عبد الفتاح ماضي

عبد الفتاح ماضي

كاتب وباحث أكاديمي

 


مشايخ السلفية والديمقراطية
مخاطر عدم فهم الديمقراطية
سمات الخطاب السلفي المطلوب
قضايا الخطاب السياسي السلفي
صياغة الخطاب

التيار السلفي في مصر، بأطيافه المختلفة، تيار وطني عانى -كما غيره من التيارات الوطنية في مصر- من قبضة النظام السابق الأمنية، واختار لاعتبارات دينية ودنيوية، أو دُفع دفعا إلى تجنب خوض العمل السياسي قبل الثورة. الآن وبعد أن انكسرت هذه القيود وظهرت أحزاب سياسية تعبر عن هذا التيار صار لزامًا على كافة المخلصين داخل التيار التفكير جليا في أمرين مهمين: أولهما معالجة إشكالية الإدراك الخاطئ لمعنى الديمقراطية، وثانيهما صياغة خطاب سياسي جديد معاصر.

مشايخ السلفية والديمقراطية
في اعتقادي إن الإشكالية الرئيسية أمام هذا التيار هي عدم إدراك بعض كبار مشايخه لحقيقة وجوهر الديمقراطية كنظام للحكم وليس كمذهب سياسي أو فلسفة سياسية، واعتماد الغالبية العظمى من جمهور التيار عليهم في فهم السياسة. يفهم بعض المشايخ الديمقراطية كنظام واحد متماسك يطبق في جميع الدول، وأنه  مذهب غربي يسند التشريع فيه للبشر دون ضوابط أو مرجعية عليا.

وقد ترتب على هذه الإشكالية خلط بين الديمقراطية وثلاثة أمور رئيسية، أولها الخلط بين الديمقراطية والعلمانية، التي تعني عندهم قولا واحدا هو -باختصار- محاربة الأديان ونشر الرذيلة. هم يظنون أن النظام الديمقراطي علماني بالضرورة، وسيؤدي حتما إلى انتشار الموبقات في مصر.

يفهم بعض مشايخ التيار السلفي الديمقراطية كنظام واحد متماسك يطبق في جميع الدول، وأنه مذهب غربي يسند التشريع فيه للبشر دون ضوابط أو مرجعية عليا

هذا الفهم غير دقيق، فالديمقراطية -عند غالبية الباحثين وفي الممارسة الراهنة- ليست مذهبا أو فلسفة وإنما نظام حكم، له: (1) هدف أساسي هو الحد من استبداد الحكام وصيانة كرامة الإنسان وحرياته، و(2) مؤسسات وقواعد تفصيلية لتحقيق هذه الأهداف (أهمها ما يتصل بكيفية اختيار الحكام ومحاسبتهم ومراقبتهم وعزلهم عند الضرورة، وكيفية صنع السياسات والقرارات ومتابعة تنفيذها)، و(3) مرجعية عليا تنضبط بها وتتفاوت قيمها  وثوابتها باختلاف الثقافات والأديان والأولويات.

والديمقراطية ليست منتجا غربيا صرفا وإنما ساهمت في بنائها حضارات مختلفة، ولها أشكال مختلفة، فالعقول والنخب الواعية في كل دولة تختار مرجعياتها ومؤسساتها وآلياتها بما يحقق الهدف وهو الحد من الاستبداد وحماية حقوق الأفراد.

وقد أفرزت ممارسات البشر في الغرب وخارج الغرب بعض الخصائص العامة المشتركة للديمقراطية، صارت معا تشكل ملامح النظام الديمقراطي، وهي ملامح مجربة تاريخيا، وبالتالي تبدأ منها كل دولة تشهد تغييرا في نظامها السياسي في العقود الأربعة الماضية. وأهم هذه الملامح: حكم القانون، واختيار المواطنين لحكامهم ومراقبتهم ومحاسبتهم (وهذا ما يسمى: الشعب مصدر السلطة)، وإتاحة فرص المشاركة السياسية، ومساواة المواطنين في التمتع بالحقوق وفي الالتزام بالواجبات.

أما العلمانية فهي -في جوهرها- علاج غربي لمسألة غربية، فاستبداد رجال الكنيسة بالعصور الوسطى استتبعه إقصاؤهم كلية عن السياسة، وقد ظهرت العلمانية بأشكال متعددة، بدءا بمعاداة الدين صراحة إلى التسامح التام معه.

وما يهمنا في مصر هو أن الغالبية العظمى من الجماهير ومن القوى السياسية لا تعادي الدين ولا تطالب بإقصائه، بل هناك إجماع على المادة الثانية وعدم سن قوانين تخالف الشريعة. ومن ثم لا حاجة لنا في استدعاء العلمانية في خطابنا العام وزرع فرقة بين الجماهير.

مخاطر عدم فهم الديمقراطية
يتصور بعض المشايخ أن الديمقراطية هي "شرع الكفار ومنهج وثني"، ويحكم فيها "الفساق والعصاة والكفار والنساء والمحاربون لدين الله" (كما كتب أحدهم)، ومن ثم فهي تؤدي حتما إلى انتشار الإباحية والشذوذ.

واقع الأمر أنه بجانب أن الديمقراطية لا تتعارض مع الإسلام، كما كتبنا من قبل وكما أوضح باحثون ومفكرون إسلاميون ثقاة، فإن نتائجها متغيرة. فوجود حكومات ديمقراطية ونخب مسؤولة يسهم في رفاهية دول مثل السويد وكندا والنرويج، أما سيطرة الشركات وجماعات المصالح بالولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا فيؤثر بالسلب على سياسات هذه الدول، وقد يؤدي إلى انهيارات مالية باليونان والبرتغال وإيطاليا. وفي الهند وماليزيا والبرازيل وتركيا، ساهم النظام الديمقراطي في الحفاظ على التجانس السكاني إلى حد كبير ومنع العسكريين من التحكم بالسياسة.

وفي كل هذه الحالات، الإباحية والشذوذ ليست نتاجا للديمقراطية وإنما هي مرتبطة بقيم المجتمع العليا، والتي تتغير من مجتمع لآخر.

إن نتائج الديمقراطية المنشودة في مصر ستعتمد -بعد قدرة الله- على وعي الجماهير والنخب وجهودهم في ترجمة مطالب الثورة إلى ممارسات واعية تحمي مصالح المصريين وحرياتهم وتحقق لهم العدالة الاجتماعية. إننا بحاجة إلى ما تقدمه الديمقراطية من مؤسسات وآليات وضوابط وقيم تحارب الاستبداد وتقيم العدل بين الناس وتحقق مقاصد المرجعية العليا التي ارتضتها الغالبية العظمى من المصريين.

يتصور بعض المشايخ أن الديمقراطية هي "شرع الكفار ومنهج وثني" ويحكم فيها "الفساق والعصاة والكفار والنساء والمحاربون لدين الله"، ومن ثم فهي تؤدي حتما إلى انتشار الإباحية والشذوذ

ومن جهة أخرى، يظن بعض المشايخ أن الديمقراطية الأميركية هي التي أنتجت احتلال فلسطين ودعم الإسرائيليين وغزو العراق. واقع الأمر أن لأميركا سياسة خارجية لصالح الصهاينة نظرا لضعفنا نحن في المقام الأول ونظرا لقوة اللوبي اليهودي في أمريكا، وليس نتيجة لديمقراطيتها.

ولنتذكر جيدا أن هناك أيضا سياسيين أحرارا ومنظمات حرة بالغرب تدافع عن القضايا العادلة، كما هناك ديمقراطيات تقف بالمرصاد لأميركا ليس بإلقاء الخطب وتهييج الجماهير وإنما بقوة برلماناتها وبمهارات ساستها وخبرائها في قراءة الواقع والتعامل الواعي مع الآخر، والمثل التركي ليس ببعيد عنا.

فهم المشايخ الخاطئ للديمقراطية ما كان يمثل خطرا لولا ما يترتب عليها من أمور. فجمهور التيار السلفي يعتمد في فهمه للسياسة على المشايخ، فالناس على فكر مشايخهم، ولا زال هناك نفوذ قوي لهؤلاء على الأحزاب السياسية التي خرجت من رحم هذا التيار. ويساعد على ذلك عدم وجود ضوابط للعمل الحزبي في مصر، ومن ثم تصدر بعض المشايخ المشهد السياسي (برغم أنهم غير أعضاء في هذه الأحزاب)، وتراجع السياسيين المنفتحين، بجانب عدم الاستعانة بالخبراء والمتخصصين، وضعف برامج التثقيف.

حان الوقت لكي نفهم أنه لا يوجد مشايخ معتمدون يأخذ المسلمون عنهم علاقة الإسلام بالسياسة، وما يقوله أي شيخ في علاقة الديمقراطية بالإسلام هو فهم بشري للإسلام وليس الإسلام ذاته. وفي مقابل اجتهاد كل شيخ، هناك عشرات الاجتهادات الأخرى أدعو أتباع التيار السلفي الكرام إلى الاطلاع عليها والتفاعل معها بعقلية واعية ونقدية. فالإنسان عدو ما جهل والحكمة ضآلة المؤمن، والحق أحق أن يتبع، ولن ينصلح حالنا ما دمنا نستمع لرأي واحد.

سمات الخطاب السلفي المطلوب
البعد الأول للخطاب المنشود هو السمات العامة له، وهنا يوجد سبعة مجالات: هل الخطاب تأسيسي؟ بمعنى هل يهتم بأسس الأنظمة المنشودة من حيث الترتيبات المؤسسية والقانونية والمرجعيات القيمية ومقومات الهُوية الحضارية والوطنية في كافة القطاعات من سياسية واقتصادية واجتماعية وإعلامية وتعليمية وصحية وتكنولوجية وغيرها، أم يحاول الخطاب تقديم معالجات سريعة للتحديات والمشكلات الراهنة؟

وهل الخطاب توافقي؟ أي هل يتجنب الخوض في القضايا الخلافية التي تحتمل وجهات نظر مختلفة أو بها اختلافات فقهية؟ وهل يدرك الخطاب أن حسم قضايا يحتاج إلى جو أفضل من الحرية والانفتاح لا يتوفر الآن في مصر؟ وهل يطرح الخطاب ما عنده من برامج ورؤى بدلا من توجيه النقد للآخرين واصطياد أخطائهم؟ 

وهل الخطاب واقعي؟ أي هل يركز على الحلول العملية التي تمس المشكلات الراهنة للمواطنين ويقدم برامج قابلة للتطبيق؟ أم أنه يستدعي الأمجاد وقصص التاريخ ويخاطب عاطفة أتباعه فقط؟ وهل يهتم أكثر بتسجيل المواقف وإعلان المبادئ والقيم؟ أم يقوم على أساس القراءة الصحيحة للواقع وفهم الإمكانات المتاحة وإدراك الممكن القيام به في ضوء الأوضاع الداخلية والخارجية؟
وهل هو انفتاحي؟ أي ما موقف الخطاب من القوى الأخرى ذات المرجعية الإسلامية وبخاصة الإخوان المسلمين؟ وما موقفه من التيارات الفكرية والسياسية غير الإسلامية؟ وما هي مساحات الاشتراك والاختلاف بين الحزب وغيره من هذه القوى؟

وهل الخطاب مستقبلي؟ أي هل يهتم الخطاب بالقضايا المستقبلية التي تتنافس أمم الأرض الحية على معالجتها، كقضايا التنمية والعدالة والمساواة وقضايا البيئة ومواجهة مساوئ العولمة والهيمنة الغربية؟

وهل هو إنساني؟ أي هل يؤكد الخطاب على الطابع البشري للبرامج والرؤى التي يقدمها الحزب؟ وهل يعتبر هذا الخطاب أن هذه الرؤى تعبر عن فهم بشري للإسلام أم عن الإسلام ذاته؟ وهل ينفتح الخطاب على أفكار الآخر وبرامجه؟ وفي حالة الانفتاح، كيف يتواصل مع الآخر؟ وما مجالات العمل المشترك الممكنة؟

وأخيرا هل الخطاب علمي؟ أي هل يعتمد الخطاب في تقديم رؤاه وبرامجه على الدراسة والبحث وعلى الكفاءات والخبراء من داخل التيار أو الحزب وخارجه؟ وما هي مصادر الخطاب في فهم السياسة؟ أهي كتب التراث؟ وهل استفاد الخطاب من أدبيات العلوم السياسية المعاصرة المتصلة ببناء المؤسسات ووضع الدساتير وإدارة الدولة وصنع السياسات العامة والاتصال السياسي والتفاوض السياسي والأمن القومي والعلاقات الدولية وغيرها؟ وهل من مصادر بلغات أجنبية ولكتاب غير عرب؟

من القضايا التي لا بد أن يعالجها التيار السلفي هي: كيف ينظر إلى الدولة الوطنية القطرية؟ وكيف يفهم المقومات الرئيسة للدولة المعاصرة كالمواطنة والجنسية والحدود الوطنية؟

قضايا الخطاب السياسي السلفي
أما البعد الثاني فيتصل بالقضايا الأساسية للخطاب، وهنا أتصور أن الخطاب لا بد أن يعالج تسعة أسئلة على الأقل، هي:

- ما أسباب خوض التيار السلفي العمل السياسي بعد سنوات من الابتعاد؟ وما مبررات مواقفه السياسية قبل ثورة 25 يناير؟ وكيف تكونت الرؤية التي فضلت خوض العمل الحزبي؟

- ما الأهداف والغايات التي يتصورها الحزب من جراء ممارسة السياسة وخوض العمل الحزبي؟ وماذا عن مقولات التمويل الخارجي؟

- ما العلاقة بين التيار السلفي الدعوي والتيار السلفي السياسي الحزبي؟ وما هو دور مشايخ الدعوة في العمل الحزبي الحالي؟

- كيف ينظر التيار السلفي الحزبي إلى الدولة الوطنية القطرية؟ وكيف يفهم المقومات الرئيسة للدولة المعاصرة كالمواطنة والجنسية والحدود الوطنية؟

- كيف ينظر التيار السلفي إلى الديمقراطية كنظام للحكم؟ وما علاقة الشورى والحاكمية بالديمقراطية؟

- ما علاقة هذا التيار بغيره من حركات الإسلام السياسي وبخاصة حركة الإخوان المسلمين؟ وما مساحات المشترك والمختلف؟

- ما الموقف السياسي للحزب من القضايا التي طرحت منذ عقود على كل التيارات ذات المرجعية الإسلامية كدور المرأة في المجتمع والسياسة، الأقباط وموقعهم في الدولة المصرية، الآثار، والفنون بأنواعها المختلفة؟

- كيف ينظر التيار السلفي السياسي إلى الغرب؟ وما سبل التفاعل معهم؟ هل من مجالات للعمل المشترك معه؟ وفي أي المجالات سيقف التيار السلفي أمام الغرب؟

- كيف يرى التيار الظواهر المطروحة في العلاقات الدولية مثل العولمة، حوار الحضارات، التعايش السلمي، التعددية الدينية والثقافية، حقوق الإنسان، الشركات متعددة الجنسية، قضايا التنمية والفقر، قضايا التسلح، التجارة الحرة، الإرهاب، قضايا التمييز؟ هل من مساحات للعمل الإنساني المشترك مع الأمم والدول الأخرى؟

صياغة الخطاب
وأخيرا هناك أربعة أسئلة متعلقة بصياغة الخطاب، أو العمل الداخلي لأصحابه:

- هل يتم الاتفاق على ملامح الخطاب السياسي بين قيادات الحزب؟ وهل يتم طرح هذه الملامح للنقاش على مستويات أوسع داخل الحزب؟ وهل يتم نقاشها مع متخصصين وأكاديميين من خارج الحزب؟

هل يتم نشر وترسيخ أبجديات الخطاب السلفي الجديد ومعالمه لدى كافة أفراد وطبقات التيار أو الحزب؟ وهل من وسائل تواصل مع الأعضاء الحاليين والجدد؟

- هل يتم اعتماد وثيقة مكتوبة بمعالم الخطاب ضمن وثائق وأدبيات الحزب؟

- هل هناك قناعة حقيقية من قبل قادة الحزب بملامح هذا الخطاب أم هل تم تصنيعه لمواجهة الآخر به؟ وهل هناك انسجام واتساق بين قادة الحزب في استخدامهم لمفردات الخطاب أم هناك متحدثون متعددون بخطابات متعددة؟

- هل يتم نشر وترسيخ أبجديات الخطاب الجديد ومعالمه لدى كافة أفراد وطبقات التيار أو الحزب؟ وهل من وسائل تواصل مع الأعضاء الحاليين والجدد؟

يقيني أن ممارسة التيار السلفي للسياسة ستضيف رصيدا جديدا للحياة السياسية إذا فهم جمهور التيار السلفي الديمقراطية على حقيقتها، واقتنعوا أن موقفهم من الديمقراطية يجب ألا يُترك للمشايخ وحدهم. واعتقادي أنهم سائرون في هذا الطريق. إنها مسألة وقت.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك