عبد الله الأشعل

عبد الله الأشعل

أستاذ القانون الدولي

 

إعداد الدستور عادة قضية داخلية وطنية، ولم نسمع أن الدستور يعتبر قضية تهم المجتمع الدولي إلا في حالة مصر، حيث دخلت على الخط مع المعارضين للدستور جهات أجنبية، حكومات ومنظمات وإعلاميون وغيرهم ولم يعد الدستور شأناً مصرياً داخلياً.

ويبدو أن هناك مصلحة مشتركة بين أعداء التيار الإسلامي في مصر وأعدائه في الخارج، وتورطت في ذلك منظمات عالمية كان يجب ألا تزج بنفسها في هذا المعترك. فعندما شعرت القوى العلمانية بأن أرضيتها في معارضة الدستور ضعيفة، بعد كل ما بذلته في تشويه صورة الدستور وقراءته للناس قراءة خاصة مضحكة دون أن تلتفت إلى النتائج الكارثية في المجتمع المصري لهذا العمل، عمدت إلى الاستعانة بالخارج، حيث طالب بعضهم واشنطن والحركة الصهيونية بالاحتشاد ضد الإسلاميين، كما انهالت الأموال ونشط إعلام مبارك في قيادة معركة تضليل الشعب حول الدستور، وكأن سحب الدستور يمكن أن يعيد الأمور في مصر إلى هدوئها.

انهالت الأموال ونشط إعلام مبارك في قيادة معركة تضليل الشعب حول الدستور، وكأن سحب الدستور يمكن أن يعيد الأمور في مصر إلى هدوئها

وأخطر ما لاحظناه في تدخل الخارج هو مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التي أدلت مفوضتها السيدة بيلاي بتصريحات رسمية خطيرة، كان يتعين على الحكومة أن تحتج عليها لأنها تعد تدخلاً مؤسفاً في شأن داخلي مصري، واصطفت المفوضية -تحت ذريعة القلق على حقوق الإنسان في مصر- مع معارضي النظام والساعين إلى إسقاطه، ولكن السيدة بيلاي اتخذت موقفاً سياسياً بعيدا عن القانون، وأبدت ملاحظات على مشروع الدستور تقطع بأنها لم تقرأ هذا المشروع في نسخته الرسمية، ورددت خطاب المعارضة التي وظفت الدستور كما تراه لا كما تنطق مواده كوقود في معركتها مع الإخوان المسلمين ورئيس الدولة.

ويضيق المقام عن تقديم كل ما أدلت به السيدة بيلاي والرد عليها، ولكنها على العموم تعتقد أن وضع الحقوق والحريات -خاصة المرأة والأقليات الدينية غير السماوية- وحرية الصحافة في الدستور الجديد أدنى مما قرره دستور 1971، وتبدي أسفها على أن الدستور الجديد لا يزال يصر على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع المصري، وهذا يتضمن حكما متعسفاً غير مدروس، كما يتضمن تدخلاً في شأن يعتز المصريون جميعاً به بحسبان أن مصر دولة إسلامية.

وأبدت السيدة بيلاي قلقها من تغول سلطات رئيس الجمهورية على السلطة القضائية، دون أن تكلف نفسها قراءة أحكام الدستور في باب القضاء، وتزعم أن الرئيس ينفرد بتعيين النائب العام وأعضاء الدستورية العليا، وهو غير صحيح، ولعلها تعرف قطعاً أن الرئيس الأميركي ينفرد بتعيين قضاة المحكمة العليا في واشنطن ولم يقل أحد أنه افتأت على السلطة القضائية، وأن الرئيس يعين الشخصيات التي لا تشكل عقبة لسياساته.

وقد تألمت السيدة بيلاي لما نصت عليه المادة 198 من أن أعمال المدنيين التي تشكل ضررا للقوات المسلحة تحاكم أمام القضاء العسكري. ولم تلتفت إلى أن تحديد ماهية هذه الأعمال ومن له حق الإحالة وضمانات العدالة وغيرها منوط بالقانون، خاصة أن نفس الدستور نص على أن القضاء العسكري سلطة قضائية مستقلة.

صحيح أن المصريين لديهم عقدة من المحاكم العسكرية وعانى شباب الثورة في السجون العسكرية بالآلاف حتى الآن، وأن مجرد ظهور النص -مهما أحيط بالضمانات، ومهما قيل من أنه اختصاص قضائي عادي- يثير القلق، إلا أن مثل هذا النص موجود في التشريع المقارن فيما يتعلق بالجرائم العسكرية التي تحددها القوانين بدقة حتى لا يؤدي اتساع النص إلى المساس بالعدالة.

وكان يمكن -درءا لهذه الملابسات التاريخية والمعاصرة- أن يقتصر النص على حظر محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري بشكل مطلق، على أن ينظم قانون المحاكمات العسكرية الأفعال والأشخاص الذين يقعون في اختصاص القضاء العسكري. وقد يكون فصل الحكمين في هذه المادة عاملاً مخففا لوقعها النفسي، لكن يبقى القانون المشار إليه في عجز المادة هو صمام الأمان لهذه المحاكمات.

طالبت السيدة بيلاي صراحة مصر بأن تجعل المعاهدات الدولية أسمى من الدستور والقانون، وبإلغاء النص في المادة 145 على عدم إبرام مصر لمعاهدات تناقض الدستور

وأخيرا قررت السيدة بيلاي أن نص المادة 145 يؤدي إلى انتهاك مصر للمعاهدات الدولية في مجال حقوق الإنسان، ولكن الحقيقة هي أن المادة 145 بسطت سلطة البرلمان على كل المعاهدات، بعد أن كان الأصل في المادة 151 هو إطلاق يد الرئيس في إبرام المعاهدات عموماً، وأن تصديق البرلمان مسبقاً على بعض أنواع المعاهدات كان يقابله تطويع البرلمان لمشيئة الرئيس ما دام البرلمان مشكلاً بالتزوير من أتباع الرئيس.

وقد طالبت السيدة بيلاي صراحة مصر بأن تجعل المعاهدات الدولية أسمى من الدستور والقانون، وبإلغاء النص في المادة 145 على عدم إبرام مصر لمعاهدات تناقض الدستور. والترجمة العملية لهذا النص -المعمول به بشكل تلقائي دون نصوص في النظم القانونية في جميع دول العالم- هي أن مصر تتحفظ عند إبرام المعاهدات على كل ما يخالف النظام العام والشريعة الإسلامية ما دامت القوانين المخالفة للشريعة الإسلامية تبطل لعدم دستوريتها.

والحق أن تدويل قضية الدستور في مصر له أسباب عديدة، ولكن التدويل يعني أموراً كثيرة، منها إظهار الاهتمام الدولي والسياسي والإعلامي بالقضية، ومنها أن يصدر تعليق من دول ومنظمات خارجية على ما يحدث في مصر، ومنها أن تقوم دول ومنظمات بإجراء مباشر في مواجهة الحكومة المصرية.

ولا يخفى أن أهمية مصر وعمق الأزمة التي سببها النظام السابق كانت تجعل قضايا حقوق الإنسان بشكل خاص قضية دولية شهدت كل هذه الصور من الاهتمام، وأبرز مثال على ذلك هو مقتل الشاب المصري خالد سعيد الذي كان سبباً مباشراً في تفجير ثورة الشباب على النظام البائد، والذي بسببه أدان البرلمان الأوروبي والاتحاد الأوروبي مسلك الحكومة المصرية المتواطئ في هذه القضية، ويومها تمسكت الحكومة المصرية بسيادة الدولة، وبأن قضايا حقوق الإنسان قضايا داخلية، وهو موقف متخلف عما وصل إليه العصر.

ولكن تدويل قضية الدستور بدأ منذ تم تدويل قضية الثورة المصرية، على أساس أن الدستور هو أول شواطئ إقامة الدولة المصرية الحديثة، ولكن ذلك لا يبرر أن يدخل الخارج طرفا في معركة سياسية داخلية، طرفها الأول الجمعية التأسيسية الممثلة للشعب المصري، والتي لا يعيبها مطلقاً أن تعكس في تشكيلها نفس تشكيلة مجلس الشعب الذي حصل فيه التيار الإسلامي على أغلبية المقاعد، كما أن الرئيس المنتخب في مصر لا يهمه أن يقبل إنتاج هذه الجمعية أو يرفض، ولكن المعارضة أرادت أن يكون رفض الدستور أداة لهزيمة الرئيس، واستمراراً لخطة التمرد على الشرعية، واستدراكا على إرادة الشعب المصري.

ولذلك نظن أن كل الملاحظات على الدستور الجديد التي أبديت هي دعم للمعارضة، ولكنها استباق لرأي الشعب المصري ونتيجة الاستفتاء. ومن الأصول الديمقراطية المرعية عالمياً أن يسكت الجميع في الداخل والخارج ما دام صوت الشعب في الاستفتاء هو الأعلى.

سلوك النظام في مصر والعملية التشريعية اللاحقة ووعي الرأي العام هي عوامل حاسمة في تقرير شكل المعارضة وفي تحديد القضايا التي تناضل من أجلها

وفي هذه النقطة، يثور السؤال حول قيمة الملاحظات السطحية السياسية التي أبديت من الخارج على مشروع الدستور خاصة إذا أقر الدستور كما هو. نريد ألا يفرض أحد وصاية على الشعب المصري فتلك هي مكوناته، ولذلك فإن الدستور في شكله الحالي إذا أقر لا يجوز للمعارضة أن تستدرك عليه لأن ذلك يعتبر تحدياً لإرادة الشعب، ولكن من الناحية السياسية تظل الأزمة قائمة بين النخبة العلمانية والنخبة الدينية، وهذه ظاهرة صحية لولا أن القضاء لا يزال مسكوناً بالرغبة في اتجاه معين.

لكل هذه الأسباب، لا يمكن تطبيق هذا الدستور على أرضية سقيمة، وفي دولة تسكنها أشباح الماضي، وترفض زرع الأعضاء الجديدة، وفي رحم لا تزال مسكونة بكائن آخر. تلك هي الإشكالية الحقيقية التي يؤدي تدويل الدستور إلى اشتعالها.

وفي كل الأحوال، فإن سلوك النظام في مصر والعملية التشريعية اللاحقة ووعي الرأي العام هي عوامل حاسمة في تقرير شكل المعارضة، وفي تحديد القضايا التي تناضل من أجلها، وفي تجفيف الفارق بين المعارضة والمناهضة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك