عبد الحكيم هلال

عبد الحكيم هلال

كاتب وصحفي يمني

 
 
انقسامات وتعقيدات
المبررات والأسباب
صراع وتصعيد ميداني
 
مع اقتراب اليوم الموعود في اليمن (21 فبراير/شباط) لانتخاب المرشح التوافقي والوحيد للرئاسة عبد ربه منصور هادي، نائب الرئيس حاليا، فإن معالم فرز مقلقة تتضح أكثر في عمق الأطر الداخلية لمكونات الثورة الشعبية.
 
وهذا الفرز، ليس فقط من المرجح أنه سيفضي إلى جملة مخاطر سلبية محتملة على مستوى المكونات الداخلية للثورة، بل من المحتمل أيضا أنه لن يقف عند ذلك الحد، إذ من المتوقع جدا أن يتجاوزه نحو التأثير على مستوى الداخل اليمني كله، مما يعني أيضا: أن نتائجه لن تستثني بالضرورة التأثيرات المفترضة على المستوى الخارجي.
 
انقسامات وتعقيدات
لقد نصت المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية على أن يكون نائب الرئيس والقائم بأعمال الرئاسة، منذ توقيع المبادرة في 23 نوفمبر/تشرين الثاني، عبد ربه منصور هادي مرشحا توافقيا وحيدا بدون منافس. الأمر الذي أدى إلى بروز خلافات ضمن أطر مكونات الثورة الداخلية بعضها قانونية، وبعضها سياسية، وجزء منها يتصل بالعامل الأخلاقي الثوري من جهة التعارض مع مبادئ وأهداف الثورة.
 
ومع اقتراب الانتخابات كان من السهل جدا ملاحظة ارتفاع حدة الخلاف يوما بعد آخر مع تزايد وتيرة التجاذبات الإعلامية والاستقطابات الميدانية، مما أحدث فرزا يمكن حصره بداية -بشكل عام- بين فريقين. الأول: فريق مؤيد لإجراء الانتخابات بصيغتها الحالية وترشيح هادي باعتباره مرشحا توافقيا وحيدا. والآخر: فريق معارض يرفض العملية بشكلها الحالي.
 
والفريق الأول يغلب عليه المؤيدون أصلا للمسار السياسي وفقا للمبادرة الخليجية. وينسجم توجهه هذا، ليس فقط مع توجه أحزاب اللقاء المشترك (المعارضة سابقا)، بل إنه يتوافق أيضا مع التوجه المعلن لحزب صالح نفسه (المؤتمر الشعبي العام). ويأتي هذا التوافق لكونهما الموقعين على المبادرة والمعنيين بتنفيذ بنودها وآليتها في إطار حكومة التوافق الوطني، التي تشكلت مؤخرا من الطرفين. 
 
وفي المقابل، فإن الفريق الآخر (المعارض للانتخابات) يغلب عليه أولئك الرافضون أصلا للمسار السياسي. وينسجم رأيهم وتوجههم مع تيارين رافضين للمبادرة الخليجية من حيث المبدأ، هما: فصيل الحراك الجنوبي الداعي صراحة إلى انفصال الجنوب عن الشمال، وتيار "حركة الحوثي" التي تتخذ من محافظة صعدة الشمالية معقلا لها.
 
المبررات والأسباب
بشكل عام فإن المؤيدين للعملية، من أحزاب المشترك وشركائهم، ومعهم شباب الثورة، يرون أن هذه الصيغة، مع أنها غير مكتملة البناء من الناحية القانونية، تعد الأنسب لإخراج البلاد من ركودها السياسي الحالي.
 
"
المؤيدون للانتخابات الرئاسية من أحزاب المشترك وشركائهم، ومعهم شباب الثورة، يرون أن هذه الصيغة، مع أنها غير مكتملة البناء من الناحية القانونية، تعد الأنسب لإخراج البلاد من ركودها السياسي
"
بل إنها فضلا عن كونها الخيار العملي الوحيد المتاح لتجنيب البلاد العنف والانزلاق إلى حرب أهلية، تشكل أيضا جسرا وحيدا للعبور نحو آفاق المستقبل الممتلئ بوعود المانحين الإقليمين والدوليين، الذين ربطوا مساعداتهم التنموية (المغدقة) بنجاح المسار السياسي. 
 
كما يأتي في إطار هذا الفريق المؤيد للعملية الانتخابية، حزب المؤتمر الشعبي العام حزب صالح، وإن بمبررات مختلفة. فهو هنا ينظر إلى الأمر سياسيا من زاويتين متكاملتين. الأولى: أنه ينظر إلى الانتخابات باعتبارها جزءا من رغبة صالح وحزبه في كيفية إحداث التغيير ونقل السلطة وفقا للدستور: أي بطريقة غير مهينة بعيدا عن مفهوم السقوط والخلع بفعل قوة الثورة.
 
والزاوية الثانية: أن انتخاب عبد ربه منصور هادي  يعني أن الحزب ما زال محافظا على السلطة في قبضته، لأنه ما زال هو الأمين العام للمؤتمر الشعبي العام حتى اللحظة.
 
أما المعارضون للانتخابات، فيمكن تقسيمهم -وفقا لاختلاف المبررات والأسباب- إلى أربعة أقسام متفاوتة الحجم. فقسم أو نسبة بسيطة منهم، يتمسكون بالحجة القانونية، المتمثلة برفض مسألة الاقتصار على مرشح توافقي وحيد وعدم إتاحة المجال لمرشحين آخرين لخوض المنافسة والترشيح. وهؤلاء هم الأقل حدة من حيث تخففهم من الثأرات السياسية وبالتالي الرغبة في الانتقام.
 
وتاليا، يأتي -وإن بنسبة أعلى قليلا من سابقه- قسم آخر يرى أن العملية التفاف على أهداف الثورة الشعبية لكون المرشح التوافقي يعتبر جزءا من النظام. أما القسم الثالث -وهو الأكبر بين المعارضين- فيحاجّ بكل ما سبق ويضيف إليه اعتبارات أخرى مؤسسة على خلفية مسبقة رافضة للمبادرة الخليجية جملة وتفصيلا.
 
فهم يعتبرون أن العملية السياسية خيانة للمسار الثوري. وهؤلاء معظمهم يتبعون حركتي الحوثي، والحراك الجنوبي الانفصالي. أضف إلى ذلك أن هذا المكون الأخير (الحراك الانفصالي) يستقل برأي فريد يرتكز فيه على مبدأ: أنه غير معني بالثورة. وبالتالي فإنه غير معني بكل ما حدث ويحدث أو سيحدث لاحقا.
 
لكن، وبشكل عام، يمكن ملاحظة أن هذه الخلافات وما أفضت إليه من فرز اليوم، لم تكن أكثر من نتيجة طبيعية لعملية تراكمية متوالية ظلت تحدث وتتخلق داخليا طوال مراحل الثورة. وعليه فإن ما يحدث اليوم يمكن تشبيهه على النحو التالي: أن هذا الاستحقاق الانتخابي عمل على وضع الصورة في سائل التحميض لتوضيح وتحديد معالمها الطبيعية بشكل أكثر دقة، بعد أن ظلت كاميرات المراقبة تخزنها طوال مراحل الثورة.
 
وعليه، وبشكل عام، فهذه الصورة الثورية الداخلية يمكن اختزالها -عمليا- في فريقين اثنين. الأول: نطاق واسع من الشباب الثوري المتوافق مع توجهات وأفكار ومسارات أحزاب اللقاء المشترك السياسية.
 
والآخر: يشمل كل من يرفض العملية السياسية بمختلف تفاصيلها ومراحلها. وربما كان ذلك -بشكل خاص- مرده وجذره الأساس التخوف من وطأته الثقيلة (أي الحل السياسي) على مخططاتهم المستقبلية.
 
صراع وتصعيد ميداني
وعمليا، بدا أن فريق المؤيدين للمسار السياسي السلمي قد حقق نجاحا ملموسا على الأرض، من خلال ما تشهده الساحة من إعلانات التأييد المتوالية، مدعوما بتأييد إقليمي ودولي كبيرين.

ويرى المتابعون، أن خيار إفشال العملية الانتخابية أمنيا، ربما قد بدأت معالمه تتضح تدريجيا مع الارتفاع في نسبة هذا النجاح الذي يحققه الفريق المؤيد للانتخابات بشكل كبير وجلي على الأرض.

"
المؤيدون للمسار السياسي السلمي حققوا نجاحا ملموسا على الأرض، من خلال ما تشهده الساحة من إعلانات التأييد المتوالية، أما المعارضون فبدؤوا استخدام العنف من خلال قيامهم بعمليات مسلحة
"
ومؤخرا، لوحظ أن هذين الفصيلين المعارضين للحل السياسي (الحراك الانفصالي، والحوثيين)، لم يكتفيا فقط بإعلان رفضهما الصريح والمطلق للانتخابات، بل بدآ الانتقال إلى الورقة الأمنية، باستخدام العنف من خلال قيامهما بعمليات مسلحة.

فبالنسبة للحراك الجنوبي الانفصالي عمد مسلحون قيل إنهم تابعون له، إلى اقتحام لجان الانتخابات وطرد أعضائها في بعض المديريات الواقعة في مناطق ومديريات كانت في السابق وما زال بعضها يمثل عمقه في الجنوب، كـالضالع ولحج.
 
ويأتي ذلك تأكيدا لما تناولته وسائل الإعلام المحلية بخصوص تهديدات أطلقتها قيادات في هذا الحراك بأنها قد تلجأ إلى استخدام القوة لمنع إجراء الانتخابات في بعض المحافظات الجنوبية.
 
لكن العنف لم يقتصر على اللجان الانتخابية فحسب، بل طال شباب الساحات المعتصمين سلميا. ومؤخرا حدث أكثر من اعتداء مسلح على شباب الثورة السلميين المعتصمين في ساحة الحرية بمديرية كريتر في محافظة عدن. وكان آخر اعتداء مسلح، قد حدث السبت (11 فبراير) حين اقتحمت مجاميع مسلحة المخيم وأحرقت الخيام، رافعين أعلاما انفصالية، دون أن تتدخل قوات الأمن التي من المعروف أنها تفرض إجراءات أمنية مشددة على كافة مداخل المحافظة وشوارعها.

أما بالنسبة للحوثيين، فنجد أنهم لم يكتفوا بمواصلة حصارهم واعتداءاتهم المستمرة على المجمع العلمي بدماج في صعدة (حيث يوجد التيار السلفي في المحافظة هناك)، بل إنهم يواصلون محاولة تلو أخرى للمزيد من التوسع.
 
وعليه فما زالوا يحاولون فرض سيطرتهم بقوة السلاح على محافظة حجة القريبة من معقلهم (صعدة)، ولقد تكثفت تلك المحاولات بشكل كبير خلال الأيام القليلة الماضية، وما زالت تجري حتى الآن، دون أن تنجح اتفاقيات التهدئة التي أبرمتها الحركة في وقت سابق مع قيادات أحزاب المشترك، في إيقاف المواجهات التي تؤكد المعلومات أنها تواصل حصد الكثير من الضحايا من الجانبين.
 
وفي المحصلة فإن كل تلك التحركات والأحداث، التي ترافقت مع رصد تحركات خارجية نشطة داعمة لها -لاسيما خلال الأيام القليلة الماضية- كان من شأنها أن تعزز المخاوف الدولية والمحلية من إمكانية إفشال الانتخابات عن طريق التصعيد الأمني. وهو خيار لا يمكن استبعاده، وبشكل خاص في حال الشعور بفشل "البروبغاندا" الإعلامية المعارضة لإجراء الانتخابات في إقناع نسبة كبيرة من الناس في رفض المشاركة فيها. وهذا أمر قد بدأ يتحقق عمليا وفقا لما أشرنا إليه.
 
مخاوف دولية
وترافقا مع ذلك، ازدادت -بشكل نشط وملحوظ- تحركات المجتمع الدولي، في محاولاتها منع تحقق تلك المخاوف على أرض الواقع.
ومع الوعود التنموية غير المسبوقة، يمارس المجتمع الدولي -بشكل خاص- ضغوطا ميدانية تتمثل بخطاب شديد اللهجة ضد التيارات والفصائل الحاملة لأجندة تخريبية: من شأنها أن تعطل العملية الانتخابية، بل تسعى أيضا إلى تفجير الأوضاع ميدانيا، الأمر الذي سيفتح الباب مجددا للدخول في دوامة من العنف.
 
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يؤمن المجتمع الدولي المعني والمهتم والوسيط، بأن البلاد إذا ما انزلقت هذه المرة نحو العنف مجددا، فإنها لن تنجو بسهولة من مخاطر الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة لا يمكن التنبؤ بكارثيتها. وهو الأمر الذي كان المجتمع الدولي قد بذل -من قبل وطوال مراحل الثورة- جهودا مضاعفة وجبارة في سبيل تجنب حدوثه خوفا على مصالحه الحيوية من تنظيم القاعدة الذي سيجد ملاذا آمنا ومساحة كبيرة للتحرك بحرية.
 
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى مجموعة من تلك التدخلات. فبعد إعلان الحوثيين رفضهم المشاركة في الانتخابات، زار وفد من دول الاتحاد الأوروبي، ومعهم دبلوماسيون آخرون، محافظة صعدة، بهدف الجلوس مع الحوثيين بعدما أشيع أنهم يزمعون عرقلة الانتخابات في المحافظة. ووفقا للمعلومات الصحفية المنشورة بهذا الخصوص فإن السفراء، حذروا القيادات الحوثية من تبعات أي إعاقة للعملية الانتخابية الرئاسية التوافقية المبكرة.
 
"
يؤمن المجتمع الدولي بأن اليمن إذا ما انزلق هذه المرة نحو العنف مجددا، فإنه لن ينجو بسهولة من مخاطر الانزلاق إلى حرب أهلية شاملة لا يمكن التنبؤ بكارثيتها
"
وبعد يومين من الزيارة، اعتبر دبلوماسي أوروبي رفيع -لم يكشف عن اسمه- في تصريحات لصحيفة محلية، أن "أي عنف يستخدم من قبل أي طرف لعرقلة الانتخابات, سيعد عملاً إرهابياً"، مشددا على أنها "أعمال مرفوضة وغير مقبولة تماما". وأشار إلى أنه من حق أي جماعة أو طرف ما مقاطعة الانتخابات، لكنه شدد على أن تحقيق ذلك يجب أن يكون بعيدا عن استخدام العنف.
 
وأوضح أن اللقاء مع جماعة الحوثي، تمت فيه مناقشة أهمية مشاركة الجميع في الانتخابات باعتبار أنها ستفتح الطريق للتحول الديمقراطي في اليمن، كاشفا أن الحوثيين تمسكوا برفضهم المشاركة، لكنهم أكدوا أنهم لن يعيقوا إجراء هذه الانتخابات في المناطق التي يسيطرون عليها. واعتبر أن هذا الموقف إيجابي.
 
وفي سياق متصل أشار السفير الأميركي لدى صنعاء، جيرالد فايرستاين، من جهته، في مقابلة مع صحيفة محلية نشرت قبل أيام، إلى أن مجموعة السفراء العشرة (سفير واشنطن مع سفراء الدول الأوروبية والخليجية المعنية بتنفيذ المبادرة) يعملون عن قرب مع اللجنة العسكرية لمتابعة التحديات التي يواجهونها في سبيل التطبيق الكامل للمبادرة الخليجية، موضحا أن ذلك يأتي بدرجة رئيسية من أجل "تهدئة الأوضاع الأمنية وإعادة اللحمة الوطنية للقوات المسلحة والأمن.."، وأكد أن هذه الخطوات "يجب اتخاذها قبل الانتخابات".
 
نهاية بسقف مرتفع
ومع ذلك، يظل التخوف قائما من إمكانية تصعيد العنف والأعمال المسلحة بشكل متعمد ومخطط له خلال الأيام القليلة القادمة، وربما تكثيفها بشكل أكبر يوم الاقتراع، لاسيما في المناطق الجغرافية التي يوجد فيها أنصار الحراك الجنوبي الانفصالي، وحركة التمرد الحوثي، وذلك لإحداث اضطرابات وبث الرعب لدى المقترعين بهدف منعهم من الوصول إلى مراكز الاقتراع.
 
وإذا كان خيار العمل السياسي السلمي في إقناع الناس بعدم المشاركة قد بدأت معالم فشله تنجلي، فإن العنف والأعمال المسلحة، حتى في حال عدم نجاحها نجاحا كاملا في إفشال العملية الانتخابية، لن تفشل في التقليل من عدد المقترعين في تلك المحافظات والمناطق التي يسيطرون عليها.
 
وبالتالي فإن ذلك على الأقل سيعمل على إظهار قوة وحجم تلك الفصائل فيما يمكن اعتباره عملية استفتاء، تمهيدا لفرض خيارات واشتراطات ذات سقف عال مستقبلا في أثناء عملية الحوار الوطني التي ستلحق الانتخابات بشأن القضية الجنوبية ومشكلة صعدة، وفقا لما نصت عليه المبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك