خوان مانويل سانتوس

خوان مانويل سانتوس

أثناء الحرب الباردة، أثرت التوترات بين الغرب والاتحاد السوفياتي على كل بلدان العالم تقريبا. ففي مختلف أنحاء أميركا اللاتينية، ظهرت الجماعات المسلحة، التي سعت إلى زعزعة استقرار الدكتاتوريات العسكرية طلباً للديمقراطية والحرية والإصلاح السياسي, وهي الأهداف التي تصورت هذه الجماعات أنها من غير الممكن أن تتحقق بالسبل السلمية.

فبادئ ذي بدء، كانت الثورة الكوبية عام 1959، حيث نجح الثوار المسلحون في الإطاحة بالدكتاتور العسكري فولجنسيو باتيستا، هي التي ألهمت هذه الحركات. والواقع أن تشي جيفارا، رمز الثورة، مات في بوليفيا أثناء محاولته تصدير مشروع حرب العصابات والجماعات المسلحة.

استسلمت الأنظمة العسكرية في أميركا اللاتينية لقوة صناديق الاقتراع؛ وتحولت الجماعات المسلحة إلى أثر من الماضي

ولكن في نهاية عام 2012، أصبحت الظروف في أميركا اللاتينية مختلفة للغاية. فالديمقراطية لم تعد الاستثناء، بل إنها القاعدة؛ فقد استسلمت الأنظمة العسكرية لقوة صناديق الاقتراع؛ وتحولت الجماعات المسلحة إلى أثر من الماضي.

ولكن كولومبيا -الديمقراطية الأقدم والأكثر استقراراً في المنطقة- لا تزال مبتلاة بالمنظمات المسلحة غير القانونية. وخلافاً للحال في دول أخرى، حيث كانت الجماعات المسلحة تسعى على وجه الحصر إلى تحقيق مطالب سياسية، فإن الجماعات المسلحة في كولومبيا تورطت في الاتجار في المخدرات، وهو الأمر الذي حولها إلى وحوش مؤسسية فتاكة، جانب منها عبارة عن منظمات تخريبية، والجانب الآخر مافيا إجرامية.

ورداً على ذلك، بدأ المواطنون بشكل غير قانوني في تشكيل جماعات مسلحة للدفاع عن النفس. ولكن هذه المنظمات أدت في النهاية إلى تفاقم العنف، وتوليد عمليات نزع الأراضي والتهجير القسري، وساعدت على إطالة أمد الصراع لما يقرب من خمسة عقود من الزمان. ونتيجة لهذا، نشأت أجيال من الكولومبيين وهي محاطة بالعنف، ولم تعرف السلام الحقيقي قط.

وفي أعقاب عقد اتفاقيات سلام عديدة نجحت كولومبيا في إعادة دمج أعضاء سابقين في العديد من الجماعات المسلحة التي نشأت في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين في المجتمع الكولومبي. بل إن بعضهم تولى مناصب سياسية مهمة، وخدموا كوزراء، وأعضاء في الكونغرس، ومحافظين، ورؤساء بلديات. على سبيل المثال، كان عمدة بوغوتا الحالي، جوستافو بيترو، عضواً في مجموعة م-19 المسلحة في ثمانينيات القرن الماضي.

وفي الوقت الحاضر، لا تزال جماعتان فقط غارقتين في صراع ينطوي على مفارقة تاريخية: القوات المسلحة الثورية في كولومبيا، وهي الأكبر والأقدم والأفضل تمويلاً بين الجماعتين، وجيش التحرير الوطني. بعد فوزه بالرئاسة في عام 2002، تعهد ألفارو أوريبي بدحر الجماعات المسلحة -التي أضافت الإرهاب إلى ذخيرتها- فشن هجوماً وظف فيه كل قوى الدولة وسلطات فرض القانون.

ولقد أتيحت لي الفرصة -أولاً كوزير دفاع في حكومة أوريبي، والآن بوصفي رئيساً للبلاد- لتوجيه أقوى الضربات إلى الجماعات المسلحة وعصابات التهريب. وكان التزام الحكومة بمكافحة الإرهاب سبباً في انخفاض أعداد المنتمين إلى عضوية القوات المسلحة الثورية في كولومبيا من أكثر من عشرين ألف مقاتل قبل عقد واحد من الزمان إلى أقل من ثمانية آلاف اليوم.

يعتمد الشعب الكولومبي على المحادثات في التوصل إلى اتفاق حول مسار واضح نحو إنهاء النزاع المسلح الداخلي

ولن يهدأ لنا بال قبل أن تتحرر كولومبيا من الجيوش التابعة للجماعات المسلحة. ولكن هذا الالتزام الذي لن نرجع عنه أبداً بدحر الإرهاب لا يمنعنا أيضاً من متابعة المحاولات الحكيمة لحل الصراع عبر الحوار, مع تجنب الأخطاء التي ارتكبت في جولات سابقة من المحادثات، والتي سمح خلالها وقف إطلاق النار المطول للقوات المسلحة الثورية في كولومبيا باستعادة بعض قوتها.

في الشهر الماضي، وبعد ما يقرب من عامين من المحادثات الاستكشافية، بدأت محادثات سلام رسمية في أوسلو بالنرويج. وهذا الشهر، انتقلت المحادثات إلى هافانا في كوبا، حيث ستظل منعقدة إلى الانتهاء منها.

سوف تكون المحادثات مباشرة، وسوف تتابع أجندة تداول موجزة ودقيقة، وسوف تدار في غضون فترة زمنية محددة. لم تكن النرويج أو كوبا دولة مضيفة فحسب، بل ولعبت كل منهما أيضاً دور الضامن للمفاوضات. ويحضر المفاوضات أيضاً ممثلون من فنزويلا وشيلي.

يعتمد الشعب الكولومبي على المحادثات في التوصل إلى اتفاق حول مسار واضح نحو إنهاء النزاع المسلح الداخلي. ولا ينبغي لنا أبداً أن نهدر هذه الفرصة. ولكن لأن مقاتلي الجماعات المسلحة أطاحوا بآمال الكولومبيين في الماضي، فإننا نتعامل مع المفاوضات بتفاؤل حذر.

لن تعمل محادثات السلام على إصابة الدولة بالشلل أو إضعاف قدرتها على العمل. والواقع أن سلطات فرض القانون الكولومبية سوف تواصل، إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق نهائي، في مواجهتها القوية لكل الجماعات المسلحة غير القانونية التي يصر أعضاؤها على تهديد السلام وأرواح أبناء الشعب الكولومبي.

وسوف تستمر الحكومة فضلاً عن ذلك في العمل من أجل بناء السلام. وهذا يتضمن تنفيذ البرامج الاجتماعية والاقتصادية التي تهدف إلى الحد من الفقر وتوفير فرص العمل، والدفاع عن ضحايا الصراع، وضمان عودة الأراضي المسروقة إلى الفلاحين النازحين، وتهيئة ظروف أكثر إنصافاً في مختلف أنحاء البلاد.

إنهاء الصراع كفيل أيضاً بتعزيز جهود التنمية في كولومبيا التي تُعَد بالفعل نموذجاً للديمقراطية والاستقرار السياسي والاقتصادي

إن عملية السلام الجادة الواقعية والرصينة التي شرعنا في إدارتها مع القوات المسلحة الثورية في كولومبيا قادرة على إنهاء النزاع المسلح الداخلي في كولومبيا، وهذا يعني ضمناً إلحاق الهزيمة إلى الأبد بالجماعات المسلحة في القارة وإسدال الستار على نصف قرن من العنف المجنون. والواقع أن هذه النتيجة سوف تساهم في جلب السلام والاستقرار إلى المنطقة بأسرها.

وإنهاء الصراع كفيل أيضاً بتعزيز جهود التنمية في كولومبيا التي تُعَد بالفعل نموذجاً للديمقراطية والاستقرار السياسي والاقتصادي. فحتى في أعقاب الأزمة الاقتصادية العالمية، سجل الاقتصاد الكولومبي نمواً بلغ معدله نحو 5% في المتوسط، في حين استفاد من التدفقات غير المسبوقة من الاستثمارات الأجنبية. وأصبح الحكم في كولومبيا مثار إعجاب العالم أجمع.

إن التوصل إلى اتفاق مع القوات المسلحة الثورية في كولومبيا لإنهاء الصراع -والذي يعني ضمناً نزع سلاح هذه الجماعة وتسريح المنتمين إليها- من شأنه أن يسمح بتألق نجم كولومبيا ببريق أشد سطوعاً من أي وقت مضى. والحكومة ملتزمة ببذل كل جهد ممكن لتحقيق حلمنا جميعاً بدولة وقارة خالية من الجماعات المسلحة في عام 2013.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

شارك برأيك