممارسات، ويوصل إلى حلّ سليم لتشييد وطنية سورية جديدة، تتسع للجميع ضمن فضاء العيش المشترك واحترام الخصوصيات اللغوية والثقافية والدينية.

لا تنتهي حكاية حزب البعث العربي الاشتراكي عند إقالته وتنحيته عن الدستور، بل في القطع مع إرث الحزبية التي انطلق منها الفكر البعثي، ونشأت عنها أفكار التسلط والاستبعاد والتقوقع والانغلاق

نهاية الحكاية
لا تنتهي حكاية حزب البعث العربي الاشتراكي عند إقالته وتنحيته عن الدستور، بل في القطع مع إرث الحزبية التي انطلق منها الفكر البعثي، ونشأت عنها أفكار التسلط والاستبعاد والتقوقع والانغلاق.

غير أن إقالة البعث لن تفضي إلى تغييره، بمعنى سيره باتجاه التحول إلى تنظيم سياسي، قادر على العمل الإيجابي والمشاركة في إعادة بناء الاجتماع السياسي في سوريا. وبالتالي، فإن عودة السياسة إلى المجتمع السوري تفرض تحدياً على قوى شباب الثورة في استعادة زمام المبادرة السياسية، وليس من المرجح أن تستجيب لهذا التحدي الأحزاب السياسية السورية التقليدية التي تقادمت واهترأت بناها وهياكلها. والأهم هو أن تلتقي القوة الحية الجديدة في المجتمع السوري حول مهمة تشكيل حركة أو تيار مدني ديمقراطي، أي خلق كتلة اجتماعية وسياسية واسعة، غير ملزمة بالتواصل الحزبي أو بنمط تنظميه السائد في الانضباط والتوحد في الانتماء والأفكار، ويتمحور هدفها في إنجاز مهام الثورة وتطلعات ناسها، وتعتمد على فعل تواصلي قائم على الحوار والإقناع السياسي والثقافي بين جملة من الأفراد الأحرار.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك