عرض/زياد منى
تتناول مؤلفة هذا الكتاب الاستقصائي المهم مسألة مقتل الأمين العام لمنظمة الأمم المتحدة السويدي داغ همرشولد الذي قضى في حادث سقوط الطائرة الخاصة التي كانت تقله مع زملائه وحرسه الشخصي في وسط أفريقيا.

ومع أن "الحادثة" مر عليها أكثر من نصف قرن، فإنها لا تزال تثير كثيرا من الأسئلة التي تنتظر إجابات، قد يعثر على بعضها يوما ما، وقد يكون أكثرها قد ضاع بغياب الشهود والوثائق. إلا أن الكاتبة، وهي مدرسة متخصصة بالكومنولث في جامعة لندن، عثرت على وثائق عن القضية كانت مخفية عن الجمهور في محفوظات جامعة أكسفورد التي منحتها حق الاطلاع عليها بسبب تقادم القضية.

- الكتاب: من قتل همرشولد؟
- الكاتبة: سوزان وِليَمز
- عدد الصفحات: 306
- الناشر: هرست آند كمبني، لندن
- الطبعة: الأولى 2011

سنتناول هذا الكتاب ضمن ثلاث مقاربات توضح كيفية تعامل المؤلفة مع المادة الهائلة التي توافرت لديها بلغات عديدة، دفعتها للاستعانة بزملاء متخصصين، وقادتها إلى حقائق كانت مخفية، سنذكر بعضها هنا.

المقاربات الأساس هي: المسرح (الكونغو) وشخصية الكتاب، وأخيرا أسرار وألغاز وادعاءات وحقائق التحقيق. سبب اختيارنا هو أن الكونغو كانت ولا تزال هدف أطماع الغرب الاستعماري بسبب ما تحويه من ثروات معدنية هائلة.

النقطة الثانية بديهية، والثالثة مهمة بسبب الغموض المحيط بالحادثة إلى يومنا هذا، والتزوير الفاضح في الوثائق واختفاء بعضها وإبقاء أخرى قيد الكتمان. الجمع بين هذه المقاربات الثلاث نرى أنه سيقود القارئ في طريق الوصول إلى الحقيقة. والكتاب، الذي يحوي نحو عشرين فصلاً ما هو إلا تفصيل لهذه الجوانب.

المسرح: (الكونغو (1960/1961)
عندما نالت الكونغو الاستقلال عن المستعمر البلجيكي في 30/06/1960، لم يكن في البلاد مواطن كونغولي تجاوز تعليمه بدايات المرحلة الابتدائية، مع أن عدد سكانها وقتئذ كان نحو 14 مليون نسمة، ومساحتها تأتي في المرتبة التاسعة عالميا، والثانية بعد جنوب أفريقيا من ناحية ثرائها بالمعادن النفيسة. ولم يكن ثمة ضابط كونغولي واحد ولا طبيب ولا مهندس ولا خبير إدارة دولة.

كل ما تركته بلجيكا المستعمرِة في تلك البلاد، عدا النتائج الكارثية للنهب المنظم لثرواتها والاضطهاد المفعم بوحشيته للسكان، 15 شخصا ذوي اطلاع على التدريب الجامعي.

العامل السياسي منح البلاد أهمية أخرى، إذ فاز الزعيم الكونغولي الأسطوري باتريس لومومبا برئاسة الحكومة، وكان متأثرًا بأفكار زعيم أفريقي أسطوري آخر هو كوامي نكروما الذي نادى بالوحدة الأفريقية.

حفل الاستقلال الذي حضره ملك بلجيكا بودوان كان الفتيل المفجر للصراع، إذ امتدح حكم الملك ليُبُلد الثاني (1835-1909) الذي جعل من الكونغو مُلكًا شخصيًّا طوال 23 سنة، مستغلاً أراضيها لإنتاج القطن والمطاط، مما أدى إلى موت نصف سكان البلاد الذين بلغ عددهم وقتها عشرة ملايين نسمة.

لم يقبل الزعيم الكونغولي الإهانة فرد فورا على الملك المستعمِر واتهمه بأنه يحاول إعادة استعمار البلاد ونهب ثرواتها.

استفز خطاب الملك الاستعماري أهل البلاد فخرجوا في مظاهرات أخافت الجالية البلجيكية ودفعت أعضاءها لمغادرة البلاد، وهو ما استغله الغرب لإطلاق حملة تهويل استعمارية هستيرية عن "فرار اللاجئين الأوربيين"، منحت المستعمِر البلجيكي ذريعة لإعادة إرسال قواته بحجة حماية مواطنيه والجاليات الأوروبية، واحتل قسمًا من الكونغو وحاول في الوقت نفسه احتلال العاصمة كينشاسا التي كان اسمها وقتها ليُبُلدفيل.

