ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني



يُخيل إليَّ أنه لو اختار الشيخ أسامة بن لادن توقيتا لنهاية رحلته، لما وجد أفضل من التوقيت الذي اغتيل فيه، ففي توجيهاته الأخيرة كما عكستها أوراق البيت الذي قتل فيه بمدينة إبت آباد الباكستانية، كان الرجل يجاهد من أجل إقناع أتباعه بالتركيز على أميركا "رأس الكفر"، أو ما كان يُعرف بالعدو البعيد، بينما يراهم منشغلين بصراعات داخلية مع الأنظمة في عدد من الدول.

نشأ تنظيم القاعدة -أو قاعدة الجهاد وفق التسمية الأصلية- عندما تمكن أسامة بن لادن من إقناع أيمن الظواهري بترك الجهاد ضد العدو القريب (النظام المصري في حالة تنظيم الجهاد بزعامة الظواهري)، والانشغال بقتال "رأس الكفر" أميركا التي تعتدي على العالم الإسلامي وتدعم الأنظمة الفاسدة وتحميها. وكان العنوان السابق هو "الجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين".

على هذا الأساس بدأت فكرة التنظيم الجديد، ومن أجله بدأت عمليات التنظيم الكبرى: من السفارتين الأميركيتين في نيروبي ودار السلام، إلى ساحل اليمن (عملية المدمرة الأميركية كول)، وصولا إلى الضربة الكبرى "غزوة مانهاتن" في الولايات المتحدة يوم 11 سبتمبر/أيلول 2001.

والحق أن الفكرة التي ناضل من أجلها بن لادن حققت أهدافا كبيرة، بل ربما جزءا كبيرا من أهدافها، ورحل الرجل بعدما أثخن في الولايات المتحدة التي تورطت في العراق وأفغانستان، وانتهت بعد مواجهة طويلة مع "الإرهاب" إلى الهبوط من مرتبة أكبر إمبراطورية في التاريخ البشري كما استلمها جورج بوش الابن، إلى واحدة من القوى الكبرى، وإن تكن أقواها إلى الآن.

الفكرة التي ناضل من أجلها بن لادن حققت أهدافا كبيرة، بل ربما جزءا كبيرا من أهدافها، ورحل الرجل بعدما أثخن في عدوه

مشروع الغزو الأميركي للعراق الذي أريد له أن يكون محطة لإعادة تشكيل المنطقة برمتها، انتهى إلى فشل ذريع ساهم تنظيم القاعدة فيه بشكل كبير لا ينكره مراقب محايد، بينما يبدو مشروع غزو أفغانستان سائرا في الاتجاه ذاته.

في المواجهة الطويلة والمضنية، خسر تنظيم القاعدة خيرة قادته واحدا تلو الآخر، بينما كانت الولايات المتحدة تدفع أعدادا كبيرة من أرواح أبنائها -دعك من آلاف المعوقين- وأموالا ضخمة أورثتها أزمة مالية كبرى، الأمر الذي أفضى في النهاية إلى تراجع سياسي دفع قوىً كثيرة إلى التمرد عليها في أكثر من مكان في العالم، مع صعود قوى جديدة منافسة.

مضى أسامة بن لادن إلى ربه مع هذه الخاتمة، لكن الفكر الذي أنتج تنظيم القاعدة (السلفية الجهادية) لم يلبث أن عاد من جديد إلى أبجدياته السابقة، من حيث تركيز المواجهة مع العدو القريب تاركا العدو البعيد دون اهتمام يذكر، ربما باستثناء مغامرات فردية هنا وهناك.

بل إن بعض تجليات هذا الفكر لم تجد حرجا على سبيل المثال في قبول دعم أميركي غربي من أجل الصراع مع طاغية محلي كما حصل في ليبيا على سبيل المثال، وإن تكن الجماعة الليبية المقاتلة قد تركت عمليا فكر القاعدة والسلفية الجهادية بطبعتها التقليدية، وانخرطت في مراجعات فكرية تشبه -بل ربما تتفوق على- المراجعات التي أنتجها تنظيم الجماعة الإسلامية في مصر، ومعه عدد من رموز تنظيم الجهاد.

اليوم يميل تيار السلفية الجهادية إلى ترك كامل لأي مواجهة مع "العدو البعيد"، مركزا الجهد على العدو القريب ممثلا في الأنظمة، من اليمن إلى الصومال إلى مالي والمغرب العربي، وحتى سوريا وربما العراق أيضا.

لم تعد مواجهة العدو البعيد واردة على أجندة هذه المجموعات، باستثناء خطف أجنبي هنا أو هناك لهدف محدد هو مقايضته بمعتقلين كما وجَّه أيمن الظواهري أتباعه في إحدى رسائله الأخيرة.

تيار السلفية الجهادية اليوم يميل إلى ترك كامل لأي مواجهة مع العدو البعيد، مركزا الجهد على العدو القريب ممثلا في الأنظمة

بن لادن في رسائله الأخيرة رحب بشدة بالربيع العربي، ونصح أتباعه بعدم التورط في مواجهة القوى الإسلامية التي ستفوز في الانتخابات (لم يكن ذلك قد حصل حينها) والتركيز على الدعوة، ولم يتطرق إلى سوريا لأن المواجهة لم تكن قد احتدمت بعد.

والحال أن نجاح الربيع العربي في بعض تجلياته لم يكن ليتم لو بقيت أميركا بقوتها التي كانت عليها يوم ضربها بن لادن في عقر دارها يوم 11 سبتمبر/أيلول 2001، لكن تراخي قبضتها على العالم بعد فشلها الذريع في العراق وتخبطها في أفغانستان، هو الذي جعلها عاجزة عن نصرة أهم حلفائها كما هو حال النظام التونسي والمصري واليمني، وحتى الليبي الذي كان قد سوّى علاقته معها بطريقة مذلة.

اليوم يمكن القول إن انتساب عدد من المجموعات الجهادية إلى تنظيم القاعدة بالاسم أو الشعار لم يعد ذا معنى، إذ إنها تسير على نهج آخر هو نهج السلفية الجهادية بطبعتها التقليدية التي تتوفر في تنظيرات عدد من رموزها من أمثال أبو محمد المقدسي وسواه، وإن حملت كتاباته الأخيرة قدرا من المراجعة التي تختلف بقدرٍ ما عن مراجعات الجماعات المصرية والليبية.

وإذا أمكن القول إن ربيع العرب بطبعته التونسية والمصرية واليمنية قد همّش فكر السلفية الجهادية لصالح الثورات الشعبية التي تطيح بالحاكم المستبد وتقبل بالتعددية بديلا عنه، فإن التطور الذي وقع في سوريا أعاده إلى ساحة الفعل من جديد، وبقدر من المشاكسة في دول أخرى كما هو الحال في تونس، مع بقاء المواجهة قائمة إلى الآن في اليمن، وإن تكن قابلة للتوقف لو توفرت وساطات مخلصة ومقبولة.

على أن ما يجري في سوريا لا يعني أن الفكر السلفي الجهادي حصل على دفعة قوية لزمن يطول، إذ إن الثورة هناك ليست ثورة وفق ذات النهج، بقدر ما هي ثورة حرية وتعددية بدأت سلمية ثم اضطرت إلى حمل السلاح، وحين تنتصر لن يقبل الناس بأن يفرض أحد عليهم نهجه بالقوة (ربع السكان أصلا ليسوا مسلمين سنّة)، بدليل الحالة الليبية التي كان للجماعات المجاهدة دور كبير في انتصارها، لكنها ما لبثت بعد الانتصار أن مالت إلى الانخراط في اللعبة الديمقراطية، وبدليل أن جهاديين سابقين في مصر ما لبثوا أن انخرطوا أيضا في لعبة التعددية بعد نجاح الثورة.

إذا كان فرض النهج بالقوة لم ينجح في الصومال رغم كونه بلدا متخلفا إلى حد ما، فإنه لن ينجح من باب أولى في الدول الأخرى التي تتمتع بحراك سياسي وقوىً حزبية وشبابية

ليس بوسع السلفية الجهادية ولا غير الجهادية ولا الإخوان أو أي جماعة أخرى إسلامية أو غير إسلامية، أن تفرض على الناس ما تريده بسطوة القوة والعنف، ولن يكون أمام سائر القوى غير القبول بالتعددية وإقناع الناس بمنهجها عبر الدعوة والحوار.

هذا هو المسار الوحيد الممكن أمام أي تيار سياسي، وإذا كان فرض النهج بالقوة لم ينجح في الصومال رغم كونه بلدا متخلفا إلى حد ما، فإنه لن ينجح من باب أولى في الدول الأخرى التي تتمتع بحراك سياسي وقوىً حزبية وشبابية قد لا يلتقي بعضها مع الإسلاميين في العموم، فضلا عن أكثرهم تشددا في الطرح الفكري والاجتماعي.

إن المشاركة في إسقاط طاغية ما سواء أكان بقوى الثورة الشعبية أم بقوة السلام، لا يمنح أحدا حق الوصاية على الناس، وهم وحدهم من يختارون من يمثلهم، وسيكون بوسعهم أن يختاروا سواه إذا لم يعبر عن ضميرهم وهمومهم.

من هنا يمكننا أن نتوقع مراجعات دائمة لهذا التيار بحسب الظروف الموضوعية، لأن البرامج غالبا ما تحكمها الوقائع والظروف الموضوعية وليس الأفكار وحدها، وسيرة الجماعات في تغيير مسارها بين مرحلة وأخرى معروفة في سائر التجارب التاريخية، فكيف في الجماعات الإسلامية التي تحضر عندها قاعدة درء المفاسد وجلب المصالح، وينبغي أن يحضر عندها أيضا قدر كبير من الثقة بحرص الأمة على ثقافتها وهويتها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك