بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية

مؤشرات العودة
الرئيس والفريق
مسوغات التدخل

ما كادت قرارات أغسطس/آب الماضي التي أصدرها الرئيس مرسي بغية إنهاء ازدواجية السلطة بينه وبين المجلس العسكري، وكذا الخبرة المريرة والمؤلمة للقوات المسلحة في إدارة المرحلة الانتقالية، توحي ببدء أفول دور الجيش المصري في الحياة المدنية والسياسية، حتى جاءت الأزمة الدستورية التي عصفت بالبلاد حاملة في طياتها مؤشرات تشي بما قد يعد مغايرا.

مؤشرات العودة
طوت الأزمة الدستورية بين ثناياها مؤشرات ثلاث على عدم مجافاة الجيش المصري للسياسة بشكل تام، كان أولها: إصداره بيانين متواليين يومي 8 و9 ديسمبر/كانون الأول الجاري، حض خلالهما القوى السياسية على الاحتكام إلى منهج الحوار للوصول إلى توافق يحقق مصالح الوطن والمواطنين، ويجنب البلاد مآلات كارثية لن تسمح بها القوات المسلحة التي أكد البيانان عدم ابتعادها عن الهم الوطني أو التخلي عن رسالتها في المحافظة على أمن وسلامة الوطن والمواطنين، وإن عادت أدراجها إلى الثكنات.

وبتأكيدها في البيانين أيضا على احترامها للتقاليد الديمقراطية وانحيازها إلى الشرعية القانونية، أوحت القوات المسلحة للكثيرين بإمكانية اضطلاعها بحماية الشرعية الدستورية.

بإمكان أي مراقب أن يلمس نزوعا مبطنا من القوات المسلحة صوب إعادة تحديد معالم دورها خلال الأزمات والصراعات السياسية في مرحلة ما بعد مبارك

وفي وسع المحلل لمضمون البيانين أن يلمس نزوعا مبطنا من قبل القوات المسلحة صوب إعادة تحديد معالم دورها خلال الأزمات والصراعات السياسية في مرحلة ما بعد مبارك، بعدما استوعبت قياداتها جيدا دروس تجربتها المريرة في إدارة البلاد خلال العام الأول من المرحلة الانتقالية، والتي ألقت بظلال من الغيوم على بنية القوات المسلحة ورصيدها الشعبي، كما وضعها في أعين بعض الدوائر الحقوقية والقوى السياسية المدنية في الداخل والخارج.

أما المؤشر الثاني فتجلى في منح الرئيس مرسي حق الضبطية القضائية لرجال وضباط القوات المسلحة خلال فترة إجراء الاستفتاء على مسودة الدستور الجديد. ورغم أنها لم تكن المرة الأولى التي تتمتع فيها القوات المسلحة بهذا الحق -المحدد النطاق والأمد- خلال المرحلة الانتقالية وبعد انتهاء حالة الطوارئ، بما يستوجب قيام الرئيس بتخويلها تلك الصلاحيات لشرعنة وتقنين مباشرة رجالاتها لها خلال فترة إجراء الاستفتاء الدستوري، فإن الأمر أثار جدلا محليا ودوليا واسعا هذه المرة.

فمن جهة، أرجع مراقبون ما فعله الرئيس مرسي إلى عوامل عديدة أبرزها: إدراكه لعدم جاهزية الشرطة للاضطلاع بمهمة حفظ الأمن والاستقرار وضمان إجراء الاستفتاء على نحو حر ونزيه، فضلا عن استمرار فجوة الثقة بين الشرطة والمواطنين وعدم تجاوز الشرطة للتداعيات السلبية لأحداث ثورة يناير/كانون الثاني 2011، إضافة إلى اهتزاز ثقة الرئيس ببعض قيادات الشرطة والخوف من موالاتها للنظام السابق وتورطهم في مناصرة الثورة المضادة.

وبدورها، اعتبرت منظمة العفو الدولية قرار الرئيس سابقة خطيرة يمكن أن تؤدي إلى عودة المحاكمات العسكرية للمدنيين، لا سيما أنه خلال إدارة المجلس العسكري للمرحلة الانتقالية تم قتل ١٢٠ متظاهراً، كما حوكم نحو ١٢ ألف مدني أمام المحاكم العسكرية بشكل غير عادل. وبينما ارتأت مجلة دير شبيغل الألمانية وموقع "فوكس أونلاين" الإخباري أن مرسي يحتمي بالجيش ويستعرض قوته لمنافسيه من خلاله على نحو ما بدا في تحليق عدد من طائرات "أف١٦" المقاتلة على ارتفاع منخفض فوق القاهرة، ذهبت صحيفة نيويورك تايمز الأميركية إلى أن اعتماده على الجيش في تأمين الاستفتاء وإعطاءه حق الضبطية القضائية، يفصح عن أن الجيش القوي يساند الرئيس الإسلامي في مواجهة خصومه المدنيين لإنهاء المرحلة الانتقالية لمصلحته، وألمحت إلى مخاوف من حدوث تحالف ملحوظ بين الإخوان المسلمين والجيش بعد نحو ستين عاما مما وصفته بالعداء المتبادل بينهما.

أما ثالث المؤشرات فيتمثل في دعوة وزير الدفاع إلى الحوار الوطني، فبعد يومين من إصدار بيانيه، وجه الفريق أول عبد الفتاح السيسي دعوة إلى رموز المعارضة ولفيف من الشخصيات العامة وممثلين للأزهر والكنيسة، إلى المشاركة في لقاء يحضره الرئيس مرسي أسماه "لم شمل الأسرة المصرية". ورغم تأكيد وزير الدفاع أن غرض الدعوة اجتماعي بحت ولا علاقة له بالسياسة أو الأزمة الدستورية التي تعصف بالبلاد، فقد فجرّت تلك الدعوة تساؤلات وتكهنات مثيرة حول الغرض منها وتأثيرها على علاقة الرئيس بالقوات المسلحة، ودور الجيش في الأزمة الدستورية بل وفي العملية السياسية برمتها، إذ حملت دعوة وزير الدفاع في طياتها تلويحات بأن الجيش لم يتوار كلية عن المشهد السياسي، وربما يسعى لأن يضطلع بدور عنصر التوازن في المعادلة السياسية الجديدة، بعدما هوت القوى السياسية المدنية في براثن التشرذم وعدم التوافق.

الرئيس والفريق
مياه كثيرة جرت في مجرى العلاقة بين الرئيس مرسي وجماعته من جانب، ووزير الدفاع الجديد الفريق أول السيسي ومن ورائه القوات المسلحة من جانب آخر، بعد التغييرات التي أدخلها مرسي على قيادة الجيش في أغسطس/آب الماضي.

مياه كثيرة جرت في مجرى العلاقة بين الرئيس مرسي وجماعته من جانب، ووزير الدفاع الجديد الفريق أول السيسي ومن ورائه القوات المسلحة من جانب آخر، بعد التغييرات التي أدخلها مرسى على قيادة الجيش

ودون خوض في تفاصيل الروايات المتنوعة التي تروى في هذا الصدد، يبدو أن دعوة وزير الدفاع إلى الحوار الوطني أحدثت ارتباكا في علاقة الرئاسة بالقوات المسلحة، فبينما أكد مراقبون أنها جاءت دون علم الرئيس مرسي، ولم يسبقها أي تنسيق بين مؤسسة الرئاسة ووزارة الدفاع، مستشهدين في ذلك بحالة التخبط التي خيمت على أسلوب تعاطي الرئاسة مع الدعوة، سواء عبر نفيها في بادئ الأمر وجود هذه الدعوة من الأساس، أو عبر ادعاء مكتب الرئيس لاحقا أنها تمت بعلم الرئيس وإذنه وأنه سيحضر فعاليات اللقاء المزمع، أو حتى مساعي مسؤولي الرئاسة وقيادات الإخوان للتقليل من أهميتها السياسية مؤكدين أن الدعوة إلى أي حوار وطني لا تتأتى إلا من مؤسسة الرئاسة دون سواها، بما في ذلك القوات المسلحة التي أكدوا على عدم أحقيتها في الانخراط في النشاط السياسي.

وتحت وطأة هواجس الرئاسة من أن تفضي الاستجابة الواسعة لدعوة وزير الدفاع للحوار إلى النيل من هيبة الرئيس وسلطته لمصلحة صعود دور القوات المسلحة على الساحة السياسية، اضطر وزير الدفاع لإرجاء دعوته إلى أجل غير مسمى بذريعة ما اعتبره ضعف استجابة من قبل القوى السياسية.

وبالتزامن، لوحظ تكرار ظهور اللواء العصار مساعد وزير الدفاع -المتبقي من الزمرة القديمة للمجلس العسكري والمسؤول عن ملف العلاقات مع الولايات المتحدة- في وسائل الإعلام بإيعاز من الرئيس، للتأكيد أن دعوة وزير الدفاع لم تكن تحمل أي صبغة أو مقاصد سياسية، وأن الجيش قد فارق السياسة بغير رجعة.

مسوغات التدخل
من بين معطيات شتى تمهد السبيل لتدخل الجيوش في السياسة والحياة المدنية، ثمة معطيان يتوفران في الحالة المصرية هذه الأيام هما: عجز القوى المدنية وانقسامها، وتوفر الطلب الشعبي على هذا التدخل.

أما عن المعطى الأول، فليس بخاف على كل ذي بصيرة مقدار الانقسام الذي يضرب أطنابه في صفوف القوى المدنية، إلى حد فاقم من عجزها عن ملء الفراغ الناجم عن انسحاب القوات المسلحة من المشهد السياسي في أغسطس/آب الماضي، أو حتى سقوط نظام مبارك وتفكك حزبه الوطني قبل ذلك. فإذا كان إبعاد القوات المسلحة بشكل تام عن الحياة المدنية والسياسية يستوجب وجود مؤسسات وقوى مدنية فاعلة وقادرة على القيام بواجبها على النحو الأكمل، فإن القوى السياسية المدنية بعد ثورة يناير 2011 لا تبدو مؤهلة لمثل هذا الدور.

لا تزال القوى والأحزاب السياسية المدنية أسيرة الانقسام والتشرذم على خلفية أزمة الثقة المزمنة فيما بينها، إلى حد ينذر بغياب البديل الوطني

فالقوى والأحزاب السياسية المدنية ما زالت أسيرة الانقسام والتشرذم على خلفية أزمة الثقة المزمنة فيما بينها، إلى حد ينذر بغياب البديل الوطني الذي يمكن التعويل عليه حالة خروج الجيش كلية وبلا رجعة من المشهد السياسي. هذا في الوقت الذي تتمتع فيه الجيوش بقدرة تنظيمية هائلة وتماسك ملحوظ يخولانها البقاء في السلطة بشكل مباشر أو غير مباشر، كما حدث في دول عديدة مثل غينيا الجديدة وباكستان وميانمار (بورما) وإندونيسيا وتركيا.

ومع افتقاد القوى المدنية القدرة على التوافق بشأن حزمة القيم التي تشكل الثوابت الوطنية لأي أمة ناهضة كالديمقراطية والحكم المدني والتداول السلمي للسلطة، يطفو على السطح عجزها عن بلورة إستراتيجية تفاوضية مع الجيش بشأن مستقبل العلاقات المدنية العسكرية، وفشلها في الاتفاق فيما بينها حول ضرورة تقليص النفوذ السياسي للجيش، وفق منهج تدرجي كما في حالات دولية حققت نجاحات ملفتة على هذا الدرب كإسبانيا والبرازيل.

هذا الأمر ينذر بأن يمضي الحال في مصر -إذا ما استمرت أوضاع القوى المدنية على هذا النحو- باتجاه إجهاض عملية إنهاء الحكم العسكري ودور الجيش في السياسة تماما، بحيث يغدو الجيش نقطة توازن في النظام السياسي أو حكم بين السلطات والأطراف السياسية، بما قد يستتبع دورا سياسيا له ينص عليه في الدستور كحماية الشرعية الدستورية أو الديمقراطية أو الدولة المدنية.

وهو الأمر الذي ربما يتخذ منه الجيش بعد ذلك تُكأة للتدخل في العملية السياسية بصيغ شتى وآليات متنوعة، أسوة بما جرى في دول مثل بنغلاديش وباكستان وفيجي وميانمار وتايلند.

ولقد انعكست حالة التشرذم بين القوى المدنية على وضع الجيش في الدستور الجديد، فبينما أهدرت الكثير من وقتها في الجدل بشأن قضايا الهوية والعلاقة بين الدين والدولة ونصوص المادتين الثانية و219 من مسودة الدستور الجديد، لم تحظ النصوص المعنية بدور الجيش وموقعه في هذا الدستور بالاهتمام الكافي والتمعن الواجب، ومن ثم لم تختلف كثيرا -في الاقتضاب والغموض- عن سابقاتها في الدساتير المصرية السابقة.

وأما عن المعطى الثاني المتمثل في المطلب الشعبي، فقد ظهر جليا في لجوء أطراف الأزمة الدستورية الراهنة إلى القوات المسلحة بوصفها العنصر الأكثر تماسكا وتنظيما وفاعلية، بما يجعل منها خط الدفاع الأخير. فمن جانبها، جنحت قوى المعارضة المدنية إلى الاستقواء بالقوات المسلحة عبر مناشدتها التدخل لحمل الرئيس مرسي على العدول عن إعلانه الدستوري وقراره إجراء الاستفتاء الشعبي على مسودة الدستور الجديد، علاوة على الحيلولة دون انفراد جماعة الإخوان المسلمين بالهيمنة على كافة مفاصل السلطة في البلاد.

وتناغما مع هذا المسعى، لم تتردد رموز المعارضة وجبهة الإنقاذ الوطني في تلبية دعوة الحوار التي أطلقها وزير الدفاع، بعدما سبق أن رفضوا دعوات مماثلة من الرئيس مرسي واللجنة التأسيسية للدستور، رغم علمهم بأن دعوة وزير الدفاع قد لا تخلو من دلالات مهمة فيما يخص علاقة الجيش بالسياسة لكونها تفتح الباب لإقحامه في المعادلة السياسية كعنصر توازن بين الأطراف المتنافسة وحائط صد في مواجهة الطوفان الهادف إلى أسلمة الدولة والمجتمع.

ثمة تحليلات تذهب إلى وجود تفاهمات بين الرئيس مرسي والجيش من قبيل استبقاء التنسيق والتعاون العسكري بين الجيش المصري والولايات المتحدة، مقابل دعم الجيش له في مواجهة تحالف القوى المدنية المعارضة

ويحفل التاريخ البشري بنماذج عديدة لفشل حالات الانتقال من الحكم العسكري إلى آخر مدني ديمقراطي جراء جنوح بعض القوى المدنية لتسييس الجيوش أو عقد تحالفات علنية أو صفقات سرية معها لتقويض فصائل سياسية مدنية أخرى منافسة، وهو ما يقود في نهاية المطاف إلى تعزيز دور الجيوش على الساحة السياسية عبر استتباع بعض الشخصيات والقوى السياسية المدنية أو إنشاء أحزاب موالية للعسكر، أو بسط سيطرتهم على المؤسسات المدنية -لا سيما الاقتصادية منها- على نحو ما شهدته دول مثل باكستان وبنغلاديش وتركيا وغيرها.

وربما لا تبتعد كثيرا عن هذا المضمار تلك التحليلات التي تذهب إلى وجود تفاهمات بين الرئيس مرسي والجيش من قبيل استبقاء التنسيق والتعاون العسكري بين الجيش المصري والولايات المتحدة، أو إبرام الرئيس لصفقة مع الجيش يحصل بموجبها الأول على دعم الأخير في مواجهة تحالف القوى المدنية المعارضة نظير بقاء وضع الجيش في الدستور الجديد كما هو، دون الخوض في أوضاعه الاقتصادية أو التعرض لتفاصيل دوره السياسي أو أموره الحساسة، ثم تقبل الرئيس لموقف قيادات الجيش الرافضة لأخونته أو تحزيبه عبر عدم سماحها بالتحاق أبناء قيادات الإخوان بالكليات العسكرية، تلافيا لتسييس الجيش وانقسامه على غرار ما جرى في دول عديدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك