عبد الله الأشعل

عبد الله الأشعل

أستاذ القانون الدولي

حسم الشعب المصري خياراته مع الدستور والاستقرار ومنح فرصة للرئيس المنتخب لإنشاء نظام ديمقراطي تتحقق به وفيه أهداف الثورة. ولكن نتيجة الاستفتاء يجب أن تدرس دراسة دقيقة للتعرف على دلالاتها والقراءة الصحيحة لها من أجل المستقبل. ومعنى ذلك أن دروس معركة الدستور ظاهرة الأهمية من حيث قراءة المشهد المصري منذ الثورة حتى الآن وتحديد التحديات التي تواجهها مصر في مرحلة ما بعد الدستور.

أجمع الشعب المصري على أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لا بد أن تتغير وأن ينعم المواطن بالغذاء والشراب والمسكن والصحة، لكن الذي يحقق ذلك كله هو المعرفة والوعي

ويمكن القول إجمالاً إن الشعب المصري قد أجمع على عدد من الثوابت ولكنه تفرق في ما يتعلق بسبل تحقيق هذه الثوابت. فقد أجمع على أن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية لا بد أن تتغير، وأن ينعم المواطن بحد أدنى من الطعام والغذاء والمشرب الصحي والمسكن الصحي والرعاية الصحية والكرامة والتعليم والمواصلات، ولكن الذي يحقق ذلك كله هو المعرفة والوعي.

وهذه الثغرة هي التي باعدت بين الأهداف والنتائج. وأول دروس معركة الدستور تتعلق بالنخبة التي صورت الدستور على أنه إنتاج التيار الإسلامي وأنه لا يعبر عن المصريين جميعاً، وأنه يمكّن لدولة الإخوان المسلمين وليس للشعب المصري بكل طوائفه، وأنه أهدر مبادئ الثورة وأهدافها، وأنه يؤسس لدكتاتورية دينية تتخذ الشريعة مرجعية لأعمالها فلا تقبل النقد والاعتراض لأنه موجه إلى الشريعة وإلى المقدسات.

على الجانب الآخر صور أنصار الدستور الموقف على أنه بداية الطريق الصحيح، وأنه ينهي المرحلة الانتقالية التي تعرضت فيها مصر لكل المخاطر، وأن بإقرار الدستور سيبدأ عصر جني الثمار، كما أنه فريضة واجبة وأن المعارضين للدستور قد ارتكبوا فرية كبرى عليه، وأن الدستور عمل بشري يمكن استكمال نقائصه ولكن المهم أن نبدأ، وأن المعارضة لا يهمها إلا القفز على السلطة خاصة وأنه لوحظ أثر المال السياسي على بعض المشاهد.

أما المراقبون للطرفين فيرون أن الدستور بداية معقولة، وأن الخطأ الأكبر الذي لا راد له هو محاولة إشراك الشعب في صياغة الدستور بعد أن كان الخبراء هم الذين يضعونه، ولذلك بدأ التشكيك في كل شيء من الجمعية التأسيسية إلى أحكام الدستور بل في نتائج الاستفتاء الأول على الإعلان الدستور في 19 مارس/آذار 2011.

كذلك تضمن الدستور ثلاثة ألغام جعلت توحد المعارضة حول رفضه أمراً محتوماً. وهذه الألغام هي لغم الفلول حيث تضمن الدستور نصاً انتقالياً يتعلق بالعزل السياسي لرموز النظام السابق، وهو موقف كان القانون يتعامل معه ولكن حكم بعدم دستوريته.

أما اللغم الثاني فهو القضاء، حيث تضمن الدستور إصلاحاً حقيقياً للقضاء مما دفع بعض القضاة إلى اتخاذ مواقف سياسية يحاسب عليها القانون، وهو أمر غير مسبوق في جميع دول العالم، وهذه معركة ممتدة بين هؤلاء القضاة وبين التيار الإسلامي رغم أن بعض أحكام المحاكم الإدارية قد أنصفت هذا التيار ضد السلطة في عهد مبارك.

أما اللغم الثالث فهو المتعلق بمادتي التأميم والمصادرة، وهو أمر يثير الرعب في قلوب الذين حصلوا بغير وجه حق على أراضي وأموال الشعب حتى لو كان ما أخذوه يسوغه القانون الذي وضعه برلمانهم المزور حيث ساد الفساد بالقانون. وهي تهمة يعرفها القانون تحت عنوان "الإثراء بلا سبب". ولذلك فقد اتسعت دائرة المعارضين لأسباب تتعلق بمصالحهم. أضيف إليهم طبقة من السياسيين الذين يطمحون إلى المناصب حتى لو كلفهم ذلك التضحية بمصلحة الوطن والمواطنين.

التيارات العلمانية والليبرالية لا تزال قاسية في التعامل مع التيار الإسلامي، وقد آن الأوان لكي يعقد الجميع تفاهما يقبل فيه كل منهما الآخر، وأن يثق الجميع في الديمقراطية كطريق للتنافس

هذا البعد المتعلق بالمعارضة هو التحدي الأول الذي تواجهه مصر وليس النظام، والتحدي الأكبر هو قبول الحوار لأن الثورة دفعت الشعب المصري كله إلى ساحات جديدة بعيداً عن الشواطئ التقليدية التي كانت تعتصم بالثوابت والاستبداد وخليط من التراث والمأثور الديني الذي تم الاستعانة به لدعم الوضع الراهن ومقاومة التغيير. ودخل على هذا الخط عدد من زعماء الصوفية والسلفيين.

ولذلك فإن التحدي الثاني هو ظهور التيار الإسلامي كلاعب رئيسي في الساحة السياسية والعامة غريباً عن القوى التقليدية التي لم تره إلا في السجون والمعتقلات، ولذلك استكثرت عليه أن يمتد في الفضاء السياسي متفوقاً على هذه القوى بالتنظيم وشيء من الدين وإثارة تعاطف الشعب معه.

والحق أن التيارات العلمانية والليبرالية لا تزال قاسية في التعامل مع التيار الإسلامي، وقد آن الأوان لكي يعقد الجميع تفاهما يقبل فيه كل منهما الآخر، وأن يثق الجميع أن أدوات الديمقراطية وحدها هي المسموح بها في التنافس وليس في الصراع، وهذا من أهم الدروس القاسية التي ظهرت في معركة الدستور.

التحدي الثالث هو أن يعود الجميع إلى شاطئ جديد بدلاً من القديم الذي جرفته الثورة، فليس معقولاً أن تنطلق الحريات من عقالها فتكتسح الوطن وقيم المجتمع، وأظن أن الشاطئ الأقرب ولو بشكل مؤقت هو احترام شرعية الصناديق إلى أن يتم ترشيدها.

التحدي الرابع هو المتعلق بسلوك المعارضة، وهذه المعارضة كما ظهر في النتائج جبهة واحدة في الواقع قسمان، قسم مسه الدستور بقرح عميق وهم الطوائف الثلاثة التي أشرنا إليها وكلها من بقايا نظام مبارك، والقسم الثاني هو الطبقة السياسية التي ضللت الرأي العام وعمل البلطجية تحت لوائها واستخدمت الإعلام الفاسد بكثافة ملحوظة فأدى هذا إلى نشأة فريق من المضللين.

ولكن المعارضة انقلبت إلى مناهضة فضيعت على الشعب المصري فرصة ذهبية في التعرف على الحقيقة، وجارت بشكل واضح على حقه في المعرفة الصافية. ولعل تحليل المواقف الشعبية في الإعلام والشارع قد كشف عن حجم هذه الظاهرة المخيفة، وكيف أن الإعلام والمعارضة استغلوا جميعاً بعض الفئات من ضحايا نظام مبارك لكي يكونوا وقوداً في معركتهم ضد الوطن تحت ستار المعارضة.

التحدي الخامس يتعلق بالحكم، الذي لا يمكن له أن يستقيم إلا إذا بدأ على الفور بحكومة قوية وبرامج واضحة يجني الشعب أولى ثمارها وهو الأمل الحقيقي وليس الفجر الكاذب، وهذا يتطلب من الرئيس أن يستعين بكتائب الأكفاء والشرفاء والوطنيين من أبناء الأمة.

وإذا نجح في ذلك فإنه قد يكون قد أحسن للمعارضة التي نحتاجها واعية وجادة وحقيقية، وعند هذه النقطة سوف يتم الفصل بين الجزء المعارض والجزء المناضل منها، ولكن المعارضة في كل الأحوال ظاهرة، كما أن المعارضة الحقيقية ضرورية لإقامة النظام الديمقراطي.

من الضروري ترجمة الدستور ترجمة تشريعية وقضائية، وهي معركة نرجو أن يفطن الجميع إلى أهميتها

ويترتب على ذلك أن سلوك المعارضة ضد الدستور بما صحبها من صخب عنيف كان يمكن أن يعرض الأمة لخطر قاتل. ولكن يظل دائماً تحدي الإنجاز وتحدي المعارضة الصحيحة وتحدي التوافق على أولويات وطنية حقيقية هي أولويات مصر في المرحلة الجديدة.

بقي بعد ذلك أن نشير إلى واجبات ضرورية وهي ترجمة الدستور ترجمة تشريعية وقضائية، وهي معركة نرجو أن يفطن الجميع إلى أهميتها خاصة إذا تمكنت المعارضة من أن تكسب أرضاً تؤهلها لمقاعد البرلمان وكراسي السلطة، وهو أمل يتطلع إليه الجميع لأن الديمقراطية أمل في الصدور وتحتاج إلى قيم وثقافة ورجال لنقلها من مستوى الأمل إلى مستوى المؤسسات والسلوك.

العام الجديد يحمل لمصر الكثير من الآمال، ولكنه يحمل لكل أطراف العملية السياسية الكثير من المسؤوليات والأعباء، ونأمل أن نحتفل بالذكرى الثانية لثورة 25 يناير احتفالاً جماعياً تنتهي به حالة التربص والتوتر، وأن تستغل المناسبات القادمة لإدخال السرور على الشعب وليس للتربص في معركة جديدة لم يعد الشعب يطيقها كما لم يعد الوطن قادراً على ترف تحملها والمعاناة منها. 

المصدر : الجزيرة