استفز خطاب الملك الاستعماري أهل البلاد فخرجوا في مظاهرات أخافت الجالية البلجيكية ودفعت أعضاءها لمغادرة البلاد، وهو ما استغله الغرب لإطلاق حملة تهويل استعمارية هستيرية عن "فرار اللاجئين الأوربيين"

في 11/07/1960 أعلن مويس تشومبي، الذي كان واقفًا إلى جانب قائد قوات الغزو البلجيكية انفصال إقليم كاتنغا (شابا) الذي يحوي نحو 60% من ثروات البلاد المعدنية مثل النحاس والمنغنيز والألماس واليورانيوم (الذي استخدم في صنع القنبلة الذرية التي ألقتها الولايات المتحدة على مدينة هيروشيما) إضافة إلى 80% من الكوبالت الذي تعتمد عليه الصناعات الثقيلة في أوروبا.

توجه باتريس لومومبا إلى الأمم المتحدة طالبا منها التدخل لإنهاء التمرد المدعوم بسبعة آلاف جندي بلجيكي ومرتزقة من بريطانيا و"روديسيا" وجنوب أفريقيا.

عندها تحرك داغ همرشولد لتطبيق قرار مجلس الأمن رقم 143 (فقط بريطانيا وفرنسا امتنعتا عن التصويت) الذي طالب بلجيكا بسحب قواتها على الفور، وإرسال قوات "القبعات الزرق"، وأصر على منع الدول الكبرى من المشاركة في تلك القوات التي تشكلت من المغرب وتونس وغانا والحبشة وماليزيا والسويد والنرويج وأيرلندا.

عدم تحرك قوات "القبعات الزرق" لإنهاء التمرد، شجع أقاليم كنغولية أخرى على الانفصال، مما دفع باتريس لومومبا بتاريخ 15/08/1960 إلى طلب مساعدة الاتحاد السوفياتي.

عندها تحركت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية التي يرأسها حينئذ ألن دَلَس، شقيق وزير الخارجية جون فوستر دَلَس، بأمر من الرئيس الأميركي دوايت آيزنهاور لتنفيذ خططها المعدة مسبقًا للتخلص من الزعيم الكونغولي، كما شاركت بريطانيا في الدعوة إلى قتله.

عقب ذلك قام رئيس جمهورية الكونغو المدعوم من جهاز الاستخبارات البريطانية بطرد لومومبا من منصبه، لكن مجلسي النواب والشيوخ رفضا القرار ومنحاه سلطة مطلقة، فرد يوم 14/09/1960 بحل المجلسين، بدعم من الولايات المتحدة، وبعدها أعلن موبوتو سيسيه سيكو تسلمه السلطة في البلاد.

تحرك كل من جواهر لال نهرو وجمال عبد الناصر وكوامي نكروما وأحمد سيكو توري والملك محمد الخامس، كما طالب الزعيم السوفياتي خرتشوف باستقالة همرشولد، الذي بادر بدوره إلى الاتفاق مع نكروما على الاعتراف بشرعية حكومة لومومبا، لكنه اغتيل في يناير/ كانون الثاني 1961 (انظر مراجعة كتاب "أسرار اغتيال باتريس لومومبا" على الجزيرة نت بتاريخ 18/09/2006).

في 21/02/1961 أصدر مجلس الأمن قراره رقم 161 الذي يأمر فيه قوات القبعات الزرق بالتدخل لمنع اندلاع حرب أهلية، وأرسلت قوات إضافية من كندا وأيرلندا والسويد والحبشة وغانا وغينيا والهند وإندونيسيا وليبيريا وملاوي ومالي والمغرب ونيجيريا وباكستان والسنغال والسودان وتونس والجمهورية العربية المتحدة (دولة الوحدة بين مصر وسوريا)."

رفض همرشولد المشاركة في أي طقوس كنسية كي لا يؤثر ذلك في صورته باعتباره محايدًا مطلقًا، وقيل إنه وصف نفسه بأنه البابا العِلماني

شخصية داغ همرشولد
عندما تسلم همرشولد، الذي كان والده رئيس وزراء السويد (1914-1917) الأمانة العامة للمنظمة الدولية عام 1953، أعاد وفق رأي بعض المؤرخين الروح إلى المنظمة الدولية وحاول دفعها في طريق الأهداف المفترض أنها أقيمت من أجلها.

قيل في همرشولد الكثير، فقد رفض المشاركة في أي طقوس كنسية كي لا يؤثر ذلك في صورته باعتباره محايدًا مطلقًا، وقيل إنه وصف نفسه بأنه البابا العِلماني. قال رفاقه إنه كان يعمل وفق سيمفونية بيتهوفن التاسعة (من الأزمة والعواطف إلى التسامح، ومن ثم أخيرا إلى تراتيل المديح).

عندما منحته جامعة أكسفورد التكريم الفخري قبل مقتله بأربعة أشهر قال في خطاب القبول "أساس عمل الأمين العام يجب أن يستند إلى قاعدة مسؤوليته الدولية وليس لخدمة دولة أو مجموعة دول".

هاجمته القوى الاستعمارية ومنها رئيس الوزراء البريطاني هَرُلد مكمِلَن متهمًا إياه بالحياد بين قوى الخير (الغرب!) وقوى الشر (بقية العالم!)، وأرفق ذلك بتهجم على الشعب السويدي الذي وقفت دولته على الحياد في الحرب العالمية الثانية.

همرشولد تدخل لإنهاء الأزمتين في لبنان والأردن وانسحاب القوات الأميركية والبريطانية منهما وأدان العدوان الثلاثي على مصر، حين صرح يوم 31/10/1956 بأن الحياد والحذر المفروضين على الأمين العام يجب ألا يؤديا إلى انحرافه تجاه سياسة النفعية والذرائعية.

أسرار وادعاءات
القسم الأكثر أهمية من الكتاب يتناول بالبحث والتقصي النقديين مجموعة من النقاط ذات العلاقة المباشرة بحادثة تحطم الطائرة التي كانت تقله من ليُبُلدفيل إلى بلدة ندولا الواقعة في أراضي المستعمرة البريطانية "اتحاد روديسيا ونيازيلاند" يوم 18/09/1960 لمقابلة تشومبي.

وللتأكد من صحة عملها في تحليل الوثائق التي سمح لها بالاطلاع عليها استعانت المؤلفة بثلاثة مختصين من ذوي الشهرة العالمية هم باثولوجي وخبير أسلحة وخبير صور ضوئية، وأسفرت تقصياتها عن أمور كثيرة منها:

- الطائرة حصلت على إذن مراقبي الملاحة في مطار ندولا، لكن مدير المطار أمر بإغلاقه
- ما سبب إصرار المندوب السامي البريطاني في سالزبري (هراري) على أن همرشولد قرر تغيير وجهة سفره؟
- ما سبب تأخر البحث عن حطام الطائرة أربع ساعات بعد شروق الشمس مع أن الشرطة المحلية والسكان والجنود في المنطقة أبلغوا السلطات المحلية عن رؤيتهم لمعانا في الجو قرابة منتصف الليل!
- ما سبب مرور 15 ساعة قبل العثور على حطام الطائرة مع أنه كان لا يبعد سوى كيلومترات قليلة عن المطار!

شكلت لجان واجتمعت وحققت وتكلمت ثم صمتت، ثم فتح الملف مجددا عام 1992 عندما نشرت صحيفة غارديان البريطانية رسالة من موظفين في الأمم المتحدة تقول إن تحطم طائرة همرشولد (ألبرتينا) لم يكن عرضيا، ثم أغلق

- ما هوية الطائرة الثانية التي كانت تطارد طائرة الأمين العام!
- ما سبب إصرار شهود العيان على سماعهم انفجارا قبل تحطم الطائرة!
- ما سبب بقاء جسد همرشولد سليمًا مع أن جثامين بقية الركاب كانت متفحمة!
- ما سر الثقوب التي ظهرت في جسم الطائرة الناجمة، على ما يبدو، عن طلقات نارية!

- ما سبب الادعاء بأن جسد همرشولد كان بعيدًا عن الطائرة وفي وضع الجلوس والاتكاء على تل نمل
- ما سر اختفاء كثير من وثائق التحقيق ذات العلاقة، وما أسباب العبث ببعض الصور بالرتوش المضلِّلَة!

- ما سر وجود ورقة اللعب (Ace of Spade) التي تشير إلى الموت عند ياقة قميص همرشولد! وما سبب الطلب من المحققين عدم الإشارة إليها!
- ضابط أميركي يعمل في محطة تنصت في قبرص تابعة لوكالة الاستخبارات الأميركية أعلن أنه سمع تسجيل صوت وارد من مقصورة طائرة في ندولا ثم صوت إطلاق نار وعقب ذلك القول "لقد أصبتها"

شكلت لجان واجتمعت وحققت وتكلمت ثم صمتت. الملف فتح مجددا عام 1992 عندما نشرت صحيفة غارديان البريطانية بتاريخ 09/11/1992 رسالة من موظفين في الأمم المتحدة تقول إن تحطم طائرة همرشولد (ألبرتينا) لم يكن عرضيا، ثم أغلق.

وفي عام 2005 صرح ميجور جنرال نروجي بأنه رأى ثقبا في جبهة داغ همرشولد ناجما في رأيه عن طلق ناري، لكن الملف بقي مغلقًا.

وماذا بعد
نشير هنا إلى أن الرئيس الأميركي جون كندي، الذي قضى هو أيضا في ظروف غامضة، اعتذر يوم 14/03/1962 للكاتب والدبلوماسي السويدي ستيُر لنر صديق همرشولد عن الضغوط التي مارستها حكومته على الأمين العام لإجباره على تبني سياستها تجاه الكونغو.

فتح هذا الملف يستدعي بالضرورة متابعة ملفات كثيرة مرتبطة بتحديد المسؤولين عن مصير مجموعة من قادة العالم، غير المرضي عنهم غربيا، ومنهم على سبيل المثال كوامي نكروما وباتريس لومومبا وأحمد سوكارنو ومجيب الرحمن والجنرال ضياء الحق والمهدي بن بركة وصالح بن يوسف ومالكولم إكس وأحمد بلو وأبو بكر بلاوا، ويمكن إضافة أسماء أخرى إلى القائمة منها جون كندي وروبرت كندي ومارتن لوثر كنغ.. والقائمة تطول.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك