عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني

يلاحظ المتتبع لعلاقات التنافر بين الولايات المتحدة وإيران أن منحنى حدة هذا التنافر يتزايد مع الزمن منذ عام 1979 الذي شهد اجتياح الطلاب الإيرانيين للسفارة الأميركية في طهران واحتجاز رهائن. وعلى أثر ذلك، بدأت الولايات المتحدة تنفيذ عقوبات متزايدة ضد إيران ومن ضمنها الامتناع عن تزويد الطيران الإيراني بقطع الغيار اللازمة للسلامة الجوية.

وردت إيران بمزيد من الحملات الإعلامية ضد أميركا على اعتبار أنها الشيطان الأكبر، وصعدت أميركا في تحريض العرب بصورة مباشرة وغير مباشرة ضد طهران. ولم تسلم وحدة المسلمين من شرور التنافر، فبرزت أحاديث حول السنة والشيعة، ونُشرت كتب ومؤلفات عدة تمجد مذهبا على حساب آخر. حتى إن عددا من القادة العرب بدؤوا يشاركون في الحملة المذهبية بسبب ما أحدثته الثورة الإيرانية من تأثير على رفع مستوى الوعي الإسلامي لدى السنة.

تمخض التوتر عن حرب طويلة بين العرب وإيران استنزفت مقدرات الطرفين لمصلحة أميركا وإسرائيل. وما إن وضعت الحرب أوزارها وخاب رجاء أميركا في إنهاك إيران، حتى بدأت هي بنفسها تقوم بأعمال عسكرية ضد إيران وتمنع عنها العديد من المواد الخام اللازمة للصناعات والتطوير التقني.

قامت أميركا بضرب منصات إيرانية في الخليج، وهاجمت زوارق إيرانية ودمرتها، وبثت عيونها داخل إيران دون أن تجد من يردعها بسبب ضعف إيران عسكريا. لكن إيران التي تعلمت الدرس أثناء الحرب العربية الإيرانية، سرّعت من وتيرة التصنيع العسكري، ووظفت نسبة عالية من دخلها القومي للتطوير العلمي والتقني، ودخلت عالم البحث عن التقنية النووية.

النووي والعقوبات
كان بإمكان الولايات المتحدة، وحتى بإمكان إسرائيل، أن تضرب إيران وتدمر العديد من منشآتها الصناعية والعسكرية عام 2003، لكن كما يبدو أن المعلومات لدى الدولتين حول برامج إيران العسكرية لم تكن وفيرة أو كافية، أو لم تنذر بخطر.

"
بعدما حققت إيران نجاحات نووية ارتفع مستوى التهديد والوعيد الأميركي لإيران، ومعه ارتفع التدريب العسكري والإعداد والاستعداد، وأخذت العقوبات الاقتصادية تتصاعد على المستوى الدولي

"

وهذا أمر في غاية الأهمية لمن يريد تقدير احتمالات المواجهة بين الطرفين من حيث إن إيران استطاعت عبر الزمن المحافظة على سرية الكثير من المسائل الأمنية، وحرصت على تحقيق إنجازات علمية وتقنية بسرعة وهدوء ودون إعلانات ومكابرة.

ونظرا لذلك، صحا العالم على الرئيس الإيراني يعلن تخصيب اليورانيوم في إيران، والعمل الدؤوب على تطوير مسارعات نووية لرفع مستوى التخصيب، وتطوير منشآت للماء الثقيل والتخصيب الصناعي.

إذا نظر المتتبع إلى منحنى التوتر بين الولايات المتحدة ومعها إسرائيل وبين إيران في الآونة الأخيرة، أو بعدما حققت إيران نجاحات نووية، فسيجد أن مستوى التهديد والوعيد لإيران قد ارتفع، ومعه ارتفع التدريب العسكري والإعداد والاستعداد، وأخذت العقوبات الاقتصادية تتصاعد على المستوى الدولي من خلال مجلس الأمن، وعلى مستوى دول المجموعة الغربية التي تسمي نفسها المجتمع الدولي. قرر مجلس الأمن عامي 2006 و 2010 فرض عقوبات على إيران، وقررت الدول الغربية رفع مستوى العقوبات إلى حد رفض استيراد النفط الإيراني.

أما من الناحية العسكرية، فمن الملاحظ أن الولايات المتحدة لم تعد توجه قنابلها الجوية والبحرية ضد أهداف إيرانية، وباتت تعمل هي وإسرائيل على العمل السري لاختراق الصفوف الإيرانية وضرب منشآت وعلماء. لقد نجحت إسرائيل، وربما معها أميركا في قتل بعض علماء إيران النوويين، وضرب منشآت صناعية حيوية. (هذا طبعا وفق التقديرات وليس وفق بيانات معلنة من قبل الأطراف المعنية).

إيران لم ترد على الاعتداءات على علمائها ومنشآتها، لكنها تكثف من استعراض قوة الردع التي تمتلكها الآن، وتكرر مناوراتها العسكرية بمختلف الميادين وأنواع الأسلحة كرسائل واضحة لأميركا وإسرائيل. إيران لا تملك ذات القدرات الاستخبارية التي تملكها إسرائيل وأميركا، وليس من السهل عليها أن ترد على الاغتيال باغتيال، لكنها تحاول أن تقول إنها جاهزة للمنازلة العسكرية لما لديها من قدرات متطورة.

غياب الكلام
إيران بالنسبة لأميركا دولة شريرة أما أميركا بالنسبة لإيران فدولة شيطانية. الدولتان لا تتحادثان مباشرة، ولا تجلسان معا على طاولة تبادل وجهات النظر، وهناك أطراف ثالثة تنقل ما يفكر فيه الطرف الآخر دبلوماسيا.

لكنهما تتحاوران علنا من خلال التصريحات النارية أو المعتدلة أحيانا، وعبر استعراض القوة والمناورات العسكرية. وعملت كل من الدولتين على تطوير نظرة أيديولوجية تجاه الدولة الأخرى بحيث أصبح من المحرج على المستويين الدولي والمحلي الجلوس معا على طاولة واحدة.

على الرغم من محاولة الدول حل مشاكلها من خلال التفاوض والحوار، وجنوح العديد من الدول نحو الحل السلمي والابتعاد عن الحرب، فإن هذا لا ينطبق على إيران وأميركا في علاقاتهما الثنائية المتوترة، إذ إن الحوار غير المباشر بينهما ينطوي دائما على التحذير والوعيد. وكلما طوينا مزيدا من الزمن، يرتفع مستوى التوتر الكلامي بينهما مما يشكل مؤشرا قويا إلى أن الأمور بينهما لا تسير نحو الحل أو التهدئة، وإنما نحو كسر العظم.

يظهر علينا بين الحين والآخر مسؤولون من كلا الدولتين يتحدثون بلهجة مخففة، لكن هذا لم يخفف من حدة المناكفة بين الدولتين في المجمل العام، وربما يهدف فقط إلى مخاطبة الدول الأخرى التي ترى في الصدام بين إيران وأميركا ضررا كبيرا يصيب دولا أخرى والعالم بأسره. وما يهم المتتبع ليس ما يسمع وإنما ما يرى، وما نراه هو استمرار في الاستعداد القتالي.

"
رفض أميركا وإسرائيل أن تمتلك إيران سلاحا نوويا لا علاقة له بالأخلاق ولا بأمن العالم، وإنما بالهيمنة الإسرائيلية والأميركية على المنطقة, ولو كانت المسألة أخلاقية لما امتلكت الدولتان النووي

"

النووي وليّ الأذرع
لماذا لا تريد أميركا وإسرائيل لإيران أن تمتلك ما تمتلكان؟ المسألة لا علاقة لها بالأخلاق ولا بأمن العالم، وإنما بالهيمنة الإسرائيلية والأميركية على المنطقة. لو كانت المسألة أخلاقية لما امتلكت الدولتان النووي، لكن أميركا تريد أن تبقي نفط الخليج تحت هيمنتها دون غيرها حتى لو كان استيرادها منه قليلا مقارنة بدول أخرى مثل إيطاليا والصين واليابان، وإسرائيل تريد أن تحتفظ بقوة ردع ساحقة حتى لا تتمكن أي دولة في المنطقة من أن تنازعها بقاءها وهيمنتها.

أميركا تستطيع أن تمن دائما على الدول الغربية واليابان وكوريا الجنوبية بأنها تحافظ على تدفق النفط إلى عجلاتهن الصناعية، وتبقى بذلك دولة مهيمنة مستترة عن عيون الإعلام، وإسرائيل تستطيع أن تمنّ على الغرب بأن عيونها ساهرة لملاحقة المتطرفين الحريصين على مصالح دولهم.

تخشى أميركا منازعة إيران لها على زعامة الخليج، وتخشى إسرائيل تطورا جديا في مواجهتها بخاصة بعد أن خبرت قوة حركتي حزب الله وحماس عامي 2006 و 2009 على التوالي.

لقد خبرت إسرائيل نوعا جديدا من الحرب ومن المقاومة، ويعود ذلك في درجة كبيرة إلى ما قامت به إيران من دعم للحركتين. وإسرائيل تحتفظ بالخيار النووي لردع العرب، وستصاب قدرتها على ذلك بعدمية إن طورت إيران ما يردع ردعها، بخاصة أن إيران تستطيع تحمل ضربات نووية بسبب مساحتها الجغرافية الواسعة وانتشار منشآتها، على عكس إسرائيل التي تهزها صواريخ تقليدية.

أما إيران فتريد تحقيق استقلال حقيقي وقدرة على اتخاذ القرار بحرية، وهذا أمر لم تشهده المنطقة العربية الإسلامية من ناحية الفعل القائم على العلم والتقنية. حتى باكستان التي طورت القنبلة النووية لم تصر عليها، وتركت نفسها أداة بيد الأميركيين.

الندية القتالية
هناك من يرون أن إيران تبالغ في قوتها، وإن حديثها حول تصنيع الأسلحة وتطوير القدرات القتالية لا يختلف عن أحاديث الزعماء العرب الذين طالما وعدوا شعوبهم بالنصر المؤزر. هذا غير دقيق لأن العالم يرى قدرة تصنيعية متزايدة لدى إيران، لكن أميركا تبقى هي الأقوى والأطول ذراعا.

تستطيع أميركا أن تقصف إيران بمئات الطائرات في آن واحد، وتستطيع أن تقصفها عن بعد آلاف الكيلومترات من قواعدها المختلفة وسفنها الحربية المنتشرة في مختلف بحار الأرض. وبالرغم من هذا، تستطيع إيران أن تنال من أميركا بطرق عدة. وهذا ما يمكن لكل منهما أن تصنعه بالأخرى وما لا تستطيع:

بإمكان أميركا استعمال القوات البرية، لكن هذا خيار مستبعد لأنها لا تستطيع تحمل خسائر بشرية ومادية كبيرة. لكنها تستطيع أن تقصف المنشآت الإيرانية من الجو والبحر بمئات الطائرات وصواريخ توما هوك.

"
تستطيع أميركا أن تقصف إيران بمئات الطائرات في آن واحد، وتستطيع أن تقصفها عن بعد آلاف الكيلومترات, لكن إيران تستطيع أن تنال من أميركا بطرق عدة

"

لكن لديها مشكلة في هذا وهي أنها لا تعرف تماما قدرات إيران الجوية أو الدفاعات الجوية. الإيرانيون يعلنون عن منظومات صواريخ ومضادات للطائرات، لكنه لم يتم اختبارها في ميادين القتال. ولدى أميركا أيضا سلاح العقوبات، وتستطيع من خلاله أن تضغط على إيران اقتصاديا مما يدفعها إلى الاستسلام، أو يدفع شعبها إلى الثورة وإسقاط نظام الحكم. ولديها أيضا سلاح الاستخبارات الذي يستطيع قتل علماء إيرانيين وتدمير منشآت إيرانية صناعية وعسكرية. ولا ننسى أن أميركا دولة نووية، وسبق أن استعملت السلاح النووي.

إما إيران فتستطيع ضرب أهداف أميركية كثيرة ومنتشرة في البلدان العربية وأفغانستان ودول أواسط آسيا، وفي البحار المجاورة مثل الخليج وبحر عمان وبحر العرب والمحيط الهندي. صواريخ إيران قادرة على ضرب أهداف كثيرة بما فيها إسرائيل دون قوة فعالة من صواريخ باتريوت أو صواريخ القبة الحديدية الإسرائيلية.

أما إذا تمكنت إيران من إغراق بارجة أميركية وقتل مئات الجنود الأميركيين فإن أميركا ستجد نفسها أمام ضغط شعبي داخلي هائل للتوقف عن الحرب. وتقديري أن إيران ستتمكن من إلحاق أذى كبير بالولايات المتحدة وإسرائيل مستندا في هذا التقدير إلى أن إيران لم تكذب في الانطباعات التي أوصلتها للعالم حول قدرتها العلمية والتقنية.

الخوف من عدم النصر
الملاحظ أن إسرائيل وأميركا تهددان إيران على مدى سنوات، لكن التهديد لم يخرج إلى حيز التنفيذ بعد. إسرائيل وأميركا لا تضمنان النصر في أي هجوم جوي على إيران لأنهما لا تعلمان بدقة كل المواقع النووية الإيرانية المنتشرة على مساحة تبلغ 1.600.000 كم2، ولا تعرفان بالضبط المواقع الحقيقية من المواقع المموهة، هذا فضلا عن المواقع التي لا تستطيع أعتى القنابل اختراقها.

ثم لا تعرف الدولتان كون طائراتهما ستسقط فوق إيران أوْ لا، ولا تعرفان بالضبط كيفية وقوة الرد الإيراني. أي أن الهجوم الجوي سيبقى ضمن رؤية مجهولة جزئيا تجعل الثقة بالنصر ضعيفة.

أما إيران فليست معنية بالهجوم على البحرية الأميركية لأنها تعرف أن الحرب مدمرة، ولأنها ما زالت في طور بناء القوة التي ستصنع لها موقعا متقدما على المستوى العالمي وليس على مستوى المنطقة فقط. إيران تستطيع أن تدافع وتصمد، لكنها ليست في موقع الهجوم على القوات الأميركية.

"
إيران ستغلق مضيق هرمز إن اتخذ مجلس الأمن قرارا بفرض حظر شامل على النفط الإيراني, لكنه من المستبعد أن يتخذ مجلس الأمن قرارا بذلك لأن روسيا والصين تعارضانه
"

غلق مضيق هرمز

إيران ستغلق مضيق هرمز إن اتخذ مجلس الأمن قرارا بفرض حظر شامل على النفط الإيراني. لكنه من المستبعد أن يتخذ مجلس الأمن قرارا بذلك لأن روسيا والصين تعارضانه، فضلا عن أنه من المحتمل أن تكتفي أميركا بوقف استيراد الدول الأوروبية واليابان للنفط الإيراني حتى لا تتأزم الأوضاع العسكرية بالمزيد في الخليج.

أميركا في سنة انتخابات، وهي وأصدقاؤها أمام مشكلة مالية واقتصادية كبيرة لا تحتمل المزيد من ارتفاع أسعار النفط. لكن هذا سيبقي إسرائيل أمام حيرة كبيرة تهددها سواء شنت هجوما على إيران أو لم تشنه. إن فعلت غامرت من حيث رد الفعل الإيراني، وإن لم تفعل غامرت أيضا لأن إيران ستستمر في تطوير قدراتها النووية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك