عبد الجليل زيد المرهون

عبد الجليل زيد المرهون

باحث وخبير إستراتيجي متخصص في شؤون النظام الإقليمي الخليجي.


 
سجل الإنفاق العسكري العالمي نمواً قياساً خلال الأعوام العشرة الأولى من هذا القرن. واستمر هذا النمو في غالبية مناطق العالم، على الرغم من الأزمة المالية العالمية، التي ألقت بظلالها على مجالات الإنفاق المدنية في الكثير من الدول.
 
ولا يشير تطوّر الإنفاق العسكري بالضرورة إلى وجود سباق تسلّح في منطقة أو إقليم معين، لكنه غالباً ما يُعبر عن توترات كامنة أو ظاهرة، وغياب للتفاهمات الثنائية والمتعددة. وهو يؤشر عادة إلى غياب الردع المستقر، على مستوى المناطق والأقاليم.
 
لقد ارتفع الإنفاق العسكري العالمي من 1044 مليار دولار عام 2001 إلى 1630 مليار دولار عام 2010. وهو يمثل 2.6% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (GDP). أو ما يعادل 236 دولارا لكل فرد في المعمورة.

وجاء إنفاق العام 2010 متقدماً بنسبة 1.3% (بالقيمة الحقيقية) على الإنفاق المسجل عام 2009، وبـ50% قياساً بالعام 2001.
وعلى الرغم من ذلك، جاءت الزيادة في الإنفاق العسكري عام 2010 أقل مما كانت عليه في السنوات الأخيرة.
 
جاء ترتيب الدول الخمس الأولى من حيث حجم الإنفاق العسكري عام 2010، على النحو التالي: الولايات المتحدة (698 مليار دولار)، الصين (119 مليار دولار)، بريطانيا (59.6 مليار دولار)، فرنسا (59.3 مليار دولار) وروسيا (58.7 مليار دولار).
 
ومن ناحية أخرى، بلغ إجمالي الإنفاق العسكري في أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية (باستثناء قطر) 67.85 مليار دولار في العام 2010، صعوداً من 44.43 مليار دولار عام 2001. 
 
"
تعد مصر أقوى دولة في القارة الأفريقية على صعيد القوة العسكرية الإجمالية، حيث احتلت المركز السادس عشر عالمياً، تلتها بمسافة كبيرة جمهورية جنوب أفريقيا، التي جاءت في المركز 31، ثم الجزائر في المركز 38 وليبيا في المركز 39
"
وعلى الرغم من تنامي إنفاقها العسكري، فإن دول الخليج لم تبلور حتى اليوم مفاهيم واضحة للردع.
 
من جهتها، سجلت دول الشرق الأوسط مجتمعة إنفاقاً عسكرياً قدره 111 مليار دولار في العام 2010، صعوداً من 78.2 مليار دولار عام 2001، أي بزيادة قدرها 35%. وكان هذا الإنفاق قد بلغ 89.5 مليار دولار عام 2005، و101 مليار دولار عام 2007. 
 
وهذا يعني أن أقطار مجلس التعاون لدول الخليج العربية قد استحوذت عام 2010 على نحو 70% من إجمالي الإنفاق العسكري للشرق الأوسط.

وفي المجمل، ساهم الشرق الأوسط بما نسبته 7% من الإنفاق العسكري العالمي، مقابل 2% لأفريقيا، 4% لأميركا اللاتينية، 19% لآسيا والأوقيانوس، 23% لأوروبا و45% لأميركا الشمالية. 
 
وعلى صعيد القدرة العسكرية الإجمالية، أو قوة النيران (Firepower) في دول الشرق الأوسط، حلت تركيا في المركز السادس عالمياً، وإسرائيل في المركز العاشر. وذلك وفقاً لمؤشرات العام 2011.
 
وعلى الصعيد الأفريقي، بلغ إجمالي الإنفاق العسكري 30.1 مليار دولار، وفقاً لمؤشرات العام 2010، صعوداً من 17.4 مليار دولار عام 2001، مسجلاً زيادة قدرها 64%.
 
وكان هذا الإنفاق قد بلغ 21.4 مليار دولار عام 2005 و23.2 مليار دولار عام 2007.
 
وبلغ الإنفاق العسكري في شمال أفريقيا 10.6 مليارات دولار في العام 2010، صعوداً من 6.2 مليارات دولار عام 2001. وبلغ في أفريقيا جنوب الصحراء 19.5 مليار دولار.
 
وتعد مصر أقوى دولة في القارة الأفريقية على صعيد القوة العسكرية الإجمالية، حيث احتلت المركز السادس عشر عالمياً، تلتها بمسافة كبيرة جمهورية جنوب أفريقيا، التي جاءت في المركز 31، ثم الجزائر في المركز 38 وليبيا في المركز 39.
 
على صعيد مؤشرات الإنفاق العسكري في أوروبا، بلغ إجمالي إنفاق القارة 376 مليار دولار عام 2010، منها 317 مليار دولار لدول غرب ووسط أوروبا، و59.1 لدولها الشرقية، ويقصد بها في هذا التصنيف روسيا وأوكرانيا ومولدافيا وبيلاروسيا وجورجيا وأرمينيا وأذربيجان.

وبلغ إجمالي الإنفاق العسكري في دول الاتحاد الأوروبي مجتمعة 288 مليار دولار وفقاً لمؤشرات العام 2010. وبلغ هذا الإنفاق في دول الناتو الأوروبية 298 مليار دولار.
 
وخلال الفترة بين 2001-2008 تراجع إجمالي الإنفاق العسكري الأوروبي بنسبة 1.9%. وتراجع الإنفاق على المشتريات الدفاعية 10%، وعلى البحث العلمي الدفاعي 14%.
 
وقد سُجل في بريطانيا أعلى إنفاق عسكري في أوروبا عام 2010، حيث بلغ 59.6 مليار دولار. ومن ناحيتها، سجلت فرنسا إنفاقاً عسكرياً قدره 59.3 مليار دولار (الرابعة عالمياً). كما بلغ هذا الإنفاق 45.2 مليار دولار في ألمانيا (الثامنة عالمياً)، وبلغ في إيطاليا 37 مليار دولار (العاشرة عالمياً).
 
وقد صدرت عدة تحذيرات في الولايات المتحدة من أن التراجع المستمر في الإنفاق الدفاعي الأوروبي من شأنه أن يحول دون اضطلاع أوروبا بأي دور مؤثر في قضايا الأمن الدولي. ورأى البعض أن خفض الإنفاق الدفاعي المستمر يعني أن أوروبا لن يكون بمقدورها مستقبلاً المساهمة على نحو نشط في مهام خارج القارة.
 
ووفقاً لتقديرات دولية، فإن 2.7% فقط من عناصر جيوش دول الاتحاد الأوروبي لديهم الاستعداد لتحقيق المهمة المطروحة عليهم.
 
"
في السلّم العالمي للقوة العسكرية الإجمالية احتلت بريطانيا المركز الخامس، في حين جاءت فرنسا في المركز الثامن، وألمانيا في المركز الثالث عشر، وإيطاليا في المركز السابع عشر
"
ويُمثل هذه النسبة 79 ألف جندي، شاركوا في العمليات العسكرية وعمليات دعم السلام، في الأعوام القليلة الماضية، في حين أن سائر الجنود الآخرين المنتسبين إلى جيوش دول الاتحاد الأوروبي غير متأهبين للقتال. ويبلغ تعداد هذه الجيوش حوالي مليوني جندي.
 
وحسب هذه التقديرات، فإنه ليس بمقدور القوات المسلحة لدول الاتحاد الأوروبي، مع استثناءات قليلة، تنفيذ مهام تطرحها الحكومات. ولا يوجد -والحالة هذه- ما يمهد لإنشاء جيش أوروبي موحد.
 
وفي السلّم العالمي للقوة العسكرية الإجمالية، احتلت بريطانيا المركز الخامس، في حين جاءت فرنسا في المركز الثامن، وألمانيا في المركز الثالث عشر، وإيطاليا في المركز السابع عشر.
 
ثالثاً: الإنفاق العسكري في الأميركيتين
على صعيد الإنفاق العسكري في الدول الأميركية، بلغ إجمالي هذا الإنفاق 791 مليار دولار، وفقاً لمؤشرات العام 2010. وذلك ارتفاعاً من 436 مليار دولار عام 2001. أي بزيادة قدرها 76%. وكان هذا الإنفاق قد بلغ 613 مليار دولار عام 2005، و644 مليار دولار عام 2007.
 
وبلغ إجمالي الإنفاق العسكري في أميركا الوسطى والكاريبي 6.5 مليارات دولار، وفقاً لمؤشرات العام 2010، وذلك صعوداً من 4.6 مليارات دولار عام 2001.
 
وفي نطاق الفترة ذاتها، بلغ إجمالي الإنفاق العسكري في أميركا الجنوبية 63.3 مليار دولار، صعوداً من38.7 مليار دولار. وفي أميركا الشمالية 721 مليار دولار، صعوداً من 392 مليار دولار.
 
وفي ذات الفترة كذلك، بلغ إنفاق الولايات المتحدة العسكري 698 مليار دولار، صعوداً من 379 مليار دولار، أي بزيادة قدرها 81%.

وكان إنفاق الولايات المتحدة العسكري قد بلغ 553 مليار دولار عام 2005 و576 مليار دولار عام 2007.
 
وفي الصورة المقابلة، صدّرت الولايات المتحدة، خلال الفترة بين عامي 2000-2010، أسلحة ومعدات عسكرية بقيمة 74841 مليون دولار. ويتضمن هذا المبلغ الصفقات الخاصة بالأسلحة والعتاد العسكري، لكنه قد لا يشمل بالضرورة برامج التدريب وصيانة السلاح. وذلك فضلاً عن الخدمات اللوجستية، مثل تشييد القواعد والمطارات والبنى التحتية العسكرية.
 
وقد استحوذت الطائرات العسكرية على نحو 59% من إجمالي الصادرات العسكرية الأميركية، خلال هذه الفترة، في حين بلغت حصة الصواريخ والقذائف الصاروخية 15.8%، والدبابات والآليات المدرعة 8.6%.
 
على صعيد الإنفاق العسكري في روسيا، بلغ هذا الإنفاق 1782 مليار روبل (58.7 مليار دولار)، وفقاً لمؤشرات العام 2010، مسجلاً انخفاضاً قدره 1.4% عن العام 2009. بيد أنه أعلى بنسبة 82% قياساً بعام 2001.
 
وكان الإنفاق العسكري السوفياتي، في ثمانينيات القرن العشرين، يستحوذ على نحو 18% من الدخل القومي للدولة السوفياتية. وكانت الصناعة الحربية السوفياتية توظف نحو عشرة ملايين عامل.
 
"
كان الإنفاق العسكري السوفياتي في ثمانينيات القرن العشرين يستحوذ على نحو 18% من الدخل القومي للدولة السوفياتية، وكانت الصناعة الحربية السوفياتية توظف نحو عشرة ملايين عامل
"
وعلى خلفية أزمة التسعينيات التي عاشتها روسيا، في ظروف التحوّل الاقتصادي والسياسي الحاد، انخفض الإنفاق العسكري الروسي بصورة كبيرة، حيث تقلص بنسبة 32% في الفترة بين 1992-1998، من 5.5% إلى 3.3% من الناتج القومي الإجمالي للدولة.
 
بعد ذلك، ارتفع الإنفاق العسكري الروسي في الفترة بين عامي 2000-2004، بنسبة تقدر بنحو 60%.
 
وتحتل روسيا، وفقاً لمعطيات العام 2011، المرتبة الثانية عالمياً على صعيد القوة العسكرية الإجمالية. بيد أن هذا المؤشر الإجمالي لا يُمثل البعد الأهم في معادلة التوازن القائم بينها وبين الولايات المتحدة، التي لا تزال محكومة بعامل الردع النووي.
 
وتمتلك روسيا حالياً 11 ألف رأس نووي، من النوعين التكتيكي والإستراتيجي، مقابل 8500 رأس للولايات المتحدة. ويبلغ عدد الرؤوس النووية، الإستراتيجية والتكتيكية، حول العالم حوالي 20 ألفا و530 رأساً.

وفي المقارنة الكلية بين القوتين الأميركية والروسية، يُمكن ملاحظة اختلال واضح في الموازين لمصلحة الولايات المتحدة. ويشمل ذلك، بصفة خاصة، القدرات الجوية والبحرية.
 
وعلى سبيل المثال، تستطيع الطرادات والمدمرات الأميركية، في الوقت الراهن، حمل بضعة آلاف من الصواريخ الجوالة (كروز)، في حين لا توجد لدى روسيا سوى عشرين غواصة نووية قادرة على حمل مثل هذه الصواريخ. ومجموع ما يُمكنها حمله في طوربيداتها لا يتجاوز المائة صاروخ.
 
كذلك، لا زال الدفاع الجوي الروسي غير قادر على التصدي لصواريخ كروز الأميركية المنطلقة من البحر (SLCM). وهذا ينطبق أيضاً على القاذفات الإستراتيجية الروسية، التي تتمركز فقط في قاعدتين جويتين، في منطقتي ساراتوف (Saratov) وآمور (Amur). وتُعد هذه القاذفات بمثابة أهداف كبيرة وضعيفة للهجمات الجوية.

ومن جهة ثالثة، لا تتمتع السفن السطحية التابعة للبحرية الروسية بأية أنظمة دفاع جوي قادرة على مواجهة صواريخ كروز. ولا توجد لدى هذه السفن أنظمة دفاعية قريبة في قدراتها من أنظمة إيجس (Aegis Missile Defense System)، المثبتة على السفن الحربية الأميركية.
 
على صعيد مؤشرات الإنفاق العسكري في  منطقة آسيا والأوقيانوس، بلغ هذا الإنفاق 317 مليار دولار، وفق مؤشرات العام 2010، صعوداً من 177 مليار دولار عام 2001. وكان هذا الإنفاق قد بلغ 216 مليار دولار عام 2005 و246 مليار دولار عام 2007.
 
وقد توزع الإنفاق العسكري في أقاليم آسيا عام 2010 على النحو التالي:
شرق آسيا 211 مليار دولار، وسط وجنوب آسيا 52.1 مليار دولار، جنوب شرق آسيا 28.7 مليار دولار والأوقيانوس 25.7 مليار دولار.

وفي العام ذاته، بلغ إجمالي الإنفاق العسكري في الصين 114.3 مليار دولار، صعوداً من  39.5 مليار دولار عام 2001.
 
وشهدت منطقة شرق آسيا نمواً متسارعاً في برامج الدفاع والتسلّح. وقادت هذا النمو، بصفة أساسية، دول شمال (شرق) القارة، كما بدت دول جنوبها الشرقي ذات حضور كبير هي الأخرى في مشاريع الإنفاق العسكري.

وتصدرت كل من الصين وكوريا الجنوبية وسنغافورة سباق التسلّح في المنطقة، في حين ظل مسار التسليح منخفضاً في كل من الفلبين وتايلاند.
 
وتمثل الأزمة الكورية محفزاً رئيسياً للتسلّح في كل من اليابان وكوريا الجنوبية، في حين تمثل القوة الصينية سبباً لتعاظم الإنفاق العسكري في تايوان. 
 
"
مؤشرات الإنفاق العسكري في منطقة آسيا والأوقيانوس، بلغ 317 مليار دولار، وفق مؤشرات عام 2010، صعوداً من 177 مليار دولار عام 2001. وكان هذا الإنفاق قد بلغ 216 مليار دولار عام 2005 و246 مليار دولار عام 2007
"
في المقابل، لا تبدو مفهومة خلفيات الإنفاق الدفاعي القياسي في سنغافورة. وكذلك العودة المتسارعة لبرامج التسليح في كل من إندونيسيا وماليزيا. ويبقى الأمر الواضح هو أن الدول الثلاث قد دخلت في سباق تسلّح لا جدوى منه، وذلك في ظل الاختلال الكبير لموازين القوى بينها.
 
ولعل الأمر الأكثر بروزاً في عموم المنطقة، هو أن الإنفاق العسكري في الصين قد نما بوتيرة فائقة، متأثراً بقضية تايوان، والتنافس الإستراتيجي مع الهند، وتطوّر الوجود الأميركي في الباسفيك، والشعور باتساع الفجوة التكنولوجية بين القوة الصينية ومثيلاتها الغربية عامة.
 
ويضاف إلى هذه العوامل، النزاعات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي، الدائرة بين الصين وكل من ماليزيا والفلبين وفيتنام. وهذا فضلاً عن النزاع مع اليابان على جزر (Senaku/Diaoyu).
 
وتحتل الصين المرتبة الثالثة عالمياً على صعيد القدرة العسكرية الإجمالية، تليها الهند في المرتبة الرابعة. 
 
ومن ناحيتها، حلت كوريا الجنوبية في المرتبة السابعة عالمياً، واليابان في المرتبة التاسعة، وتايوان في المرتبة 14 وباكستان في المرتبة 15. وذلك وفقاً لمؤشرات العام 2011.
 
وفي إطار النزاع القائم مع تايوان، عززت الصين من قدراتها العسكرية على طول شواطئها الشرقية الجنوبية، ونصبت عليها حوالي 450 صاروخاً باليستياً من طراز (  CSS–6). ووفقاً لمصادر دولية، فإن هناك نحو 1500 صاروخ صيني، قصير ومتوسط المدى، موجهاً نحو تايوان.
 
وما يُمكن قوله خلاصة، هو أن الإنفاق العسكري العالمي شهد قفزة كبيرة في السنوات العشر الأولى من هذا القرن. ويُمكن النظر إلى تنامي الإنفاق العسكري باعتباره مؤشراً حسياً على اضطراب بيئة الأمن الدولي، واتساع رقعة النزاعات، وضعف إجراءات الثقة، وتنامي سباق التسلّح، الفاقد غالباً لخاصية الردع المستقر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك