محمد علوش

محمد علوش

إعلامي وكاتب سياسي لبناني

التاريخ.. انتقاء وتضخيم
أبعد من الاختلاف
من المسؤول؟ وما الحلّ؟

يقال: "التاريخ يكتبه المنتصرون دائماً". قاعدة ثابتة لا تخطئها العين في كلّ المصنفات التي أرّخت لحقبات وأحداث اجتماعية وسياسية. في لبنان يكاد الأمر يختلف بعض الشيء، إذ إنه بعد حرب دامية وصلت إلى كل بيت لم يخرج منها منتصر ومهزوم –على الأقل– وفقاً لما تقوله الأحزاب والطوائف التي انخرطت في الحرب التي دامت قرابة عقدين من الزمن، وبما أنه لم يوجد منتصر استطاع أن يحمل خصومه على الاعتراف بهزيمتهم، ولم يوجد مهزوم أقرّ لمنتصر بنصره، بقي الشعب اللبناني حتى كتابة هذه السطور دون كتاب تاريخ موحد يؤرخ للحرب الأهلية وصولاً إلى يومنا هذا.

إعداد "كتاب التاريخ المدرسي الموحّد" في لبنان كان هدفاً للحكومات اللبنانية المتعاقبة في سياق خططها للقضاء على الطائفية وتعزيز الانصهار الوطني بين مكونات المجتمع. وتعود فكرة الكتاب الموحد إلى اتفاق الطائف عام 1989، حين التأمت القيادات اللبنانية برعاية دولية وإقليمية لوضع حدّ للحرب الأهلية التي اشتعلت في أبريل/نيسان عام 1975. ومن يومها تشكلت عدة لجان لتأليف منهج موحد يوثق الأحداث التي نشأت بعد انسحاب قوات الاحتلال الفرنسي من لبنان عام 1946.

ورغم أن جميع اللّجان التي شُكلت لهذا الغرض قد أنجزت الكثير من مهامها فإن الانتقادات لاحقتها جميعا، وحالت دون إخراج كتاب تاريخ موحد حتى يومنا هذا، علماً بأن هدف اللجان كان يتركز على كتابة رواية واحدة تتفق على مضمونها جميع الطوائف اللبنانية التي شاركت بفاعلية في صناعة هذا التاريخ الحافل بأحداث جسام.
اللبنانيون يؤرخون لولادة تاريخهم مع الأمير فخر الدين الذي أقنع الخليفة العثماني بمنحه حكما وراثياً على إمارة الشوف في جبل لبنان عقب معركة مرج دابق عام 1516

التاريخ.. انتقاء وتضخيم
منتصف عام 2010، تمكنت اللجنة التربوية -التي أنشأتها حكومة سعد الحريري، وضمت مؤرخين وأكاديميين وفعاليات سياسية مستقلة وأخرى من تحالفات (8 و14 آذار)- من وضع مسودة كتاب التاريخ المدرسي، وهي تؤرخ للأحداث التي مرّ بها البلد منذ الحرب العالمية الأولى وحتى توقيع اتفاق الدوحة 2008، بما فيها "ثورة الأرز" عام 2005، والعدوان الإسرائيلي في يوليو/تموز 2006، وأحداث 7 مايو/أيار 2008. لكن اللجنة الوزارية التي شكلتها حكومة ميقاتي الحالية أدخلت تعديلات جديدة على مسودة المنهج ألغت الحديث عن "ثورة الأرز" والمراحل التي جاءت بعدها.

وتنقل قناة "LBC" اللبنانية -في تقرير أعدته في الرابع من مارس/آذار الجاري على موقعها الإلكتروني- أن الوزير عن حزب الله محمد فنيش طالب اللجنة التربوية المختصة بإضافة "شخصيات شيعية" إلى منهج التاريخ، كما طالب بإضافة حصة تدريس عن مقاومة "حزب الله"، رافضاً في المقابل ذكر "ثورة الأرز" في المنهج، في حين اعترضت "الكتائب اللبنانية" على "تغييب المقاومة اللبنانية ذات الغالبية المسيحية التي قاومت الوجود الفلسطيني المسلح والجيش السوري في لبنان ووضعها تحت تسمية المليشيات".

وتضيف "LBC" -التي حصلت على مسودة المنهج- أن "كتاب التاريخ لم يذكر حرب السنتين بين الجبهة اللبنانية من جهة والحركة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينية من جهة أخرى"، ولم يذكر "انقسام الجيش وإنشاء جيش لبنان العربي بقيادة أحمد الخطيب، إضافة إلى معارك تل الزعتر وشكا، وحرب المخيمات بين حركة "أمل" والفلسطينيين، ومعارك "حركة أمل" و"حزب الله"، ومعركة الستة أيام بين "أمل" والحزب التقدمي الاشتراكي"، ولم يتم التطرق إلى "حرب الإلغاء بين الجيش بإمرة العماد ميشال عون والقوات اللبنانية، إضافة إلى نفي العماد ميشال عون والرئيس أمين الجميل واعتقال سمير جعجع".

صحيح أن تاريخ لبنان توقف عند الجلاء الفرنسي عام 1946، وأنه منذ ذلك الحين لم تجرأ حكومة لبنانية على إعداد كتاب تاريخ موحد للتعليم، لكن الصحيح أيضا أن التاريخ الذي كتب قبله لم يكن تاريخاً متفقاً عليه أيضا..، ومقولة "التاريخ يكتبه المنتصر" تنطبق بوضوح تام على تاريخ جبل لبنان منذ تولي الأمير فخر الدين الثاني السلطة عام 1590 إلى يوم ولادة لبنان الكبير على يد الجنرال الفرنسي غورو عام 1920.

فاللبنانيون يؤرخون لولادة تاريخهم مع الأمير فخر الدين الذي أقنع الخليفة العثماني بمنحه حكما وراثياً على إمارة الشوف في جبل لبنان عقب معركة مرج دابق عام 1516. ويعتبر "منهج التاريخ المدرسي" الأمير فخر الدين قائداً عظيماً، دون أن يلحظ كونه أحد أكبر الإقطاعيين في تلك الحقبة، ويهلل المنهج لسفره إلى ولاية توسكانة في إيطاليا باعتباره كان يريد تحديث دولته الوليدة، دون أن يشير إلى غايات أخرى من وراء سفره وهي الاستعانة بالغرب المسيحي لمحاربة الخلافة العثمانية.

أبعد من الاختلاف
بين مؤيد لما جاء في مسودة الكتاب ومتحفظ، فإن الموضوع برمته يتعدى قراءة الأطراف للأحداث التي مرّ بها لبنان إلى ما هو أبعد من ذلك. في تقديري، هو يمسّ جوهر المواطنة عند اللبنانيين، فلبنان يعتبر الدولة الوحيدة بين قريناتها العربيات التي لم تنضج فيه روح الوطنية، رغم كل الادعاءات التي توزعها الجهات المسؤولة. فقد فشلت الحكومات المتعاقبة على زرع الثقة في نفوس مواطنيها على مدار عقود.

الخطورة التي يقترفها الساسة اللبنانيون هي ترك الهوة تتسع بين الناشئة وتاريخهم المعاصر بما يصل إلى حدّ القطيعة، وهو ما يدفع بيئات متعددة لأن تملأ هذا الفراغ من خلال سرد الرواية التي تزيد التباين

المشكلة الحقيقية لا تكمن في قراءات مختلفة أو متباينة للتاريخ والأحداث التي وقعت، وما إذا كان الذي يقف خلفها مليشيا طائفية أو فصيلا مقاوما حاول حماية لبنان وكيانه من الاندثار، بل تكمن في مفهوم المواطنة التي لم يرتق إليها الفرد، ولم يهضم حقوقها، فهو عاجز عن فهمها خارج إطار المرجعية المذهبية له، وتكريسه لقيادات من إفراز الحرب الأهلية ومشعليها عزز هذا المفهوم، حتى بات اللبناني أسير منظومة متكاملة ثقافيا وسياسيا واجتماعيا هي من نتاج طائفته السياسية التي -على ما يبدو- لم تحسم قرارها في قبول تقاسم لبنان مع سائر الطوائف باعتباره بلداً نهائياً لجميع أبنائه.

نحن اليوم لسنا أمام إشكالية كتابة التاريخ، ولا طريقة تحليل الأحداث أو سردها، بل نحن أمام معضلة يرفض الاعتراف بها الجميع، وهي أننا ما زلنا نتعامل بمنطق الغالب والمغلوب..، توقفت الحرب اللبنانية عسكريا إلا أنها بقيت في مجالات أخرى. وما انتصار حزب الله وسيطرته على الدولة إلاّ محاولة لانتزاع شرعية له ولسلاحه من بقية الطوائف التي يرى بعض أطرافها فيه تهديدا عسكرياً له. والحال عينه سيتكرر فيما لو قدر للمسيحية السياسية أن تتصدر المشهد من جديد، وهو أمر ينطبق على جميع الطوائف اللبنانية دون استثناء.

والخطورة التي يقترفها الساسة اللبنانيون هي ترك الهوة تتسع بين الناشئة وتاريخهم المعاصر بما يصل إلى حدّ القطيعة، وهو ما يدفع البيئة الاجتماعية وما يطبعها من هوية ثقافية ودينية إلى أن تملأ هذا الفراغ من خلال سرد الرواية التي تزيد التباين بين الشرائح المجتمعية حول الأحداث التي وقعت ولا تزال تقع حتى يومنا هذا. إذ تركز كل طائفة على مظالم الطائفة دون غيرها.

من المسؤول؟ وما الحلّ؟
المسؤول هو اللبناني سواء كان مسؤولاً سياسيا أو دينياً أو حتى ربّ عائلة، لأن الجميع يتغذى على الانقسامات والتناقضات، ويرفض الاعتراف بالآخر وحضوره ووجهة نظره المخالفة. الجميع يتأبط مفاهيم وأيديولوجيات محكمة تستنفره عند كل تهديد.

للانتقال من صراع الإقطاعيات الطائفية إلى حضن الدولة الجامعة، لابد من التخلي عن قانون المغالبة لدى القيادات الروحية والسياسية للطوائف، والإيمان بحق كلّ طائفة في التعبير عن نفسها ومكتسباتها التاريخية ضمن إطار التجربة اللبنانية الجامعة
"

أما الحلّ فيحتاج إلى عقد اجتماعي جديد بين اللبنانيين، وإن شئت قل بين الطوائف اللبنانية، انطلاقاً من مسلمة بات يقينية بسبب التجربة التاريخية، مفادها أن لا طائفة قادرة على حكم لبنان بمفردها مهما بلغ طولها وتجذر عمقها، فلا المارونية السياسية استطاعت أن تسلخ لبنان عن هويته العربية وعمقه المشرقي الإسلامي, ولا السنية السياسية استطاعت أن تجعل من لبنان دولة مدنية بمرجعية إسلامية على غرار بقية النظم العربية، ولا الشيعية السياسية حالياً بقيادة حزب الله قادرة على حمل لبنان على التماهي تماماً مع فلسفة ولاية الفقيه الإيرانية.

المسلمة الأخرى المفترض وجودها، هي أنّ لبنان لا يوجد فيه غالب ومغلوب، وإذا وجد ذلك في المغالبة العسكرية -كما حصل خلال الحرب الأهلية، أو في السابع من مايو/أيار 2008 حين حسم حزب الله الصراع عسكرياً باجتياح بيروت- فإن من الصعوبة بمكان الحسم الثقافي والاجتماعي، لأنه جزء من الموروث الطائفي، وهو حاضر في أعماق الهوية للطوائف وقياداتها.

المطلوب اليوم للانتقال من صراع الإقطاعيات الطائفية إلى حضن الدولة الجامعة هو التخلي عن قانون المغالبة لدى القيادات الروحية والسياسية للطوائف، والإيمان بحق كلّ طائفة في التعبير عن نفسها ومكتسباتها التاريخية، ضمن إطار التجربة اللبنانية الجامعة التي تغني الموروث الثقافي للمواطن اللبناني على (أساس) أن بلده بلد التنوع والاختلاف.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك