حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية


لقد استطاعت ثورة 25 يناير أن تفجر في الأمة المصرية روحًا جديدة وتوقعات متزايدة بمستقبل أفضل ومشرق للمصريين. وعلى الرغم من عظم التحديات وكثرة المعوقات التي تعترض مسيرة المرحلة الانتقالية فإن الثورة لا تزال مستمرة في مصر المحروسة. وأحسب أن عهد "الفرعون الأكبر" الذي كان يأمر فيطاع قد ولى وراح بلا رجعة. فمصادر شرعية الحكم تبدلت وتغيرت. إن هناك إلى جانب شرعية "الميدان" شرعية "البرلمان" الذي جاء بإرادة شعبية حرة ونزيهة.
 
وإذا عولنا على معايير الكم والعدد بالنظر إلى ما تحقق وأنجز بالفعل وجدنا أنه قليل. لقد رحل رأس النظام ولكن أعمدته وأركانه لا تزال باقية وراسخة في مكانها. لم يكن بمستغرب أن يظل شعار الثورة الأول: "الشعب يريد إسقاط النظام" باقيًا تردده حناجر الثوار الذين يتوقون للوصول بالثورة إلى منتهاها الطبيعي. ومع ذلك فإن إحساس المصريين، وأنا منهم، بأنهم تحرروا من لباس الخوف والاستكانة سوف يشكل ضمانة كبرى لاستكمال أهداف ثورتهم المجيدة.
 
وبعيدًا عن نوازع التفاؤل والتشاؤم التي تسيطر على عملية تقويم مسار الثورة المصرية فإن الخطاب السياسي السائد في مصر على تنوعاته الفكرية والأيديولوجية يحتاج إلى إعادة مراجعة وتقويم حتى يمكن الحديث عن قواسم مشتركة تحدد معالم نهضة مصر في المرحلة القادمة.
 
إننا نشهد في هذه المرحلة حالة من الفوضى والارتباك تميز خطاب معظم القوى السياسية الرئيسية في مصر بما في ذلك القوى الثورية. وعليه فإن عملية المراجعة والتقويم تشمل الأنماط الثلاثة الآتية:
 
"
الثورة لم يعد لها عقل يضبط حركتها أو قائد رمز يرسم لها معالم طريقها. وربما يسر ذلك للقوى السياسية التقليدية أن تقفز إلى الواجهة عوضًا عن القوى الثورية التي آثرت أن تظل ممسكة برمزية وقدسية "الميدان"
"
مراجعة الخطاب الثوري
لقد كان من أبرز مميزات ثورة 25 يناير أنها عبرت عن حركة شعبية عارمة دفعت إليها مجموعات شبابية واعية ومنظمة. ولم يكن لهذه الحركة قيادة موحدة، كما أنها لم تعبر عن اقتناعات أيديولوجية معينة. إنها وببساطة شديدة طالبت بتغيير النظام بطريقة سلمية وبرفع شعار "عيش، حرية، عدالة اجتماعية". بيد أن هذه الميزة تحولت بعد ذلك شيئًا فشيئًا إلى أحد العيوب الكبرى.
 
فالثورة لم يعد لها عقل يضبط حركتها أو قائد رمز يرسم لها معالم طريقها. وربما يسر ذلك للقوى السياسية التقليدية أن تقفز إلى الواجهة عوضًا عن القوى الثورية التي آثرت أن تظل ممسكة برمزية وقدسية "الميدان". ويمكن الإشارة إلى عدد من الأخطاء التي تحتاج إلى تقويم ومراجعة في الخطاب الثوري المصري ومن ذلك:
 
1- الغلو في طابعه الرومانسي والبعد عن الواقعية السياسية في كثير من الأحيان. ولعل فكرة نقل السلطة إلى "مجلس رئاسي مدني" تؤكد ما نقول. إذ كيف يقوم "المجلس الأعلى للقوات المسلحة" وهو مجلس غير منتخب بنقل السلطة لمجلس آخر غير منتخب. ثم إن القول برحيل العسكر الفوري وتسليم السلطة للمدنيين بغض الطرف عن خريطة الطريق التي وضعها الإعلان الدستوري هو أمر غير ممكن التطبيق.
 
2- التخبط والانقسام. فقد ظهرت عشرات الاتحادات والائتلافات الثورية حتى كادت القوى الثورية الحقيقية تتوارى خلف جماعات "افتراضية" ربما لا يتعدى وجودها صفحات الفضاء الإلكتروني. وعليه فإننا نجد خطابًا متناقضًا ومتقلبًا في كثير من المواقف.
 
3- كثرة الدعوات للتظاهر والاعتصام ولا سيما إذا ارتبط ذلك بتعطيل مصالح البلاد والعباد. وأحسب أن هذا الأمر قد أثر سلبًا على صورة "الثوار" لدى أهل البلد "الغلابة". إذ نظر كثير من الناس إلى الثورة باعتبارها مرادفًا للفوضى وقطع الأرزاق.
 
4- الميل إلى رفض الآخر وعدم القبول به حتى ولو كان من رفقاء الدرب. لقد كان لافتًا توسع الثوار في استخدام مصطلح "الفلول" الذي يطلق على منتسبي النظام السابق، كما أنهم سرعان ما لجؤوا إلى وصف معارضيهم بالخيانة مثلما حدث مع أعضاء جماعة الإخوان المسلمين.
 
ولعل ذلك كله يفرض على القوى الثورية ترشيد خطابها السياسي بما يعني اكتساب مهارات فن التعامل السياسي الذي يعلي من قيم وأدوات التفاوض والتوفيق والقبول بالآخر. إننا بحاجة إلى البحث عن فكرة القواسم المشتركة مع سائر القوى الثورية.
 
مراجعة الخطاب العلماني
لقد ارتكبت القوى الليبرالية واليسارية أو العلمانية عمومًا في مصر أخطاءً كبيرة. وما فتئت هذه القوى تجلس في برج عاجي وتكرر خطابًا تقليديا تجاوزته الأحداث. ومما يثير الاستغراب والدهشة في آن واحد أن هذه القوى التي من المفترض أن تدافع عن الديمقراطية والتعددية بدأت تتحدث عن "الأغلبية" غير الممثلة لإرادة الشعب! 
 
"
على القوى العلمانية الوطنية أن تعيد النظر في مفردات خطابها لتحترم اقتناعات ومعتقدات غالبية المصريين. أما القول بالفصل التام بين الدين والسياسة فهو يخالف التوجهات العامة ليس في مصر وحدها وإنما في كثير من أنحاء العالم
"
وراحت تبحث عن حلول نخبوية للتغطية على فشلها في الانتخابات مثل القول بإعطاء الأقلية حق الاعتراض في مجلس الشعب وهلم جرًّا. ولعل أغرب ما سمعت من هذه القوى العلمانية هو اتهام الشعب المصري بالجهل والأمية وعدم الوعي السياسي، وهو الأمر الذي لا يؤهله لممارسة الديمقراطية الحقة. وعلى أية حال فإن الخطاب العلماني في مصر بعد الثورة اتسم بالخصائص الآتية:
 
1- لا يزال هذا الخطاب أسير مقولات الحداثة الثقافية الغربية التي ترفض التأويلات الغيبية والدينية في تفسير حركة الكون والتاريخ. ولا شك أن هذه الرؤية تراجعت بشكل ملحوظ منذ أواخر القرن العشرين حيث شهد العالم تطورًا ملحوظًا ومتزايدًا في الوعي الديني. ألم يصبح اليمين الديني المتطرف في الولايات المتحدة قوة سياسية لها وزنها؟!. ولعل أبرز نتائج ثورات الربيع العربي تتمثل في إعادة الاعتبار لعلاقة الدين بالسياسة.
 
2- النخبوية وعدم الارتباط بالجماهير. لقد ظل الخطاب الليبرالي على سبيل المثال مرتبطًا بمجموعة من المثقفين ورجال الأعمال من ذوي التوجهات الموالية للغرب ولنظامه الرأسمالي. وقد اعتمد هؤلاء على مصادر تمويل محلية وأجنبية وعلى وسائل إعلام خاصة وعامة لترويج أفكارهم بعيدًا عن الالتحام بالجماهير. ولم يكن بمستغرب أن يفشل أحد الأحزاب الليبرالية الأساسية في الحصول على مقعد واحد في برلمان الثورة.
 
3- الميل إلى استخدام الأسلوب الذرائعي. فقد لجأ هذا النوع من الخطاب العلماني إلى اتهام الآخر، وهو الخطاب الإسلامي، باستخدام الدين في المعترك السياسي، على الرغم من أن بعض الأحزاب الليبرالية قامت بالتنسيق مع الكنيسة المصرية في انتخابات البرلمان الأخيرة. كما ذهب هذا الخطاب أيضا إلى القول بشيء من التبسيطية الشديدة بأن غلبة الأمية وعدم الوعي السياسي على جماهير الناخبين جعلتهم يصوتون لصالح الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية.
 
4- الانقسام وغياب الرؤية. ليس خافيًا أن الخطاب العلماني في مصر بعد الثورة عكس حالة الانقسام والتشرذم التي تعيشها القوى السياسية الليبرالية والعلمانية عمومًا. فبينما تحالفت بعض هذه القوى مع جماعة الإخوان المسلمين لم تستطع القوى الباقية أن تشكل ائتلافًا موحدًا لمواجهة قوة الإسلاميين الضاربة ولو على الصعيد الانتخابي.
 
إن على القوى العلمانية الوطنية أن تعيد النظر في مفردات خطابها لتحترم اقتناعات ومعتقدات غالبية المصريين. أما القول بالفصل التام بين الدين والسياسة فهو يخالف التوجهات العامة ليس في مصر وحدها وإنما في كثير من أنحاء العالم المتقدم والنامي على حد سواء.
 
الخطاب الإسلامي
لقد شهدت مصر الثورة تحولاً فارقًا في بنية الحكم والسلطة حيث انتقلت القوى الإسلامية مثل "الإخوان المسلمون" وتنظيم الجماعة الإسلامية والجهاد من حالة الاضطهاد واللاشرعية في ظل النظام البائد لتصبح هي نفسها مصدرًا للشرعية السياسية وشريكًا في الحكم من خلال برلمان الثورة.
 
وإذا أخذنا بعين الاعتبار بروز التيار السلفي قوةً سياسية كبرى جديدة اتضح لنا بجلاء مدى تنوع وتعدد الخطاب الإسلامي على الرغم من وحدة مرجعيته الدينية. وثمة مفارقات واضحة يعكسها الخطاب الإسلامي بعد الثورة الذي اتسم بالآتي:
 
1- المرونة والواقعية. لقد حرص الإسلاميون منذ البداية على عدم الاصطدام بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة، واستطاعوا في مناسبات محددة استخدام الضغط الثوري لتمرير مطالبهم كما كان الحال في إسقاط وثيقة الدكتور على السلمي الخاصة بالمبادئ الدستورية الحاكمة. ومن جهة أخرى قبل الإسلاميون بمفهوم الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية، وهو لا يتنافى مع مفهوم الدولة المدنية الذي أصرت عليه القوى العلمانية.
 
2- غلبة السياسي على الديني. لقد كانت الصورة الإعلامية الدارجة هي أن خطاب الإسلاميين معني بالأساس بقضايا المرأة والسلوك العام وضرورة أسلمة المظهر العام في المجتمع. بيد أن خطاب الإسلاميين وأداءهم السياسي، لا سيما حزب الحرية والعدالة (الإخوان المسلمون) خالفَا ذلك تمامًا. إننا أصبحنا نستمع إلى مفاهيم الديمقراطية والتوافق والتعددية تتردد كثيرًا على ألسنة الإسلاميين في مصر.
 
3
"
حوار الإخوان المسلمين مع بعض الموفدين من حكومات الولايات المتحدة والدول الغربية وتوكيدهم على احترام العهود والمواثيق الدولية لمصر إنما يؤكد زيف "الفزاعة" التي حاول النظام البائد أن يرهب بها الغرب
"
- القدرة على فهم متغيرات المحيط الإقليمي والدولي لمصر. وأحسب أن حوار الإخوان المسلمين مع بعض الموفدين من حكومات الولايات المتحدة والدول الغربية وتوكيدهم على احترام العهود والمواثيق الدولية لمصر إنما يؤكد زيف "الفزاعة" التي حاول النظام البائد أن يرهب بها الغرب. ولا يخفى أن وصول الإسلاميين إلى السلطة من خلال صناديق الانتخاب سوف يمثل قيدًا عليهم في ممارسة السلطة.
 
4- إشكالية العلاقة بين العمل الدعوي والعمل السياسي. على أن هناك تباينات في الخطاب الإسلامي في هذا الصدد. فالخطاب السلفي على سبيل المثال لا يزال أسير العمل الدعوي نظرًا لحداثة عهده بالممارسة السياسية. ولذلك يغلب على مفردات هذا الخطاب نفس مفردات الخطاب الديني الدعوي.
 
وربما نتذكر هنا وصف أحد النواب السلفيين بمجلس الشعب للولايات المتحدة بأنها "دولة الكفر". وربما استطاعت جماعة الإخوان المسلمين تجاوز هذه الإشكالية، ولو بشكل نسبي. ما العمل إذن؟
 
إن على جميع القوى السياسية والثورية في مصر إدراك حقيقة أن الثورة لا تزال مستمرة، وهو ما يستدعي التكاتف من أجل تحقيق كافة مطالبها. ويقتضي ذلك -كما أسلفنا القول- ضرورة مراجعة وتجديد الخطاب السياسي لكافة القوى، أغلبية ومعارضة، من أجل البحث عن قواسم مشتركة.
 
عندئذ يمكن الحديث عن ثلاث أولويات كبرى لاستكمال مسيرة الثورة: أولها: إصلاح منظومة القضاء حتى يمكن تحقيق العدالة الناجزة والقصاص للشهداء والمصابين, وثانيا هيكلة منظومة الأمن لإعادة الثقة المفقودة بجهازه والقضاء على حالة الانفلات الأمني. وثالثا هيكلة منظومة الإعلام الذي طالته يد الإفساد على مدى نصف قرن أو يزيد. هذا هو التحدي الحقيقي أمام الثورة المصرية في عامها الثاني.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك