توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

الأهمية الجيوسياسية لما يجري في الأردن في عهد الربيع العربي تحديدا ليست بحاجة للذكر أو التذكير, ولكنها حتما ليست بالأهمية التي زعمها رئيس وزراء الأردن بتصريحه الأخير بأنه "لو جرى شيء -للنظام الأردني- سيدفع الأخوة في الخليج نصف ثرواتهم لشراء منظومة صواريخ دفاعية".

ولكن قول الرئيس ذاك يؤشر على تخوفات "عليا" بدليل أن أجهزة أمنية رئيسة كالمخابرات كانت تُتّهم, وأحيانا تباهي, بالتغول على الحكومات, فرضت على الرئيس هذه المرة تبرئتها من قرار رفع أسعار المشتقات النفطية. فجاء قول الرئيس بأنه خالف رأي دائرة المخابرات العامة، وأن القرار قراره وحده ولا تتحمله لا الأجهزة الأمنية ولا القيادة (الملك). وتلك التبرئة المزدوجة تُنطِقُ الصمت الذي ران على القصر منذ إعلان رفع الأسعار والذي تجاوز العشرة أيام (لحظة إنهاء هذا المقال) وتشي ببعض ما يتداول من مخاوف على أعلى المستويات. 

تبرأ مدير الأمن العام -في مؤتمره الصحفي الذي لم يخل من التسييس ولا من التهديد- من قرار رفع أسعار المشتقات النفطية قائلا إن ذلك شأن سياسي ويبحث مع الحكومة

وحتى فيما يخص الشرطة والدرك المكلفين بالتصدي للحراك والمتهمين بقمعه وتعذيب معتقليه, فقد تبرأ مدير الأمن العام في مؤتمره الصحفي -الذي لم يخل من التسييس ولا من التهديد- من قرار الرفع قائلا إن ذلك شأن سياسي ويبحث مع الحكومة.

ويفسر المراقبون رفع وتيرة العنف في التعامل مع الحراك الشعبي وأعمال التدمير التي تنسب للحراك دون أية بينة, بتسويق أصحاب "الحل الأمني" أنفسهم لمواقع الحكم. ولكن يبدو من تداعيات قرار رفع الأسعار الأخير أن جريرة ذلك الرفع تفوق ما سبق وفعلته حكومات سابقة بتأكيدها على أن تلك الأفعال أصبحت نهجا ثابتا للحكم, وأن الدفع جار من كل هؤلاء "الخاطئين الأوائل" بالتصدي لرد الفعل الشعبي وليس للفعل الرسمي الذي تنصُّلُ كامل الجسم الأمني منه أقرب للاعتراف بخطأه, ولكن دون أية نية للرجوع عن ذلك الخطأ.

ولا يسعف الرئيس إضافته: "أنا أقوى من المخابرات العامة، هم أوصوا ولكن القرار لي". فبعد أن تنكر لحظة تعيينه رئيسا للوزراء لكل ما دعا إليه كنائب, قبوله منفردا لتبعات القرار لا يعني كونه "الأقوى" في مطبخ القرار بل الأضعف الذي يقبل بأي شيء مقابل لقب ومزايا "دولة الرئيس" التي سقطت عنها كل ميزة معنوية بدءا "بالهيبة". وهو ذات ما سقط فيه قبله ابن بلدته الدكتور معروف البخيت (رسالتي المفتوحة إلى البخيت توضح ذلك) في تمرير صفقة الكازينو أو تبرئة حيتان الفساد وفي تبعات قمع الحراك الشهيرة على دوار الداخلية حيث سقط أول شهيد للحراك, تبعه الشهيد الثاني قبل أيام (وكلاهما سقط في عهد مدير الأمن الحالي), ولم يظهر أن أحدا ممن يتبجحون بمقولة "أنا المسؤول" يتحمل مسؤولية حياة بشرية لا أقل.

وهذا الغياب الصارخ لمفهوم مسؤولية "أصحاب القرار" الفردية والجمعية -التي استدعت استقالة وزير النقل في مصر- تراجعه عندنا سجل سابقة في العهد الجديد لم يعرف العالم كله مثلها. فرئيس الوزراء الأسبق علي أبو الراغب, عندما أعاد هو نفسه تشكيل حكومة تالية, تنصل من مساءلة نيابية عن قرار اتخذه سابقا أثناء تغييبه للبرلمان, بكونه "قرارا للحكومة السابقة". 

وهذا الحال إذ يُقبل ويتكرر بصور أخرى عدة, يزيد عن ما قيل من أن الرئيس الحالي يؤدي دور كيس الهواء الذي يحمي قائد المركبة عند الاصطدام بجبل, ليظهر حقيقة أن العديد ممن قدموا لمواقع قيادية أقرب لأكياس هواء منفوخة بالأنا أو بالذمم المتضخمة. وهو ما دعا محاميا  بارزا كالدكتور محمد الحموري =أثناء مرافعة شهيرة أواخر العام 2003- للسير في قاعة محكمة العدل العليا المليئة بحضور نخبوي مقلدا حركة الدب قائلا على لسان رئيس الوزراء ذاك "أنا الدستور". وتوقف بعدها ليعتذر للمحكمة عن هذا العرض بكونه اضطر إليه لبيان الصورة الحقيقية لما وصلت إليه الأمور, فكان رد المحكمة أن لا حاجة للاعتذار.

واضح مما سبق أن ترحيل الحكومة الحالية بات مؤكدا ولهذا مسارعتها لإنجاز بقية "صفقة" تحرير أسعار المشتقات النفطية بتوقيعها اتفاقية ترخيص تسويق المشتقات النفطية في السوق المحلية مع ثلاث شركات تقتسمها بالتساوي, اثنتان منها عاملتان في السوق ويتداول أن إحداهما واجهة لمتنفذين كبار, والثانية فرنسية ولا يُعرف بعد من يمثل مصالحها, والثالثة "ستشكلها" شركة مصفاة البترول الأردنية التي تكشف أنها متورطة بأكثر من هذا إخفاء حقيقة أن الدعم قد رفع عن الغاز المنزلي منذ العام 2011.

والتعاقد مع شركة لم تتشكل بعد يعيد للأذهان صفقة الغاز المصري التي كانت ستعقد صيف 1997مع شريك محلي متنفذ لم يسجل شركته بعد, (أوقفتُ الصفقة  ليس كنائب -فالمجلس لم يكن منعقدا- بل لأن نشري لتقرير أعددته عن الصفقة اضطر الشركتين الأميركيتين للانسحاب). ويأتي توقيع الحكومة المستعجل هذا بعد تسعة أيام فقط من رفع أسعار المشتقات النفطية بزعم تحريرها, دون اعتبار لكون الشارع يزداد اشتعالا.

واضح إذا أن ترحيل الحكومة لن ينجز شيئا, كونها ستكون أنجزت كل ما جيء بها لأجله. خاصة أن ترحيل الحكومات وتحميل عبء امتيازات أعضائها عجزا جاهزا للموازنات الآتية أمر يجري استسهاله. وهذا الترحيل المتوقع هو مما يفيده لقب "الاستشهادي" الساخر الذي كان من بين ما أطلق على الرئيس حين أعلن "مسؤوليته عن تفجير الأسعار في شريط متلفز", كما تصف الصحافة تصريحاته.

والأرجح أن يتم ترحيل الحكومة  قبل إجراء الانتخابات النيابية كونها لن تتم على الأغلب. ولكن الإصرار على أن مجرد ترحيل الحكومات أو إعادة تشكيلها يحصن قراراتها كحق مكتسب للحكم, ويحصن متخذي تلك القرارات حتى عند ثبوت فسادها وليس فقط عند خطئها, يوضح بعض أسباب ارتفاع سقف شعارات الحراك المطروحة من "إصلاح النظام" إلى "إسقاط النظام". 

ولهذا نجد رجل دولة بحجم الأستاذ أحمد عبيدات يعلن أن "الفاسدين يتمتعون بحماية من أعلى المستويات", ومطالبته للملك بالتدخل تتضمن أن يعلن بوضوح "قناعته التامة بأن كل السياسات التي اتبعت في البلاد طيلة السنوات العشر الماضية لم تكسب ثقة الشارع ولم تقدم إصلاحا حقيقيا في أي مجال من المجالات".

بلغ تغير الموازين أن تورد كل المواقع خبر "إحراق صور الملك في الميادين" إلى جانب أخبار شعارات إسقاط النظام, مما اضطر الأمن لإحاطة صور الملك المنصوبة وسط الميادين بأعداد كبيرة لحمايتها

ويحذر عبيدات من أن التصعيد وارد ومفتوح على كل الاحتمالات, متبعا "وهذا ما يخيفنا" ولا يفوته أن يفند مزاعم الحكومة بضرورة رفعها أسعار الوقود, وذلك في إشارة لشركات تتاجر بالمشتقات النفطية وتحقق أرباحا طائلة غير خاضعة لرقابة ديوان المحاسبة ولا تدخل عوائدها الخزينة, ملمحا لكون هذه الشركات واجهات لمسؤولين متنفذين، وهو ذات ما أشرت له أعلاه, وما تحدثت عن بعضه في مقالتي "الغرم بالغنم" المنشورة في "الراية" قبل أسبوعين.

أي إن رفع سقف مطالب الشارع يتحملها من رفعوا الهم المعيشي للأردنيين لدرجة الخطر بشأن سلعة رابحة ويتنافس هؤلاء على أرباحها حد لزوم قسمتها بين ثلاث جهات بالتساوي (33.3% لكل جهة) كما ورد في الاتفاقية الموقعة على استعجال مع الحكومة والتي تلت الرفع بتسعة أيام فقط. وبتوقيعها ذاك سقط زعم الحكومة نيتها تعويم الأسعار بعد ذلك, كونها وقعت على احتكار تجارته من كارتيل يضم في صفوفه شركة لم تسجل بعد.  

وشعار إسقاط النظام تحديدا الذي استوقف الإعلام العربي والعالمي جرى الهتاف به أمام الديوان الملكي ذاته, وبصورة لا تتيح زعم أن ما يراد إسقاطه (ومن قبله إصلاحه) هو "المنظومة المحيطة بالملك".
 
فالخطاب يوجه الآن للملك بالاسم, ما دفع (قبل أحداث رفع أسعار المشتقات النفطية) لأن ينضم الملك لمعرّفي "النظام" ليقول إنه كل شيء في الدولة بما فيه الشعب. وهو ما دعا لتصعيد يحدد الفرق بين الشعب والنظام, بأن أضيف لشعارات "لا ولاء ولا انتماء إلا لرب السماء" أو "للوطن", هتاف "يعيش الشعب الأردني" وهو يساوي إعلانا من قبل الشعب بأنه يعتبر نفسه الحاكم المشروع لنفسه ويعلن استرداده لسلطاته التي بدأ حراكه للمطالبة بها. 
 
والأهم أن التغيير في الشعار أرفق بأفعال مستجدة لم يسبق أن جرت في الأردن منها إحراق صور الملك. فأول حرق لصورة الملك قبل أشهر قام بها ناشط شاب منفردا وفاجأ الجميع حينها, فجرى توافق على أنها جاءت كرد فعل على إحراق مواطن لنفسه أمام الديوان الملكي دون أن يأبه لموته المأساوي أي مسؤول. 

والآن بلغ تغير الموازين أن تورد كل المواقع خبر "إحراق صور الملك في الميادين" إلى جانب أخبار شعارات إسقاط النظام, مما اضطر الأمن لإحاطة صور الملك المنصوبة وسط الميادين بأعداد كبيرة لحمايتها. وهو ما يظهر المتظاهرين, على عكس ما كان يجري من قبل, وكأنهم هم من يحاصرون الأمن، وتطور الأمر لحراسة دائمة لدوار الداخلية والصورة (وحتما لميادين ومواقع أخرى فيها صور للملك) ولمدخل الديوان الملكي لمنع المطالبين بإسقاط النظام من الوصول إليه.

وهو ما يشبه انسحاب الأمن للخلف وتقلص ما يجري منع الشعب من الوصول له بمواقع محدودة على الأرض, بعدما استحال وضع "سقوف" لما تطاله الهتافات والشعارات، مؤشرات تفرض على كل عاقل أن يعيد النظر في جدوى "الحلول الأمنية أو "شراء الوقت" الجاريين لغير صالح الحكم.

ومن "الأفعال" المستجدة أيضا, الدعوة ولأول مرة ومن جهات "نخبوية" متعددة لإضرابات جزئية أو مفتوحة. والحكمة تملي الاعتراف بأن هذا قد يتطور للعصيان المدني الذي مجرد التلويح به كان يؤدي لغضب رسمي عارم، ولكن ملاحظ الآن أن إشهار ذلك الغضب لم يعد متاحا للحكم وأدواته حتى في مواجهة مطالب إسقاط النظام ذاتها. بل إن الصمت والاختباء هو الموقف الغالب على رجال الحكم. 

وإذا كان التعدي على مباني المحافظات ومقار الحكام الإداريين من مظاهر الاحتجاج التقليدية التي  تتكرر منذ مظاهرات خمسينيات وستينيات القرن الماضي وفي انتفاضة نيسان عام 1989, باعتبارها ليس فقط رموزا بل أذرعا تنفيذية للحكم العرفي. ولكن تكرار هذا في عهد يزعم أنه ديمقراطي يؤشر على حقيقة تلك الديمقراطية المزعومة.

وفيما يعتبر استهداف "محكمة أمن الدولة" تحديدا والمطالبة بإلغائها منذ بداية الربيع الأردني مبررا بعدم شرعيتها المجمع عليها دوليا, ومطلبا قمة في العدالة والحضارة، فإن السؤال هو عن أسباب ما استجد من استهداف أبنية محاكم نظامية مما لم يجر من قبل في تاريخ المملكة. فهذه المحاكم هي التي تطالب الحراكات والإصلاحيون منذ عقود بإعادة اختصاصاتها التي نزعت منها لصالح محكمة أمن الدولة, وتطالب بضمان استقلالها ومستوى عيش كريم لأعضائها لائق بدورهم ومكانتهم .

إذا كان التعدي على مباني المحافظات ومقار الحكام الإداريين من مظاهر الاحتجاج التقليدية منذ مظاهرات خمسينيات وستينيات القرن الماضي, فإن تكرارها الآن يؤشر على حقيقة تلك الديمقراطية المزعومة

والجواب يتمثل فيما جرى للقضاء النظامي في العهد الجديد, مما فاق كل ما جرى له في العهد العرفي وحتى بعده وأسمي بـ"مجازر القضاء" فقد جرى تشويهه بتعمد حين سجلت باسم كبار القضاة, تحت اسم مكرمة ملكية, قطع أراض من تلك التي تفجرت قصة تسجيلها باسم الملك وكانت أول ما زعزع صورة العرش وأدى للوضع الحالي.

وكان هدف ذلك التسجيل ألا يفكر الشعب باللجوء للقضاء للمطالبة بحقوقه، ولكن قطاعا من أصحاب تلك الأراضي أصروا على اللجوء إليه. وحين فوجئوا بتغيير التهمة التي سجلت كجناية كبرى,"لجنحة احتيال", توجهوا في مظاهرة هي الأولى في تاريخنا لمحكمة التمييز مقر المجلس القضائي بيافطات تقول: "الشعب يريد تطهير القضاء من تغول الفاسدين عليه", وحرقوا صورة كبيرة لرئيس الوزراء الأسبق علي أبو الراغب, ولم يغادروا حتى استقبل أحد كبار القضاة وفدا يمثلهم ووعدهم بإعادة حقوقهم إليهم.

كان ذلك ظهر الثلاثاء الذي أعلن رئيس الحكومة مساءه رفع أسعار المشتقات النفطية, فطغت أخبار المظاهرات التي تفجرت ليلتها على الخبر الأهم والسؤال الأهم: ماذا يبقى من هيبة كامل الدولة إن فرطت في هيبة قضائها؟

الإجابة أتت سريعا في سقوف الشعارات. وقضاؤنا الذي أحكامه "عنوان الحقيقة" أدرى بها وبجرح الشعب النازف, وقد وعدوا برد حقوقه فكانت تلك العودة السلمية الوحيدة لمتظاهرين بيقين أنه ما زال  للحق موئل.  

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك