عبد الستار قاسم

عبد الستار قاسم

كاتب وأكاديمي فلسطيني

 

يقول كل فلسطيني إن وحدة شعب فلسطين، أو الوحدة الوطنية الفلسطينية مصدر قوة، وغيابها ضعف. لكن هذا قول آحاد أو فصائل متفرقة ومنفردة، وليس قول إجماع وفصائل متفقة على رؤية أو ميثاق واحد. وقد تعددت مفاهيم الوحدة الوطنية بتعدد الفصائل، وأيضا بتعدد الأشخاص الذين يحملون على رقابهم هذا الهم. الكل يتفق على تمجيد الوحدة الوطنية، لكن الممجدة لم تتبلور بعد.

عانت الوحدة الوطنية الفلسطينية من مآزق متعددة عبر الزمن، واحتربت الفصائل الفلسطينية على مدى عقود، ولم نكن نشهد وحدة حقيقية إلا في الميدان، ميدان المواجهة مع عدو خارجي وبالتحديد الاحتلال.

مقاومة الاحتلال تشكل مرتكزا أساسيا في جمع شمل الشعب الفلسطيني، ليس بالضرورة كل الشعب، وإنما أغلب فئاته وأحزابه وأطيافه. توحد الشعب أعوام 1978، و1982، و1987، و2000، و2012 وهي أعوام مواجهة. وتفرق أعوام 1974، و1983، و1985، و1988، و1993، وهي أعوام البحث عن حلول سياسية للقضية الفلسطينية. كان من المفروض أن يتوحد عام 2008/2009 بسبب الحرب على غزة، لكن الهوة اتسعت بين الفصائل حينئذ.

احترام المواثيق
ربما يشكل خرق المواثيق الفلسطينية أهم عناصر التفسخ أو الافتراق الفلسطيني لما يعكسه من تفرد وعدم احترام لما يتفق عليه الشعب وفصائله المختلفة. الاختلافات بين الناس واردة في كل مكان، ومن الممكن أن تنشب خلافات، لكن الشعوب الواعية والإدارات السياسية المسؤولة تعمل على تسوية الأمور من خلال أطرها الرسمية المتفق عليها والتي تشكل محورا يجتمع حوله الجميع.

أدى التفرد أو غياب الديمقراطية في المنظمة إلى خرق بنود الميثاق الوطني الفلسطيني مرات عديدة، ومع كل خرق كانت تلتهب الساحة الفلسطينية بالخلافات، والتي أدى بعضها إلى الاقتتال

فالدستور مثلا يشكل قاعدة للحكم بين الناس، ويأتي القضاء ليبت بالأمور بهدوء، ومن ثم يقبل الجميع حكم القضاء. وإذا كان هناك من لا يعجبه الدستور، فإن بإمكانه أن يعرض تحفظاته على الناس في سبيل جمع التأييد الكافي الذي يؤدي إلى تعديل الدستور أو تغييره. المعنى أن هناك مواثيق يجتمع عليها الناس، وتشكل مرجعية للجميع، وتحافظ في النهاية على وحدة الناس.

في الساحة الفلسطينية، كانت منظمة التحرير المظلة التي يجتمع تحتها الناس بكافة أطيافهم، وشكل الميثاق الوطني الفلسطيني مرجعية للجميع. لكن المنظمة عانت من نقص في الديمقراطية، وشابها التفرد في اتخاذ القرار، وفقدت بريقها الوحدوي على فترات متقطعة منذ عام 1968 حتى الآن.

وقد تعرضت نتيجة لذلك لهزات مختلفة تميزت بخروج فصائل منها لفترات من الزمن، وابتعاد عن نصوص الميثاق الوطني الفلسطيني، الأمر الذي أحدث إرباكا في الساحة الفلسطينية بين الحين والآخر.

أدى التفرد أو غياب الديمقراطية في المنظمة إلى خرق بنود الميثاق الوطني الفلسطيني مرات عديدة، ومع كل خرق كانت تلتهب الساحة الفلسطينية بالخلافات، والتي أدى بعضها إلى الاقتتال. تم خرق الميثاق الوطني الفلسطيني عام 1970 عندما أعلنت اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير عن قبولها بإقامة دولة علمانية ديمقراطية في فلسطين تضم المسلمين والمسيحيين واليهود، وعام 1974 في برنامج النقاط المرحلية، وعام 1983 بزيارة عرفات للرئيس المصري، وعام 1985 بإعلان عرفات لنبذ الإرهاب.

أما عام 1988، فخالف المجلس الوطني الفلسطيني -الذي يجب أن يكون حارسا على الميثاق- ميثاقه بالموافقة على قراري مجلس الأمن 242 و338، والاعتراف بإسرائيل. وبلغت ذروة المخالفات بتوقيع اتفاق أوسلو والبدء بتنفيذه بازدراء تام للميثاق.

المشكلة أيضا أن الميثاق الوطني الفلسطيني لم ينص على إقامة محكمة دستورية أو ميثاقية، ولا على آليات لمحاسبة الذين لا يلتزمون بما اتفق عليه شعب فلسطين، وبقيت الأمور خاضعة للأمزجة الشخصية والفصائلية. والنتيجة هي استمرار التمزق الفلسطيني والاقتتال الداخلي، ومن ثم البحث عن سبل لتوحيد الصفوف.

الضعف والفرار من الواقع
ربما يتم تفسير ما جرى على الساحة الفلسطينية من انقسامات بناء على حالة الضعف التي عانى منها الفلسطينيون وعدم وجود أفق لتقدم المقاومة الفلسطينية لتصبح قوة معتبرة في مواجهة إسرائيل. أو كما اعتاد بعض الفلسطينيين طرحه على أن المحاولات الفلسطينية كانت ضمن دائرة إنقاذ ما يمكن إنقاذه. أي إن عدم الالتزام بقواعد العمل الجماعي الفلسطيني كان ينطلق من الرغبة في تحقيق حرية المناورة للقيادة الفلسطينية التي كانت تبحث عن مخرج ولو بسيط لمأساة الشعب الفلسطيني.

أي إن الضعف أدى إلى الفرار من الواقع للبحث في سبل أخرى لمساعدة شعب فلسطين غير الاعتماد على الذات. فبدل البحث في أفضل السبل لتحقيق الوحدة الفلسطينية التي تشكل مصدر القوة الأول لشعب فلسطين، ذهبت القيادة تبحث عن حلول للقضية في جيوب الآخرين بخاصة الأعداء منهم. هذا وتّر الأوضاع بالمزيد على الساحة الفلسطينية إلى أن وصل الشعب إلى حد الاقتتال الدموي في غزة.

القوة والعودة إلى الواقع
بعد ثلاث حروب، بات واضحا أن إسرائيل ليست ذلك الأخطبوط الذي لا يُقهر، ولا جيشها ذلك الذي يقوده سنحاريب آشور. إسرائيل فشلت في حربها على لبنان عام 2006، وفي حربها على غزة عام 2008/2009، وحربها الثانية على غزة عام 2012. هذا الجيش العرمرم المسلح بأحدث أنواع الأسلحة والمصنف بالرابع على مستوى العالم بدا أضحوكة أمام العالم في هذه الحروب، إذ استطاعت تنظيمات مسلحة لا يتجاوز نفيرها عدة آلاف أن تصمد وتفشل كل أهداف إسرائيل.

جاء الوقت الذي تخفي فيه إسرائيل عضلاتها حتى لا تكون مثار سخرية ليس أمام شعوب المنطقة فقط وإنما أمام الصهاينة الذين عقدوا آمالهم دائما على جبروتهم العسكري

التطور التاريخي الذي نحن بصدده يثبت أن القوي لا يبقى قويا، ولا الضعيف ضعيفا، والتاريخ في حالة تغير مستمر. حروب إسرائيل كانت نزهات، وكم من المرات بسطت إسرائيل أجنحتها لتتباهى بها أمام العالم مستهزئة بالعرب والفلسطينيين.

بما أن التاريخ قد أخذ يستقيم بالنسبة لقوى المقاومة، فإنه من المفروض أن تبدأ كل الفصائل الفلسطينية الاستجابة للمنطق التاريخي وتعود إلى واقعها والذي يؤكد أن الحقوق لا تُستجدى وإنما تُنتزع. من المفروض أن أكثر من عشرين سنة من المفاوضات والبحث في الحقيبة الأميركية عن حل لفلسطين قد أقنعت الفصائل جميعها أن الآخرين لا يعطون إلا إذا أجبروا على ذلك، ومن المفروض أن تجربة ثلاث حروب قد علمت الجميع أن هزيمة إسرائيل ممكنة، وأن الفلسطينيين يتمكنون من حل مشاكلهم بأيديهم وبمساعدة أصدقائهم الذين يؤمنون بعدالة قضيتهم إذا قرروا ذلك.
 
وحدة الشعب أولا
جرت على مدى سني الخصام والتمزق محادثات فصائلية بخاصة بين فتح وحماس لإنهاء الانقسام. وقد تم توقيع عدد من الاتفاقيات بهذا الخصوص أبرزها اتفاق القاهرة عام 2005، واتفاق مكة عام 2007، واتفاق الدوحة عام 2012. فشلت كل هذه الاتفاقات لأن التطبيق لم يكن ممكنا، وما زال غير ممكن حتى الآن.
 
المشكلة الأساسية في كل محاولات لم الشمل الفلسطيني حتى الآن هي إخراج الشعب من معادلة البحث عن الوحدة وحصرها بيد فصيلين فقط. ودائما يطرح السؤال نفسه: ماذا سيكون مصير لم الشمل إذا اختلف الفصيلان الكبيران؟ طبعا الانهيار لأن الحارس الذي يجب أن يبقى متحفزا للدفاع عن وحدته وهو الشعب غائب. أي إن تجربة الوحدة القائمة على المزاج الفصائلي قد فشلت، ومن المفروض البحث عن إطار تصالحي أوسع.
 
فحتى يتوحد شعب فلسطين في الداخل والخارج، وعلى مستوى الفصائل، من المأمول العمل على التالي:
 
أولا: لا بد من صياغة ميثاق وطني فلسطيني يشكل مرجعية نضالية وأخلاقية وسياسية للشعب الفلسطيني. لا توجد مرجعية للفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم بعد تدمير الميثاق الوطني الفلسطيني، وتبقى الأمور خاضعة للأمزجة الشخصية والفصائلية. يتحدث كل فصيل عن الوحدة الوطنية الفلسطينية والمصلحة الفلسطينية العليا، لكن لكل فصيل تعريفه الخاص للوحدة وللمصلحة، وبتعدد الفصائل تتعدد التعريفات.
 
من يصوغ الميثاق الفلسطيني؟ من المفروض أن تتفق الفصائل على لجنة من خبراء فلسطينيين في مختلف المجالات لتقوم على هذه الصياغة، ويتم طرح المسودة بعد ذلك على الفصائل وعلى جمهور الشعب الفلسطيني، وتتحدد بعد ذلك آلية لإجراء التعديلات والمصادقة على النسخة النهائية.

ثانيا: بناء على الميثاق الجديد، تتم إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية بطريقة يشارك فيها الجميع من فصائل واتحادات نقابية ومفكرين... إلخ.
 
ثالثا: تتشكل محكمة دستورية أو ميثاقية تراقب الالتزام ببنود الميثاق، وتملك صلاحيات إصدار الأحكام بشأن كل من يخالف. أما آلية التنفيذ فتناط بقوة غير فصائلية تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية لها تواجد في فلسطين وفي الدول العربية التي يمكن أن تسمح بوجودها.

رابعا: يتم تبعا للميثاق الجديد إعادة صياغة هيكلية إدارة شؤون السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة بمعزل عن الاحتلال الصهيوني.
 
فصل المستوى السياسي عن المقاومة
لقد دفع الشعب الفلسطيني ثمنا باهظا نتيجة دمج القيادة السياسية وقيادة المقاومة، وتمت ملاحقة القيادات في كل مكان ما أدى إلى بلبلة في الساحة الفلسطينية. وفق الدروس التي تعلمناها من الحروب الثلاث السابقة، من المفروض أن تبتعد القيادات السياسية عن المقاومة لكي تبقى قادرة على الاستمرار في العمل، وأن تتأسس قيادة سرية للمقاومة تمارس عملها سرا في مكان سري في هذا العالم. ثبت أن السرية والتحصين الأمني يشكلان عصب نجاح المقاومة، والبناء على التجربة يشكل عاملا أساسيا في استمرار النجاح.
 
برهنت غزة عام 2008/2009 أنها كانت قادرة على تحسين أدائها المقاوم، واستطاعت بإمكانات قليلة إفشال حرب إسرائيل التي دامت 22 يوما. وواضح أنها استفادت من تجربتها في حرب 2012 فقرر الاحتلال ألا يتمادى في الحرب، واختصر الزمن إلى ثمانية أيام.
 
ميزان القوى في المنطقة العربية الإسلامية قد تغير الآن، ولم تعد إسرائيل قادرة على القيام بما كانت تقوم به من ضربات عسكرية، ولا الولايات المتحدة
ميزان القوى الجديد
دارت كل العملية التفاوضية التي دخلها الفلسطينيون ومعهم الأنظمة العربية ضمن ميزان قوى منحاز تماما لصالح إسرائيل. وحسب تبرير قادة فلسطين والعرب، دفع الضعف العرب للاستجداء، والتوهم بأن أميركا قد تقرر إقامة العدالة في المنطقة.
 
ميزان القوى في المنطقة العربية الإسلامية قد تغير الآن، ولم تعد إسرائيل قادرة على القيام بما كانت تقوم به من ضربات عسكرية، ولا الولايات المتحدة. إسرائيل تجري مناورات الآن على كيفية حماية جبهتها الداخلية، وعلى كيفية طرد قوات عربية من مراكزها السكانية. ذلك الميزان قد انتهى، والآن هناك ميزان جديد صنعته المقاومة اللبنانية والفلسطينية.
 
ما كان يصلح في الزمن الغابر لم يعد صالحا، والاستمرار في تغييب الذات اعتمادا على ما يمكن أن يمن به الآخرون على العرب لا يجدي نفعا. ولهذا من الضروري أن تعترف السلطة في رام الله أن ما كان لم يعد كائنا، وأن التكيف مع قوة المقاومة فضيلة تسرّع من تحقيق وحدة شعب فلسطين.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك