مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

 

الصراع مع الرئيس لا الدستور
الإخوان وإعادة البناء
الوسط جهاز الرئيس للإنقاذ

تتجه نتائج التصويت للاستفتاء على الدستور المصري الجديد في جولته الثانية إلى إقراره بنعم بأغلبية مريحة وليست كبيرة، ونقصد بالمريحة أنها لن تكون في تماس مع 50%+1 وإنما ستقارب 60%، وهو ما يُمثّل قبولا عاما لكنه في ذات الوقت يعطي مؤشّرا من جولة التصويت الأولى على وجود انقسام حقيقي في الشارع المصري وليس في النخبة فقط، وهذه قضية محورية في مستقبل قيادة مصر بالنسبة للرئيس المنتخب محمد مرسي.

الصراع مع الرئيس لا الدستور
وبحسب الرصد المنطقي، ليس هناك شك في أن الرئيس تعرض لحملة شرسة اعتمدت على إسقاطه أو تحييده مبكراً عبر عدة جولات، وكان واضحاً أن الخلاف الرئيسي ليس على نص الدستور، ولا على التصويت الذي جرى قبل ليلة إقرار المسودة توافق عليه وقبل انسحاب المعارضين، وهو ما عرض مراحله عبر وثائق موقعة الوزير محمد محسوب.

بعض شرائح الشعب تعتقد أن الرئيس مرسي لا يمثّل رئيساً للشعب كقوى وأطياف وطنية متعددة ولكنه يُمثل جماعة الإخوان، مع أن توجهات عديدة أثبتت أنه يقوم بمسؤولياته كزعيم قومي لا حزبي

وهي تُثبت أنّ مسألة هذه المواد لم تكن قضية بحد ذاتها، وأنّ الانسحاب جرى لِما أُعلن بعد ذلك من خطوات لتفريغ الحياة السياسية من أي مشروعية أو قدرة إدارية للرئيس، فتنتهي بما يشبه مرحلة انتقالية إجبارية، يتدخل فيها الجيش أو تشكيل مجلس رئاسي، كما تَحدّثت عنه علناً مصادر جبهة الإنقاذ التي ضمت القيادات الثلاثة والحزب الوطني السابق، وتركة عهد مبارك في الإعلام والمعارضة.

غير أن كل ما جرى من هذا الصخب وفشل محاولات إسقاط الرئيس لن يُغيّر حقيقة أن الانقسام قائم، وأن بعض شرائح الشعب تعتقد أن الرئيس مرسي لا يمثّل رئيساً للشعب كقوى وأطياف وطنية متعددة ولكنه يُمثل جماعة الإخوان، مع أن توجهات عديدة أثبتت أن مرسي يقوم بمسؤولياته كزعيم قومي لمصر لا حزبي، لكن آلة الإعلام المدعوم بأموال ضخمة من الخارج وسلوك الإخوان لا يزال يؤثر على صورته، رغم أن غالبية القاعدة الشعبية تقف معه، وهو ما ظهر في رصد سبتية التأييد من القنوات الغربية المناوئة للتوجه الإسلامي التي أعلنت أن إحصائيات التأييد أكبر بكثير من المناهضين.

في كل الأحوال، رغم أن حشد المعارضة للتصويت بـ"لا" ومعها التوجيه من الكنائس القبطية هو أمرٌ إيجابي حتى تتم المشاركة وهو ما حصل، فإنه وضح بجلاء أنّ المعارضة لن تقبل بالأغلبية المريحة، وستسعى إلى تصعيد الشارع مرةً أخرى رغم التورط الأخلاقي المتعدد الذي سقط فيه رموزها، ومنه التشريع الضمني لقتل عناصر الإخوان وحرق مقراتهم، لكنّ الرئيس يواجه حقيقة الأمر مجدداً، وهي أنّ نسبة من الشارع ومن القوى السياسية -التي ليست من أضلاع المعارضة المتطرفة في الثلاثي والفلول- قلقة جدا ومتوترة من هيمنة الإخوان كتنظيم حزبي على الدولة.

وبالتالي فإن الرئيس لديه خياران الأول المضي في ذات الأسلوب وهو فرض قرار الغالبية الشعبية عبر دعم الشارع الإسلامي، وهو ما ينذر بجولات توتر خطير جديدة قد لا تحتمله مصر في ظل الدعم الأجنبي الكبير لخصومه، وقلة خبرة القوى الإسلامية في استيعاب الخصوم وقبول مساحة طبيعية لهم، بعد جولات استفزاز شرسة تعرضوا لها كإسلاميين ولهجة نابية ومهينة، واستمرار الصراع العنيف في الشارع، في حين يعلم الرئيس أنّ خصومه الرئيسيين لن يقبلوا بأقل من إقالته أو تحييده، ولكن هل كل خصومه أو المختلفين مع الدستور كذلك؟

الجواب الموضوعي هو لا..، ليس كلهم في مستوى عداء الثلاثي والفلول، وحتى بين تيارات الثلاثي هناك إمكانية لتحييد جزء وكسب جزء لمصلحة مشروع مصر الدستوري وليس الإخواني.

الإخوان وإعادة البناء
وهنا يبرز الخيار الثاني للرئيس، وهو انفتاحه بتوسع على تيار الوسط المصري الواسع فمن هي هذه القوى أو الأضلاع التي يُجسّد التحالف معها مواطن العبور إلى المخرج الإنقاذي لمصر، وهنا وقبل ذكر هذه الأضلاع لا بد من تحرير مسألة علاقة الإخوان بالرئيس، وننطلق فيها من زاوية أن الإخوان فصيل وطني عريق يتبنى بالجملة حنين وتطلع غالبية كبرى في الشعب المصري لإقرار نظام حياة سياسية يعكس تنميته وتقدمه من خلال إيمانه بعظمة الشريعة الإسلامية.

ولكن هناك من يرفض المشروع جملة وتفصيلاً، وهناك من لا يفهمه لعسف إعلامي عنيف ضده وخلل في خطاب الإخوان، وهناك من يفهمه ولكن لا يرى الإخوان مؤهلين لتطبيقه، وفي كل الأحوال فقد برزت حقيقة مهمة أمام المشهد المصري الحالي، وهي أن بعض التوجهات العلمانية أصبحت طائفة بذاتها تجذّرت عبر عقود في الحياة المصرية، وهي تحتاج إلى معالجة حكيمة وعميقة، وليس لمواجهة عنيفة ولا لتنازل عن استحقاق دستوري موضوعي.

وهنا الإشكالية في حاجةِ الإخوان إلى مرحلة انتقالية ضرورية تعيد تأسيس مشروعهم لبيت وطني منفتح، وقد اتضحت أزمة ازدواجية حزب العدالة بين الحزب والتنظيم في كل مفاصل الأزمة السياسية التي كان آخرها استقالة د. رفيق حبيب، وهذا مشروع كبير لا تفي به هذه المقالة، إلا أن الجيل الجديد للإخوان الذي توسّط بين التنويريين والتقليديين، وقاد بكفاءة مواجهة التطرف العلماني لإسقاط الشرعية الثورية، قادر أيضا على ملء هذا الفراغ الخطير بين نموذج التنظيم الذي يدير عملا سياسيا ضخما ومهما نجح الآن فسيواجه مستقبلاً أزمات أكبر، ومشروع الحركة الإسلامية للوطن الحضاري المصري الذي يحتاج إلى أن يُعطى فرصته ويستوعب مراحل انتقاله.

لا يُمكن أن يُطلب من الإخوان كشف ظهر الرئيس ولا التخلي عن دعمه، وإنما المطلوب منهم ضبط الخطاب ومراجعة ما صدر ويصدر عنهم

وهذا يحتاج لبعد إستراتيجي، لكن مرحلياً لا يُمكن أن يُطلب من الإخوان كشف ظهر الرئيس ولا التخلي عن دعمه في حرب شرسة غير نزيهة، وإنما المطلوب منهم ضبط الخطاب ومراجعة ما صدر ويصدر منهم خاصةً في الموجات السابقة من المواجهات التي تضمنت اختراقا خطيرا لمنصات الإخوان من تيار تكفيري أو تحريضي عنيف في مواجهتهم للدكتور أبو الفتوح أو غيره، ورغم شراسة خصومهم فإنّ هذا لا يُلغي مسؤوليتهم الأخلاقية والشرعية والوطنية عن ضبط الخطاب وتجنّب الحسم الديني المتأثر بالصراع السياسي ضد الخصوم، والذي قد يتغيّر وفقا لمصالح الحركة حين يكون الخصم حليفاً في المستقبل، وأعرف أن الإخوان يتعرضون لهجوم غير أخلاقي متتال من إعلام قوي غير محايد، لكن سيبقى الضمير الإسلامي تحت مسؤولية مراجعة ونقد ما يصدر عن خطابه وضبط نزاهته ووسطيته.

غير ذلك، فإن من المشروع وربما من الواجب للشارع الإخواني دعم الشرعية الدستورية عبر الآليات السياسية والديمقراطية المعروفة، كضلع ضمن أطياف المشروع الدستوري الذي سيقبل غداً حين تأتي دورة انتخابات، وقد تم تأمين الدستور ومرجعية الشريعة فيه بنتائج هذه الدورة بما فيها هزيمته. فيكون الآن محفزا للشارع الوطني وليس محتبساً له في ذاته، فتغيب شعارات الإخوان الخاصة، وتبرز شعارات الوطن الجامعة خلف حماية المشروع الدستوري الذي ضحّى شباب الثورة -ومنهم شباب الإخوان بما فيهم شهداء الاتحادية- لأجله، والذي سيضمن ألا يولد دكتاتور آخر من رحم ثوب إسلامي كما وُلد من رحم ثياب علمانية عدة، فيُسقط المشروع الإسلامي النهضوي تحت هتاف الشريعة المغبونة.

الوسط جهاز الرئيس للإنقاذ
هنا يبرز الخط الثالث الذي يعبر من خلاله مشروع الرئيس لمصر الدستورية المستقرة، وهو هنا تحت أمانة العهد أمام الله والشعب بذات مفاهيم الفكر الإسلامي الذي نبض به الإمام المجدد حسن البنا وهو أنه رئيس مصر وليس عضواً في تنظيم الإخوان الحزبي، وهذا كما قدمنا لا يمنع من الاستفادة من دعمهم وحق الإخوان في الشراكة السياسية، لكنه يديره كمشروع إنقاذ وطني فينفتح على كل القوى الوطنية والأطياف التي قدم جزء ليس بيسير منها استقالته من هيئة الرئيس الاستشارية حتى ولو كان بعضهم كانت له تقديرات خاطئة، فلا بد للرئيس من استعادة هذه الأطياف بممثلين عنها، وهي هنا أحد أضلاع الوسط المصري عبر شخصيات وسطية في كل طيف.

أما الضلع الثاني من الوسط المصري فهو حزب الوسط المصري الذي يقوده أبو العلا ماضي الممثل لجيل إخوان الفكر المتجدد لا إخوان التنظيم، والمُصنّف على أنه من أبرز فعاليات التيار الإسلامي التجديدي التقدمي في مصر، وهو التيار الذي واجه هجوم حزبية تنظيم الإخوان قديماً وتعرض لحملة عنيفة منهم لخلافه مع خطأ إدارة الفكر السياسي عبر التنظيم الدعوي، ورغم ما تعرض له فإنه أثبت أنه الحصان الأسود الوفي لمصر وللمشروع الإسلامي، وهو الذي في تقديري من حوّل معركة الشرعية الدستورية لنجاح في الشارع السياسي والإعلامي رغم الحرب العنيفة، عبر ثلاثيته القيادية أبو العلا ماضي وعصام سلطان ومحمد محسوب، وكانت وقائع عرضهم وأسلوبهم ومنهجيتهم ذات مصداقية كبيرة وخطاب متوازن، لا يستطيع الرئيس مرسي أن يجده من قيادات دينية أو حزبية في الإخوان أو غيرهم.

هنا أمام الرئيس فرصة تاريخية بأن يوكل لهذا التوجه عبر جسور ينشئها بينهم وبين الإخوان وبين حزب النور لكونه الآن رئيساً لمصر، حتى يُّذيب إشكالية المشاعر الحزبية التقليدية للإخوان مع الوسط، وبالتالي يستطيع المشروع الدستوري أن يعبر بهذه التفاهمات التي ستتوجه -بعقل حزب الوسط وقادة التجديد للإخوان، وفقه بكّار وزملائه، مع قدرات الشارع الإخواني والسلفي- إلى حملة بناء ثقة جديدة لشركاء البيت المصري، تبدأ من حزب مصر القوية الذي يمّر بمرحلة فقدان توازن، وهو قادر حين يستعيدها على اكتساب شريحة مؤثرة من الشباب المصري، خاصة في فقه البناء التنموي الإستراتيجي.

مستقبل مصر ليس كما يصوره البعض بأنه استئصال لكل قيم الحياة المدنية الشخصية ومساحتها الواسعة، وإنما ضبط الحياة الدستورية للمجتمع وضمان أن تكون مؤسساته السيادية الكبرى تحت سلطة الشعب

ومن هنا ستنطلق هذه التفاهمات -التي ليس بالضرورة أن تندمج حزبيا لكن تنخرط في مشروع مصر الدستورية القومي– فتُدشن حملة حوارات ولقاءات لتوافقات وطنية كبرى فور إقرار الدستور، تعتمد على قاعدة الوسط المصري الكبير الذي يُقصد به كل من يؤمن من الأقباط والتيارات العلمانية بكافة أطيافها القومية واليسارية أو التوجهات الوطنية بمساحة التعاطي والشراكة مع العمل السياسي الوطني مع الإسلاميين، فلا يحاربهم ولا يُسلّم لهم كل سلته، بل يتعامل بحسب الشراكة الدستورية.

وهذه الجسور باتت ضرورة حتى تنخفض درجات الاحتقان، وتطمئن القوى القلقة فعلياً من النخبة والشارع المصري على أن مستقبل مصر ليس كما يصوره البعض بأنه استئصال لكل قيم الحياة المدنية الشخصية ومساحتها الواسعة، وإنما ضبط الحياة الدستورية للمجتمع، وضمان أن تكون مؤسساته السيادية الكبرى تحت سلطة الشعب، وللنّاس في أي مشروع وطني مساحة طبيعية لا تعارض مرجعية الشريعة الدستورية في القطعيات ما دامت ضمن حيّز الاجتهاد الفقهي الواسع الذي عرفته مصر قديماً.

هذا الفقه التوازني والتآلف والتحالف الوطني ضرورة للرئيس مرسي، فمن الصعب بقاء التوتّر والاعتماد على قوة الشارع فقط ولو كان الخصم منحازاً بقسوة، لكن هذا التآلف سيكسب شخصيات وقطاعا من التيارات تخلق أرضية لمصر الدستورية الجديدة تحيّد قوى التطرف العلماني والفلولي العنيف، وتُنظّم الصراع مع الغلو السياسي مدنياً، وهو ما يستوعبه الفقه الإسلامي في بواباته الكبرى التي تقرأ سيرة المصطفى من وثيقة المدينة إلى صلح الحديبية، وسماحة الخلفاء الراشدين الخمسة مع الإنسان وصرامتهم مع حقه في العدل والأوطان، إلا من بغى على مصر وعلى أخيه الإنسان.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك