حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية

 

طرح مؤتمر لندن بشأن الصومال -الذي عقد في لانكستر هاوس يوم 23 فبراير/شباط الماضي 2012 برعاية مباشرة من رئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون- العديد من الدلالات وعلامات الاستفهام في آن واحد. ولعل العودة بالذاكرة إلى الوراء تساعدنا على فهم التحرك البريطاني اليوم تجاه الصومال.

ففي الفترة من 29 سبتمبر/أيلول وحتى 13 أكتوبر/تشرين الأول 1948 انعقد المؤتمر الأفريقي الجامع في نفس قصر لانكستر هاوس وذلك بهدف إعادة رسم السياسة البريطانية تجاه أفريقيا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. إذ بات واضحاً تراجع مكانة الإمبراطورية البريطانية ولا سيما في امتدادها الآسيوي، في نفس الوقت الذي ازداد فيه الوعي الأفريقي المطالب بالحرية والاستقلال.

يعني ذلك أن بريطانيا على استعداد دائما لمراجعة سياستها الأفريقية وبالتنسيق مع حلفائها الغربيين بهدف استيعاب التطورات الدولية والإقليمية وبما يحافظ على مصالحها الكبرى. وإذا كانت القضايا والأزمات الدولية تسير بخطى متسارعة ابتداء من أزمة منطقة اليورو وعدم استقرار منطقة الربيع العربي والمخاوف المتصاعدة من البرنامج النووي الإيراني فإن منطقة القرن الأفريقي مرشحة لأن تكون محور تحولات فارقة في عام 2012.

فالصومال تسير بموجب خارطة طريق غربية تستوجب أن تكتمل عملية الإصلاح السياسي بحلول آب/أغسطس المقبل حيث يتم وضع دستور دائم جديد وإجراء انتخابات عامة. ولعل هذا ما يبرر الحملة العسكرية المتصاعدة ضد حركة الشباب المجاهدين والقرار الدولي بفرض حل أمني خارجي للمعضلة الصومالية.

المشروع الاستعماري الغربي لتقسيم وتجزئة أرض الصومال الكبير لا يزال على عهده القديم ثابتا لا يتزعزع على الرغم من تحولات السياسات الإقليمية والدولية

بريطانيا والقضاء على حلم الصومال الكبير
 يبدو أن المشروع الاستعماري الغربي لتقسيم وتجزئة أرض الصومال الكبير لا يزال على عهده القديم ثابتا لا يتزعزع على الرغم من تحولات السياسات الإقليمية والدولية. فقد تعرض الوطن الصومالي الذي ظل وعاء للثقافة والحضارة الصومالية على مدى آلاف السنين لعملية اختطاف كبرى على أيدي القوى الأوروبية المتنافسة في النصف الأول من القرن التاسع عشر. إذ إنه عندما بدأت القوات البريطانية في استخدام خليج عدن كمرفأ لأساطيلها البحرية اتجهت أعينها إلى الشواطئ الصومالية ولا سيما المناطق المحيطة بزيلع وبربرة والتي عرفت تقليديا باسم الصومال البريطاني.

ولم تكتف بريطانيا بذلك وإنما راحت تعقد الصفقات والاتفاقات مع القوى الاستعمارية الأخرى وهي بالأساس إيطاليا وفرنسا وذلك بهدف تقسيم مناطق النفوذ والسيطرة في القرن الأفريقي. وقد أفضت هذه الصياغة الجيوإستراتيجية للمنطقة إلى تفتيت متعمد للوطن الصومالي الواحد.

فبينما نجد أن كلاً من الصومال البريطاني والصومال الإيطالي قد قررا -بعد حصولهما على الاستقلال- الاتحاد فيما بينهما ليشكلا جمهورية الصومال عام 1960 فإن الصومال الفرنسي فضل بضغوط فرنسية غير خافية الاستقلال خارج مظلة الهوية الصومالية الواحدة عام 1977 وذلك تحت اسم دولة جيبوتي.

ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد حيث أن بريطانيا كانت قد تفاهمت مع إثيوبيا على ضم إقليم الأوجادين إليها. وفي عام 1963 قررت الحكومة البريطانية منح الإقليم الجنوبي الغربي من الصومال إلى كينيا ليشكل منطقة NFD أو الحدود الشمالية الشرقية والتي تقطنها أغلبية صومالية حتى اليوم.

مؤتمر لندن ومنطق المصالح الغربية
إن تحليل خطاب ديفد كاميرون في افتتاح مؤتمر لندن بشأن الصومال يؤكد على استمرار نفس المنطق الغربي في الدفاع عن مصالحه الحيوية والإستراتيجية في الصومال ومنطقة القرن الأفريقي بشكل عام وذلك بغض النظر عن طموح وآمال الصوماليين في العيش بأمان واستقرار.

يقول كاميرون "لقد تم تمزيق الصومال إرباً على مدى عقدين من الزمان عن طريق المجاعة وسفك الدماء وتفشي الفقر الذي يعد الأسوأ على وجه الأرض. أفضى ذلك إلى وفاة نحو مليون شخص. إن مشاهد المجاعة التي رأيناها جميعاً العام الماضي توجع القلب حقاً. ولا شك أن أوضاع المعاناة والموت التي شهدها الصومال تنوء بحملها أي دولة أو أمة في عالم اليوم".

على أن كاميرون سرعان ما يتخلى عن هذا الوجه الإنساني ليعلن صراحة عن سر الدوافع التي حركت فيه هذه العواطف تجاه ما يجري في الصومال بعد سنوات طويلة وذلك بقوله: "إنه من الطبيعي أن نرغب في مد يد العون لأي دولة تمر بمثل هذه المحن. ومع ذلك فإن هناك سبباً آخر للمجتمع الدولي لكي يساعد الصومال.

فالمشاكل التي يتعرض لها هذا البلد لا تؤثر عليه وحده ولكنها تؤثر علينا جميعاً. ففي بلد يعاني من غياب الأمل لا صوت فيه يعلو فوق صوت العنف والفوضى والإرهاب، فالقراصنة يعطلون طرق التجارة الحيوية ويختطفون السياح الأجانب. إنه يجري تسميم عقول الشباب في بيئة تنضح بالتطرف والإرهاب، وهو ما يهدد أمن العالم بأسره".

مؤتمر لندن طرح ثلاث ملاحظات أساسية: أولها استبعاد الشباب المجاهدين من معادلة تسوية الأزمة الصومالية, والثانية أن التدخل ضرورة حتمية, أما الثالثة فهي استمرار منطق تقسيم الصومال 

وعلى أية حال فإن مؤتمر لندن يطرح ثلاث ملاحظات أساسية: أولها استبعاد الشباب المجاهدين من معادلة تسوية الأزمة الصومالية مع تصعيد لغة الحسم العسكري في مواجهتهم. وقد تزامن ذلك مع موافقة الأمم المتحدة على زيادة أعداد قوات حفظ السلام الأفريقية العاملة في الصومال من 12 ألفًا إلى 17 ألفًا و731 جنديّا وشرطيّا. ولعل ذلك يعيد نفس المنطق الأوروبي القديم الذي يعتمد على فرض المبادرات الخارجية دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح أطراف الصراع الأساسية.

أما الملاحظة الثانية فإنها تشير إلى أهمية الاعتبارات الاقتصادية والإستراتيجية. يقول وزير الخارجية البريطاني وليام هيغ "إن تدخلنا في الصومال ليس مسألة ترفيه، وإنما هو ضرورة حتمية، حيث إن غياب الدولة يمثل قاعدة لتنامي الهجمات الإرهابية". ولا يخفى كذلك أن أعمال القرصنة تهدد حرية الملاحة في خليج عدن الذي تشير التقديرات إلى أن إجمالي التجارة التي تعبر من خلاله من وإلى أوروبا تبلغ نحو تريليون دولار سنوياً".

وتشير الملاحظة الثالثة إلى استمرار منطق تقسيم الصومال فقد حضر مؤتمر لندن ما لا يقل عن أربعة رؤساء صوماليين لأقاليم مستقلة أو شبه مستقلة. ولا شك أن تأسيس صندوق لاستقرار الصومال قد يشجع على مزيد من إقامة الأقاليم الانفصالية، وهو ما يعني مزيدا من بلقنة الجسد الصومالي الواحد. ولا يخفى أن ثمة مطالبات دولية معتبرة تشير إلى ضرورة الاعتراف باستقلال أقاليم مثل أرض الصومال وبلاد بونت لتجاوز أزمة المعضلة الصومالية المعقدة.

تداعيات مؤتمر لندن
لقد انتهى الصومال كما بدأ أول مرة منذ عصر التكالب الاستعماري الأوروبي على أفريقيا في القرن التاسع عشر فأضحى شأناً أوروبياً خالصاً. إذ أضحى الحضور العربي مسألة بروتوكولية شكلية، ربما لإضفاء الشرعية على الفعل الدولي في الصومال. فقد دشن مؤتمر لندن عملية جديدة للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة وبريطانيا لإعادة تقسيم مناطق النفوذ والهيمنة.

لقد أظهرت تسريبات الوثائق الخاصة بالإعداد لمؤتمر لندن وجود اتصالات بريطانية مكثفة مع بعض الدول والأفراد بشأن الأزمة الصومالية. وبات واضحاً أن الغائب الوحيد عن تلك المشاورات هو الشعب الصومالي نفسه الذي تحمل ثمن غياب الدولة المركزية منذ عام 1991.

ويمكن -من خلال تحليل نصوص خارطة الطريق الدولية بشأن المرحلة الانتقالية في الصومال- التوكيد على وجود خيار الفدرالية الهشة في الدستور الجديد. ومع ذلك توجد ثلاث رؤى أساسية تحاول أن تحكم مستقبل الدولة الصومالية، الرؤية الأولى وهي تعبر عن مصالح دول الجوار الأفريقية، وهي بالأساس إثيوبيا وكينيا. فهي ترى أن وجود دولة صومالية قوية يمثل خطرا على مصالحها القومية. إذ يحتمل أن تسعى هذه الدولة الصومالية القوية إلى استعادة أقاليمها المقتطعة في كل من إثيوبيا وكينيا من أجل تحقيق حلم الصومال الكبير. وعليه فإن رؤية دول الجوار الأفريقية تنطوي على ضرورة استمرار حالة الضعف الإستراتيجي للأقاليم الصومالية.

أما الرؤية الثانية فهي تعبر عن مطالب بعض الجماعات الصومالية التي دفع بها اليأس والقنوط إلى الاحتماء بالعشيرة عوضا عن مظلة الدولة الجامعة. ويرى هؤلاء أن إقامة مناطق إقليمية مستقلة أو شبه مستقلة هو الضمان الأفضل لتحقيق حلمهم في الحصول على الثروة والسلطة. ولاشك أن هذا التوجه الجهوى الذي يعلي من النزعة الطائفية والإقليمية يفضي إلى مزيد من التفتيت والبلقنة للصومال.

تم تهميش الصومال وأهله لإبعادهم عن امتدادهم العربي والإسلامي وليصبحوا شأناً غربيا خالصاً, فهل نعي نحن العرب والمسلمين حقيقة ما يحاك لأهلنا في الصومال؟

وتطرح الدول الغربية بزعامة كل من الولايات المتحدة وبريطانيا الرؤية الثالثة والتي تعد الأكثر خطورة لأنها تملك التمويل والدعم المادي والعسكري. كما أنها تعبر عن مصالح إستراتيجية بعيدة المدى. لقد كان لافتاً أن هذه الدول ساعدت إثيوبيا في عدوانها على الصومال عام 2006 للتخلص من حكم الإسلاميين. كما أن الطائرات الأميركية بدون طيار لا تزال توجه ضرباتها في الأراضي الصومالية منذ عام 2007.

إن النتيجة التي أفرزتها عمليات التدافع الدولي والغربي على الصومال تكشف عن اختطاف الحلم الصومالي الكبير مرة أخرى وإعادة مشروع التقسيم والتفتيت ليصبح أحد معالم الصياغة الجيوإستراتيجية الجديدة لمنطقة القرن الأفريقي.

لقد تم تهميش الصومال وأهله لإبعادهم عن امتدادهم العربي والإسلامي وليصبحوا شأناً غربيا خالصاً. فهل نعي نحن العرب والمسلمين حقيقة ما يحاك لأهلنا في الصومال؟ أم إننا ندرك ونعي ومع ذلك ندفن رؤوسنا في الرمال؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك