عبدالعزيز الحيص

عبدالعزيز الحيص

 

لم يعد حل الثورة السورية اليوم محكوما بأيدي المتظاهرين والمعتصمين في المدن والأرياف السورية، رغم أنهم آباء الثورة وسادتها، بقدر ما أصبح حلاً مرتبطاً بالخارج العربي أو الدولي. فالنظام السوري في مشهد قصفه الأخير وقمعه المتصاعد قام بإزالة كل الحلول، واستبعد أي منطق سوى منطق القوة الذي يمارسه.

وكانت المواقف الدولية هي ما دفع نظام الأسد إلى مضاعفة شراسة هجماته العسكرية مؤخرا، لكن الصورة توحي الآن بأن تلك الخطوات الدولية قد تم استنفادها وما هو قادم من خطوات ستكون لها طبيعة تصعيدية ومغايرة. وفي الطريق إلى الخطوات القادمة، لابد من ملاحظة تمايز مسارين مهمين في المواقف الدولية المناهضة للأسد. فسياسة أميركا وتصريحاتها تدل حتى الآن على أنها هادفة إلى "إنهاء العنف"..، بينما توجه الشعب السوري ودولنا في المنطقة يهدف اليوم إلى "إسقاط النظام"..، ولم يعد من الممكن لها أن تتمسك بغيره من هدف.

سياسة أميركا وتصريحاتها تدل حتى الآن على أنها هادفة إلى "إنهاء العنف", بينما توجه الشعب السوري ودول المنطقة يهدف اليوم إلى "إسقاط النظام", ولم يعد من الممكن لها أن تتمسك بغيره من هدف

لقد تصاعدت حدّة اللهجة الخليجية تجاه النظام السوري بمرور الوقت، وهو تصعيد أتى في محله. ففي بدايات الثورة السورية، يذكر الجميع اللهجة القوية من قبل تركيا وأميركا تجاه النظام السوري، وتأكيدهم حق الحرية والديمقراطية للشعب السوري، وقد شدّدت تركيا أنها لن تسمح بتكرار "حماة" أخرى. لكن بمرور الوقت تضاءلت حدّة هذا الصوت من قبل تركيا والغرب، ووصل الأمر بالإدارة الأميركية إلى التصريح العلني بصعوبة التدخل في سوريا، وهو الأمر الذي زاد من شراسة النظام السوري مؤخرا، بالإضافة إلى دعم الفيتو الروسي والصيني لموقفه.

بينما الموقف الخليجي الداعي إلى ضرورة التدخل وتسليح المعارضة السورية، عبّرت عنه بوضوح التصريحات السعودية والقطرية، وهو تصعيد لم يأتِ مواكباً لنغمة الديمقراطية التي سادت بداية الثورة، بل أتى متواكباً مع نغمة المذابح التي سادت في المشهد السوري. فلقد كان الموقف بالغ الشدّة على الشعوب العربية والمسلمة القريبة وهي تشاهد تنامي المذابح من قبل النظام الأسدي. والثورة السورية ثورة فريدة حافظت على سلميتها طوال عام كامل، رغم كل القتل، حتى اضطرتها الأوضاع اليوم إلى إعادة صياغة حتمية لطبيعتها.

والموقف التصعيدي لدول الخليج، الذي تقدّم على الموقف الغربي، واجه انتقادا حتى من دوائر رأي غربية، فكتب بعضها يصفه بأنه موقف متناقض أن يتم دعم الديمقراطية من بلدان غير ديمقراطية!. ولكن الديمقراطية لم تكن العامل المحرك هنا، بقدر ما هي المذابح البشرية التي استمر النظام في ارتكابها، فهي المرتبطة بشكل زمني واضح بهذا التصعيد.

وهناك من رأى أن سبب التصعيد الخليجي هو التطلع لهزيمة الدور الإيراني في المنطقة، وهذا سبب يهم دول المنطقة بالفعل، لكنه ليس السبب خلف اتخاذ خطوة خطيرة كتسليح المعارضة أو دعم تدخل عسكري. فلو كانت هذه الدول ترحب باضطراب إقليمي تواجه به إيران، لقامت بتسليح السنّة في العراق قبل سنوات حين كانت الحرب الأهلية هناك قاب قوسين أو أدنى!

ومن الممكن ملاحظة تمايز المطالبات الدولية الذي أخذ يتضح بمرور الوقت. فالتصريحات الأميركية المتتابعة وموقف الإدارة الأميركية حالياً، بحسب آخر مشروع أميركي قدّم إلى مجلس الأمن في السادس من مارس/آذار تتركز حول "إنهاء العنف، وفتح ممرات للمساعدات الإنسانية"، وتشديد أوباما على الحل الدبلوماسي يبقى هو الموقف الأوضح لأميركا، بينما لا تزال تصريحات وزير الدفاع بانيتا عن الخيارات المفتوحة، وأصوات بعض الجمهوريين التي تطالب بضربة عسكرية، تمثّل الحل الكامن الذي قد تستدعيه واشنطن أو لا تستدعيه.

وهكذا، تُبقي الولايات المتحدة الأميركية موقفها المتحفظ دون دعم فعلي لمسألة إسقاط الأسد. فسوريا التي لا توجد فيها مصالح حيوية لأميركا لن تمثل مشكلة حقيقية لها في حال بقي هذا النظام، بجسم سياسي مضطرب ومنعزل عن منطقته العربية، بل ومعادٍ لها، فأميركا قد صنعت حالة مشابهة في العراق الحالي.

وفي المقابل، أوضحت دول الخليج مطلبها المتناسق مع طلب المتظاهر السوري وهو "إسقاط النظام". فلا يمكن لها أن تتعايش مع أي احتمالية لبقائه. وكذلك المعارض السوري في الداخل لن يستطيع احتمال دورات أخرى مع نظام تمارس أجهزته القتل، ويعلن رئيسه علانية عدم قدرته على ضبط هذه الأجهزة!. بمعنى أنه حتى أولئك الذين يفترضون فيه حسن النية يجب أن يباركوا رحيله مع غيرهم، فهو رئيس عاجز في أحسن أحواله. إن أي فرصة لبقاء هذا النظام ستحمل ارتدادا سياسيا بالغ السوء على دول المنطقة التي وقفت ضده، ولذا فقدرها في هذه الثورة هو قَدر الثائر السوري الذي لا يمكن له أن يقف أبداً في منتصف الطريق.

وموقف التعليق والانتظار والتأخر الدولي في دعم إسقاط الأسد لم يكن موقفا داعماً أو محايداً في الحالة السورية، بل مثّل دعما للأسد على أرض الواقع!. فالأنشطة والتصريحات المتتابعة من الخارج التي تستمر وتؤكد -لفظياً فقط- عدم شرعية الأسد، وأن سقوطه مسألة وقت، بجانب القول بعدم القدرة على التدخل، كلها دفعت الأسد لمضاعفة إجرامه باعتبار عدم وجود ما يخسره سياسيا. فهذه كلها تصريحات لم تجد ما يواكبها من فعل على أرض الواقع، ولذا كان ضررها أكبر من نفعها. وبهذا يتضاعف الالتزام الأخلاقي للأطراف الخارجية اليوم، بسبب أن مواقفها أثّرت سلباً على الداخل السوري وأضعفته، تبعا لما يحكيه واقع التطورات الأخيرة.

ففي الداخل السوري، شتّتت موجة العنف والقصف الأخيرة من قبل نظام الأسد مواقع لتكتلات المعارضة في الداخل السوري، ومع أن هذه الهجمات ضاعفت من الغضب تجاه هذا النظام، إلا أن القوى التي يعوّل عليها في الداخل السوري تتزعزع مع هذا التصعيد. فالنظام السوري جهد منذ البداية لصنع حكاية صراعه مع أطراف مسلّحة، وهو الآن حصل على المشهد الذي يريده، وسيظل ينتقل بالقصف من مكان إلى آخر في مشاهد دموية مريعة، ولن يتوقف عن قتل النساء والعزل والأطفال في سبيل إثبات هذه الحكاية.

والقوى التي كانت الثورة تنتظر مساندتها في المدن من فئات عسكرية وكبار موظفين وتجار، وطرق الحل الداخلي كالإضراب والاعتصامات، كلها عوامل وأمور أخذت تنزوي تحت طغيان المشهد الجديد، وقد يطول انتظار تحركات جوهرية لها بعد تضاعف قوة البطش ودرجة العنف اللامحدودة من قبل النظام.

لن يتحرك المشهد السوري بشكل إيجابي ما لم يشعر هذا النظام بالخوف، ويتعرض للتهديد الجدّي بتدخل عسكري لحقن دماء الشعب السوري، أو تسليح ودعم مادي للمعارضة

ولن يتحرك هذا المشهد بشكل إيجابي ما لم يشعر هذا النظام بالخوف، ويتعرض للتهديد الجدّي بتدخل عسكري لحقن دماء الشعب السوري، أو تسليح ودعم مادي ومعلوماتي وتقني متواصل لمعارضة وجيش مسلّح يتم العمل على ربطهما معا. فلابد من حشد الجهود للوقوف خلف المجلس الوطني السوري، الذي بدأت أطراف دولية في الاعتراف به كممثل للسوريين، من أجل أن تخطو وتسير هذه المعارضة كقوة سياسية، وذلك كي لا تغطّي مسائل الاستشراف المستقبلي على رؤية هذا الحاضر الاستثنائي والمرير.

لقد انتهى الأسد سياسيا، ولذلك أي خطوة جريئة في هذا الموضوع ستكون لها نتائج إيجابية في تحريك الوضع السيئ بالأساس. إن سر بقاء الأسد يكمن في آلة عسكرية جبارة، وتخويفه المتواصل للطوائف وفئات من الشعب بأن الخيار من بعده سيكون صعبا عليهم. فالطائفة المسيحية على سبيل المثال -التي تمثل ما يقارب العشرة بالمائة من الشعب- تتوجس من مصير مماثل لمصير المسيحيين في العراق بعد سقوط صدام حسين.

والارتداد الذي كسبه نظام الأسد مؤخرا عبر حملات القصف والترهيب الدموية، لابد من أن يقابله موقف جريء يقلب الصورة على هذا النظام. ودول المنطقة بالذات تحتاج خطوات شجاعة تواكب شجاعة الداخل السوري. فالآفاق اليوم أصبحت مسدودة لمن في الداخل ولأطراف الخارج، والخطوة الشجاعة ستفتح الطريق لهذه القوى للمضيّ معها.

إن شرعية موقف التدخل بأي طريقة الذي عبرت عنه مواقف السعودية وقطر يكتسب شرعيته من تماثله مع موقف الثائر السوري في الداخل، الذي ضاقت أمامه كل السبل. فللغرب حساباته، وللأطراف المقابلة كسوريا وإيران والصين حساباتهم، لكن صاحب الفصل في هذه القضية هو المواطن السوري، فهو المسؤول عنها في المقام الأول، ثم أشقاؤه من دول عربية ومسلمة هي أول من استشعر مذابحه وحمل حزنها.

إن خطوة جريئة مثل التسليح المباشر والتدخل العسكري قد يستفيد منها بشار الأسد لحظيّاً، وقد تقدم له دعاية الدفاع عن الوطن، لكنها أيضا وسيلة استمالة وتشجيع للقوى الداخلية، والسبيل الوحيد لفتح النوافذ أمام شعب أعزل يستفرد به النظام اليوم قتلاً وتشريداً، فبقدر ما تستمر حملات النظام العسكرية والقمعية، يتجزأ المجتمع وينقسم اليوم بطريقة أكثر إرعابا من رعب الحلول الأخرى. كما أن الخطوة الجريئة ستمثّل أيضاً ضربة إرعاب لنظام دكتاتوري تتهاوى أركانه من رعب الضربة، قبل وصول الضربة نفسها، فكثير من الدكتاتوريات زالت بنفس السبب.

إنها مسألة وقت، ووقت قصير، قبل أن يلاحظ العالم ومبعوثه الدولي كوفي أنان أن مسألة "إنهاء العنف" لا تنتهي إلا مع انتهاء هذا النظام، فمعركة القوة هي معركة وجود له، بعد عجزه عن تقديم أي منطق بديل. فرأس هذا النظام نفسه قد اعترف بعجزه عن ضبط قوات القتل في بلاده، في صورة تعكس طبيعة هذا النظام. والمشهد الذي تجلّى مؤخراً في سوريا، قدّم مشهدا يصعب على الإنسانية كلها أن تتجاهله، وألغى كل حل ممكن سوى ذلك العسكري.

فبعد اجتياحه مؤخرا لبابا عمرو في حمص، اتجه نظام الأسد هذه الأيام إلى قصف الرستن وحماة وإدلب ومناطق أخرى. فآلة القتل الأسدية تتخير اليوم المناطق لتقصفها واحدة تلو الأخرى. ولم تعد الثورة السورية أمامه كما كانت بعد عام من انطلاقها، فهي اليوم تدخل مراحلها الخطيرة بالنسبة لسوريا والمنطقة، وليس للعالم أن يقف متفرجا على مشهد ليس فيه من خطط تنفذ سوى خطط القتل الأسدية.

ما يهم اليوم هو معرفة أننا أمام لحظة حسّاسة تجاه الثورة السورية، فإذا كان المسار الأول المطالب بوقف العنف وفتح السبل المدنية لم يعد مجدياً، فإن المسار الآخر المطالب بالتسليح والتدخل تنتظره خطوتان هامتان من أجل أن يتحقق على أرض الواقع، وكلتا الخطوتين تضيقان عن إعطاء نظام الأسد أي مساحات مقبلة للبقاء والمناورة السياسية.

تتمثل الخطوة الأولى في حل المؤسسات الدولية، وذلك بالعودة بالملف السوري إلى مجلس الأمن. خصوصا بعد نجاح مفاوضات دول الخليج ومصر في استمالة الموقف الروسي من داعم للنظام السوري إلى أن يكون جزءا من الجهود الدولية الجماعية حيال القضية السورية. فقد خرج اجتماع وزراء الخارجية العرب مع وزير الخارجية الروسي في القاهرة يوم السبت العاشر من مارس/آذار، بالموافقة على بنود خطة مشتركة تجاه الملف السوري، منها وقف العنف ووضع آلية مراقبة دولية محايدة.

ورغم أن هذا الاتفاق هو أقل مما يهدف إليه العرب حاليا، فإنه يمثل خطوة مرحلية مهمة لتخفيف التموضع الروسي المعارض، حتى العودة المقبلة إلى مجلس الأمن لإصدار قرار ضد نظام الأسد، الذي من المتوقع العودة إليه بعد مؤتمر مجموعة أصدقاء سوريا الذي سيعقد في إسطنبول خلال شهر مارس/آذار الحالي.

حسم الوضع في سوريا لن يبقى معتمداً بشكل كبير على انتظار تحركات المجتمع الدولي, ولابد من توفير جميع أنواع الدعم اللازم من الدول المساندة كتركيا ودول الخليج، وإنشاء منطقة عازلة في إدلب، للانطلاق منها

ومن المتوقع لهذه الخطوة أن تكون متبوعة بغيرها من خطوات تصعّد ضد النظام السوري، وهي اليوم خطوة قد بينت أن الموقف الروسي الإستراتيجي في المسألة السورية، بمحدّداته المتنوعة، هو أمر قابل للتفاوض. كما أن الصين لا تعتبر داعمة لموقف نظام الأسد. ويضاف لذلك أن سلوكيات النظام السوري على أرض الواقع هي ما يجعله يرتمي وحيداً يوماً بعد آخر.

ولكن حسم الوضع في سوريا لن يبقى معتمداً بشكل كبير على انتظار تحركات المجتمع الدولي. وهنا يأتي دور الخطوة التالية في سبيل الإطاحة بنظام الأسد، فمن المتوقع أن يعمل مؤتمر أصدقاء سوريا في إسطنبول على دعم وجود مجلس عسكري موحّد يضم أطياف المعارضة المسلحة والسياسية، ويعمل على تنسيق الجهود بين الجيش الحر والمجلس الوطني السوري، وتوفير جميع أنواع الدعم اللازم من الدول المساندة كتركيا ودول الخليج، ونجاح المعارضة المسلّحة عبر مجالات الإمداد والدعم المباشر في إنشاء منطقة عازلة في إدلب، والانطلاق منها لتكوين مناطق استقطاب لانشقاق قوات الأسد أو مقاومتها.

وتُخبر بعض دوائر الرأي الغربية أن أميركا تحاول الآن استخدام أخرى أوراقها، قبل أن تضطر للموافقة على الخيار الخليجي الداعم لإسقاط الأسد عبر تسليح أو تدخل عسكري. لذا ليس من المستبعد أن تترافق الخطوة السابقة مع تدخل دولي وأميركي عبر ضربات عسكرية محددة تستهدف بعض المواقع الهامة في الداخل السوري، وتهدف لخلخلة النظام. وهو أمر قد يُدفع إليه، مع اقتراب موعد مناورة عسكرية كبيرة في الأردن بمشاركة أميركا وغيرها من الدول في مايو/أيار المقبل.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك