خورشيد دلي

خورشيد دلي

صحفي سوري

لماذا لم تقل "ارحل"؟
إستراتيجية دفع النظام للانهيار
مخاطر النهج الأميركي

على الرغم من مرور قرابة عام على الأزمة السورية، واتساع رقعة الاحتجاجات ضد النظام،  ووقوع آلاف الضحايا بين قتلى وجرحى، ونزوح عشرات الآلاف من السوريين إلى تركيا والأردن ولبنان, فإن واشنطن لم تقل "ارحل" بشكل واضح وصريح للرئيس السوري بشار الأسد، كما كان الأمر بالنسبة للرئيس المصري السابق حسني مبارك، ومن بعده العقيد الليبي معمر القذافي.

والسؤال هنا، لماذا لم تقل واشنطن ذلك حتى الآن؟ وما هي الأسباب والاعتبارات التي تحكم القرار أو القول الأميركي بهذا الخصوص؟ وهل لواشنطن إستراتيجية مختلفة تجاه الأزمة السورية وتحديدا لجهة دفع النظام إلى الانهيار؟ 

لماذا لم تقل "ارحل"؟
تبدو واشنطن وكأنها واقفة خلف جبل بعيد، وتراقب مسار الأزمة السورية ويومياتها وتداعياتها عبر شاشات تنقل لها ما يجري في الداخل السوري لحظة بلحظة، ورغم هذه المتابعة الدقيقة وفداحة المشهد بكل ما لهذه الكلمة من معنى، فإن الموقف الأميركي ظل يتلخص في الحديث عن إمكانية الحل السياسي، والتهديد بإجراءات إضافية ما لم يشرع النظام في إصلاحات سياسية حقيقية ويستجيب للضغوط الخارجية، وفي كل هذا لم يصل الموقف الأميركي إلى حد الحديث عن الخيار العسكري، بل ظل المسؤولون الأميركيون يحذرون من تداعياته. 

رغم المتابعة الدقيقة للمشهد السوري، فإن الموقف الأميركي ظل يتلخص في الحديث عن إمكانية الحل السياسي، والتهديد بإجراءات إضافية ما لم يشرع النظام في إصلاحات سياسية حقيقية
دون شك، ثمة اعتبارات وأسباب أميركية كثيرة لها علاقة بالموقف الأميركي هذا، وفي مقدمة هذه الاعتبارات، الجيوسياسة التي تشغلها سوريا والتي لها علاقة بموقع سوريا في منطقة حساسة من جهة، ومن جهة ثانية لها علاقة بطريقة إدارة النظام للأزمة، ونجاحه في جعل الأزمة أزمة إقليمية ودولية أعادت إلى العلاقات الدولية أجواء الحرب الباردة، ومن جهة ثالثة لأسباب أميركية لها علاقة بالأزمة المالية التي دفعت بواشنطن إلى الانكفاء على الداخل، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية.

ومن الواضح، أن الأزمة السورية -بحكم العلاقات التي أقامها النظام خلال العقود الماضية، وارتباط ذلك بالصراعات الجارية في المنطقة، ولاسيما الصراع مع إسرائيل- لم تعد أزمة داخلية فقط لها علاقة بالحرية والديمقراطية وتغيير النظام فحسب، وإنما باتت تعبيرا عن منظومة إقليمية واسعة، تمتد من طهران إلى الجنوب اللبناني عبر دمشق وربما بغداد المالكي، وعليه فإن هذه المنظومة تبدو كتلة واحدة معنية بما يجري في سوريا، وهي على مستوى التعاطي تقف في جبهة واحدة، وتمتلك قدرات على تفجير أهم المناطق الحساسة في الشرق الأوسط والخليج العربي.

ومثل هذا الأمر يعد أمرا في غاية الدقة والأهمية في حسابات واشنطن التي باتت تبحث عن نتائج مضمونة لأي عمل عسكري هنا أو هناك، خاصة بعد ما جرى لها في أفغانستان والعراق، كما أنها لا تتحمل القدرة على المغامرة العسكرية في منطقة تقع إسرائيل في قلب إستراتيجيتها، نظرا لطبيعة العلاقة العضوية بين تل أبيب و واشنطن.

ولعل ما عقد المشهد الإقليمي للأزمة السورية، وخفف من تأثير الدورين التركي والخليجي، هو -إضافة إلى إيران- دخول روسيا والصين بقوة على خط الأزمة، واستخدامهما الفيتو مرتين في مجلس الأمن الدولي، وسبب الموقف الروسي -وبدرجة أقل الصيني- يكمن في أهمية موقع سوريا في الصراعات الدولية الجارية من جهة، ومن جهة ثانية لتجاهل واشنطن والغرب عموما مصالح روسيا في إدارة الأزمات العالمية والقضايا الحساسة، كما حصل خلال الأزمة الليبية، وهو ما يجعل المواجهة السياسية والدبلوماسية والاستخباراتية بين هذه الأطراف سيدة الموقف، انطلاقا من تمسك كل طرف بمصالحه وتطلعاته. فعلى الأقل بالنسبة لروسيا قاعدة طرطوس العسكرية أهم عندها من أي اعتبار آخر.  

إستراتيجية دفع النظام للانهيار

دون شك، طريقة تعامل واشنطن مع الأزمة السورية على هذا النحو لا يعني أنها تريد الإبقاء على النظام، وإنما تغييره عبر إستراتيجية مختلفة لما جرى في ليبيا، نظرا لاختلاف الخصوصية السورية والخوف من أن يؤدي الخيار العسكري إلى الانفتاح على المجهول، بسبب طبيعة المنظومة الإقليمية والدولية المرتبطة بالأزمة السورية.

واشنطن تريد في النهاية إنهاك النظام السوري أمنيا وعسكريا واقتصاديا، وتفكيك منظومته الخاصة في الداخل بغية دفعه إلى الانهيار تحت وطأة هذه العوامل

وعليه يمكن القول إن واشنطن تتبع إستراتيجية دفع النظام إلى الانهيار من الداخل، عبر سلوك مركب يعتمد على التصعيد التدريجي للعقوبات، وزيادة الضغط السياسي والدبلوماسي في المحافل الدولية والإقليمية، وإعطاء دور كبير للدول الإقليمية -ولاسيما تركيا ودول الخليج العربي- وكذلك جامعة الدول العربية، والأهم دعم المعارضة السورية والتغاضي عن تسليحها، إذ باتت العمليات التي ينفذها الجيش السوري الحر واضحة من حيث التكتيك والاشتباك والأسلحة ومواقع الاستهداف وزيادة الأعداد..، وهي مؤشرات على أنه يتلقى المزيد من الدعم والتدريب والتوجيه والتسليح.

فواشنطن تريد في النهاية إنهاك النظام السوري أمنيا وعسكريا واقتصاديا، وتفكيك منظومته الخاصة في الداخل بغية دفعه إلى الانهيار تحت وطأة هذه العوامل. وهي تفعل ذلك، تدرك أن حجم المخاطر والتكلفة أقل لجهة التداعيات المحتملة على أمن المنطقة والعالم في حال اللجوء إلى الخيار العسكري لإسقاط النظام.

وقد أثار هذا السلوك انقساما وجدلا أميركييْن، بين من يدعو إلى التركيز على الحل السياسي والدبلوماسي كما هو نهج إدارة الرئيس بارك أوباما، وبين من يرى في هذا الأسلوب تشجيعا للنظام على الاستمرار في الحل الأمني حتى النهاية، ويدعو إلى تسليح المعارضة السورية وصولا إلى استخدام إجراءات عسكرية ضد النظام، وفي مقدمة من يدعو إلى هذا النهج جون ماكين وليندسي غراهام عضوا مجلس الشيوخ، والسؤال الأساسي هنا، إلى متى ستستمر الإدارة الأميركية في نهجها السابق؟ وهل ستلجأ في لحظة ما إلى الخيار العسكري إذا استمرت الأزمة على هذا النحو؟

مخاطر النهج الأميركي
يرى صديق لي أن إدارة الرئيس أوباما تصرفت مع النظام السوري في قمعه للاحتجاجات المناهضة له مثلما تصرفت السفيرة الأميركية غلاسبي مع الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، عندما اعتقد الأخير أن حديث غلاسبي معه كان بمثابة ضوء أخضر أميركي لغزو الكويت في أغسطس/آب عام 1990، ليجد صدام حسين نفسه لاحقا أمام تحالف دولي أجبره على الخروج من الكويت، ومن ثم لقي مصيره المعروف.

لم توجه أميركا في البداية رسالة حاسمة للنظام السوري بعدم الانخراط في النهج الأمني، وعندما انخرط لم تلجأ إلى إجراءات حاسمة تضع حدا لهذا النهج

فالسلوك الأميركي إزاء مجمل عناصر الأزمة السورية يقترب من هذا الفهم، فهو لم يوجه في البداية رسالة حاسمة للنظام بعدم الانخراط في النهج الأمني، وعندما انخرط لم يلجأ إلى إجراءات حاسمة تضع حدا لهذا النهج, ومن جهة ثانية، لا يطرح حلا سياسيا ممكنا للأزمة ويضع أسس مرحلة جديدة، ومن جهة ثالثة، يشجع على عسكرة الانتفاضة الداخلية، فيزداد المشهد السوري دمويا في كل الاتجاهات.

وفي محصلة هذا السلوك، ثمة مخاطر كبيرة تتراكم وتتزاحم في الساحة السورية، سواء بجعل النهج الأمني سيد الموقف حتى النهاية، وهو ما يعني المزيد من القتل والضحايا والتدمير، أو لجهة تفتيت النسيج السوري الاجتماعي والوطني، أو لجهة مخاطر الانزلاق إلى الحرب الداخلية تحت شعارات وأسماء عديدة، وهو ما يعني إطالة عمر الأزمة والدخول في نفق لا أفق له، وبالتالي استنزاف الجميع في معركة تحولت إلى حياة أو موت. 

وفي الواقع، إن ما يعني أميركا من الأزمة السورية ليس شكل الحكم في سوريا، أو تحقيق الديمقراطية والحرية، أو وقف إراقة الدماء السورية التي تراق يوميا، وإنما مصالحها بالدرجة الأولى، وكيفية الحفاظ على أمن إسرائيل، في ظل ثورات الربيع العربي التي أدخلت المنطقة مرحلة جديدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك