محمد عمر أحمد

​كاتب صومالي

تيار الإخوان المسلمين
التيار السلفي
التيار الصوفي (أهل السنة)
حركة الشباب

جماعة التبليغ
نقاط  الالتقاء والتحالفات الممكنة
الإسلاميون وإدارة العلاقات مع الغرب

تشهد الصومال مرحلة انتقالية حاسمة، فبعد التصويت للدستور المؤقت للبلاد في أغسطس/آب 2012، واختيار حسن شيخ محمود رئيسا غير انتقالي للصومال في 10 سبتمبر/أيلول 2012، يتحفز الجميع لتأمين مراكزهم، سواء قبائل أو اتجاهات وتنظيمات دينية، في كعكة السلطة في الصومال.

ويتوقع أن تشهد الساحة حراكا في كل الأصعدة استغلالا لأجواء الحرية التي حدثت إثر الثورات في البلاد العربية التي نبهت الشعوب إلى تقرير مصيرها، الأمر الذي شجع الاتجاه نحو تشكيل مؤسسات مجتمع مدني متلاطم الأمواج، وفتح أحزاب سياسية أغلبها ذات خلفيات دينية، ومن المنتظر أن تحقق هذه الحركات فوزاً كبيراً في أية انتخابات قادمة.

في هذه المقالة نود أن نستشرف مستقبل تلك الاتجاهات الدينية بناء على المعطيات الراهنة والمتوقعة بعد زيادة وتيرة التفاعلات في الصومال.

تيار الإخوان المسلمين
 ويشمل هذا التيار العريض حاليا:
1- الجناح القديم لحركة الإصلاح الذي ينتمي إلى شيوخ الحركة التقليديين.
2- التيار التجديدي الذي انفصل عام 2007عن الجناح القديم.
3- حركة التجمع الإسلامي أو جماعة آل الشيخ.

وتشترك تلك التنظيمات الإخوانية بدعوى تمثيلها الإسلام الوسطي المعتدل في مواجهة التيار السلفي الذي تصفه بالتشدد والحرفية، وهذه التنظيمات سريعة التمايز، سهلة الالتقاء إذا دعت الحاجة، إذ لا توجد فواصل منهجية سوى ما رسخه شيوخ الحركة من مسارات في التحرك والولاءات والقواعد المالية والاتصالات الخارجية.

يبدو أن تيار "الإخوان المسلمون" سيشهد عصرا ذهبيا بالتعانق مع السلطة نظرا لأن أحد أجنحته وصل إلى السلطة، ثم لبروز عوامل كثيرة دولية وإقليمية تتضافر جميعا لدفع هذا المعطى إلى الأمام

ويبدو أن تيار "الإخوان المسلمون" سيشهد عصرا ذهبيا بالتعانق مع السلطة نظرا لأن أحد أجنحته (التيار التجديدي) وصل إلى السلطة، فالرئيس الحالي وبعض الوزراء والمقربين والمستشارين من المحسوبين على هذا التيار، ثم لبروز عوامل كثيرة دولية وإقليمية تتضافر جميعا لدفع هذا المعطى إلى الأمام.

فالمرحلة الراهنة هي مرحلة الصعود الإخواني في العالم العربي لحصده نتائج مشجعة في المجال السياسي في الدول التي شملها ما يسمى بالربيع العربي، وتبوؤه سدة الحكم في كثير من البلدان، وتحوله من جماعات "محظورة" تعيش في محنة إلى "محظوظة" بالمقياس الأرضي.

ففي مصر يقبع الرئيس حسني مبارك وراء القضبان في سجن طرة بالمؤبد (منذ 2 يونيو/حزيران 2012) وأصبحت حركة الإخوان الآن في موقع السلطة في مصر وتونس وليبيا، وقبلها السودان، وغزة حماس، والآن تجري الاستعدادات لسوريا والكويت واليمن، كما سبق أن حدث نفس الأمر ببعض الدول الإسلامية الأخرى مثل تركيا التي يشاطر فيها حزب العدالة والتنمية الإخوان التوجه العام. 

وفي الصومال يتوقع أن يتضاعف حجم الاستقطاب والتشكيل الحركي لتوسيع القاعدة الشعبية التي تتشكل من حملة شهادات جامعية ومثقفين وطالبي المال والسلطة ودفء الانتماء من داخل البلاد ومن المهجر الصومالي.

علاوة على إظهار الانتصارات السياسية كدليل على صحة الرؤية الدينية التي ينتهجها -ينعت التيار نفسه بالوسطية- مما أهَّله لإحداث تغيير منشود في العالم الإسلامي مع تبرير إخفاق المشاريع الأخرى -كالسلفية وخصوصا المسلحة- بأنها أوتيت من فساد المناهج والمنطلقات الخاطئة في الدعوة.

وقد شهد التيار الإخواني في الصومال انشقاقات حادة في صفوفه، وانقسم إلى جناحين كبيرين عام 2007 عقب بروز المحاكم الإسلامية في جنوب الصومال والتدخل الإثيوبي، ثم شهد الجناح التقليدي -الذي بقي فيه معظم شيوخ الحركة- تصدعات في شهر أغسطس/آب 2012.. وقد تكون تلك الانشقاقات التي تقع في دائرة الأخونة سبيلا لزيادة رصيد القاعدة الشعبية حين تتاح لكثير من الشباب الانضمام إلى التيار بصورته التجديدية.

والإخوان المسلمون (في الصومال) حركة سياسة أكثر منها دينية أي أنها تحاول الوصول إلى التغيير المنشود بطريق فوقية أكثر من الاعتماد على الإقناع الديني فحسب.

التيار السلفي
التيار السلفي في الصومال تنضوي بداخله أطياف من الأسماء منها:
1- جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة، وهي تنظيم كبير لكنه هشّ يوحّده الانتماء السلفي والإيمان بضرورة العمل الجماعي المنظم بقيادة رموز دعوية ذات تأثير كبير في الساحة الصومالية.

2- السلفية اللا تنظيمية أو كما تسمى "المدخلية" أو"الوادعية" ويجمعها رفض العمل الجماعي في إطار تنظيمي.

3- التيار المسلح وغالبا ما ينعت بـ"السلفية الجهادية" -ومنه حركة الشباب المجاهدين- وحين تتخلى عن العنف ستمثل مخزونا طبيعيا لجماعة الاعتصام.

السلفيون في الصومال قوة شعبية لا يستهان بها، وأصحاب صوت ديني مسموع، وبحوزتهم جيش من العلماء المؤثرين والمثقفين، ولديهم مؤسسات طوعية وخدمية وتعليمية

السلفيون في الصومال قوة شعبية لا يستهان بها، وأصحاب صوت ديني مسموع، وبحوزتهم جيش من العلماء المؤثرين والمثقفين، ولديهم مؤسسات طوعية وخدمية وتعليمية منتشرة على طول البلاد وعرضها. وتنتمي إليهم هيئة علماء الصومال، بالإضافة  إلى أساطين المال وعمالقة التجارة في الصومال.

والتيار السلفي تيار دعوي وعلمي أكثر منه تيارا سياسيا، فدعوته تنطلق من المساجد ومن حلقات العلوم الشرعية، كما يشاطر "الإخوان" هم تأسيس دولة حديثة بمرجعية إسلامية، ويندمج السلفيون الحركيون في الحياة الحزبية والجمعوية وتقبل بالانتخاب كآلية للتداول على السلطة.

وفي الوقت الحالي تعاني حركة الاعتصام صعوبة شديدة في الضبط والتنظيم أكثر من أي وقت مضى بسبب انتشار أعضاء الحركة في مختلف الأقاليم وفي المهجر الصومالي، كما يبدو منها إيثار الصمت وضعف التعاطي مع الأحداث ربما بسبب الصيحات المنتقدة بخوضها الحروب سابقا التي كان من نتائجها تفريخ مشاكل كثيرة منها حركة الشباب المجاهدين، التي تطورت -حسب المنتقدين للاعتصام- من حركة الاتحاد الإسلامي السلفي (الاسم القديم لحركة الاعتصام بالكتاب والسنة الحالية).

وفيما يتعلق بالمشاركة السياسية يبدو أن الجماعة ما زالت تفكر في بلورة صيغ عملية للمشاركة، وقد اكتفى البيان الختامي لمؤتمر هرجيسا الأخير للحركة (فبراير/شباط 2012) بالقول: "لا نرى مانعا من المشاركة في العمل السياسي بوصفه وسيلة من وسائل التغيير المعاصرة والمتاحة، ووفق الضوابط الشرعية", ونصح البيان أعضاء الجماعة: "بالرجوع إلى أهل الفتوى والقرار الإداري بخصوص المشاركة في واقع سياسي معين" ولكن هذه التوصية العامة لم تترجم بعد إلى برنامج عملي ملموس في المناطق الصومالية.

وفي ظل وصول الإخوان للسلطة سيمثل السلفيون من جهة أخرى عامل توازن وظهيرا قويا للإخوان في وجه تيارات تغريبية أو مصلحية كما حدث في مصر والسودان، حيث مثل التيار السلفي الرصيد الأكثر أهمية للرئيسين عمر حسن البشير ومحمد مرسي في الانتخابات الأخيرة في كلا البلدين.

التيار الصوفي (أهل السنة)
سيسعى التيار الصوفي بمجاميعه المختلفة -المسلحة وغير المسلحة- وطرقه المتعددة لاحتجاز مكانة مهمة في المشهد السياسي الذي بدأ يتشكل، كما سيتشبث بالاحتفاظ بالمكاسب التي حصل عليها لقاء تضحياته في الحروب ضد حركة الشباب، ومشاركته في توقيع وثيقة خريطة الطريق التي مهدت لتجاوز المرحلة الانتقالية في البلاد (سبتمبر/أيلول 2011)، وارتباطه بقوى دولية وإقليمية مثل إثيوبيا التي لن تنفك عن تأييده.

المخزون الشعبي للتيار الصوفي يتمركز في المساجد وحلقات الجوامع والتجار والسياسيين، وبإمكان التيار حشد تأييد كبير استنادا إلى المناطق الريفية والفئات الأقل تعليما، وإلى عدد لا بأس به من حملة الشهادات العليا والمثقفين والتجار وخصوصا في العاصمة مقديشو والمناطق الوسطى من الصومال.

وهناك تيارات أخرى من المستبعد جدا أن تلعب دورا ملموسا في الحراك السياسي المقبل بشكلها الحالي إما لعزوفها عن المشاركة وإما لإجماع اللاعبين على ضرورة إبعادها لعدم إيمانها بقواعد اللعبة السياسية كأسلوب للتغيير الاجتماعي.

حركة الشباب
من المتوقع أن الحركة ستخرج عن حلبة الصراع إذا قدر زوال سيطرتها على المناطق الجنوبية القليلة المتبقية في أيديها. وفي هذه الحالة فإن قادتها -الأجانب وغيرهم- سيتجهون إلى مناطق أخرى تحتضنهم، كما أن المتوقع أن ينصهر أتباعها في التيارات القائمة، وأقربها التيار السلفي المتمثل في حركة الاعتصام بالكتاب والسنة على غرار الجماعة الإسلامية بمصر.

جماعة التبليغ
التبليغ اتجاه دعوي يرتكز على فهم خاص لطريقة التغيير الاجتماعي معتمدا مبدأ التزكية عن طريق الوعظ وتنمية الوجدان والابتعاد عن إثارة الخلافات العقائدية والمذهبية، مراهنا على التربية التي تقوي الفرد المسلم بأنها ستتمخض يوما عن عودة إلى الإسلام، ونصر أكيد للإسلام والمسلمين.

نقطة الالتقاء بين كل تلك التيارات الإسلامية هي ولاؤها للشريعة الإسلامية كمرجعية للدولة ومؤسساتها مع وجود بعض الفروق في مستوى تطبيق الشريعة، وقبول قواعد اللعبة السياسية
"

نقاط الالتقاء والتحالفات الممكنة
نقطة الالتقاء بين كل تلك التيارات، التي ذكرت بعضها، هي ولاؤها للشريعة الإسلامية كمرجعية للدولة ومؤسساتها مع وجود بعض الفروق في مستوى تطبيق الشريعة، وقبول قواعد اللعبة السياسية ومفرداتها مثل التمثيل البرلماني والمرأة والدستور والديمقراطية والحريَّات، كما تشترك تلك التيارات جميعا في الحس الوطني والوعي بتاريخ الصراع في القرن الإفريقي ونظرتها إلى الصراع الدائر حاليا بمنظور إستراتيجي ديني.

وعليه فإنه يمكن أن تتعاون في مواجهة خطر آخر، كالقوة العلمانية أو التغريبية التي تجاهر بمعاداتها للشريعة أو تمثل مصالح خارجية.

الإسلاميون وإدارة العلاقات مع الغرب
على الرغم من بقاء مقولة رتشارد نيكسون في كتابه "الفرصة السانحة": "إن المتعامل مع العالم الإسلامي يشبه وضعه وضع الشخص الموجود في حفرة ضيقة ومعه مجموعة من الثعابين السامة، تحمل في رأسها أيديولوجيات متصارعة" حقيقة راسخة في الوجدان الغربي، فإنه في المرحلة الراهنة -في نظري- سيقبل التعامل مع الإسلاميين الملتزمين بقواعد اللعبة الديمقراطية رضوخا للواقع، وسيتحاشى مصطلحات "الإرهاب" و"الشيطنة" تماشيا مع النظرة الاستشراقية الحديثة التي تميل إلى اعتبار تلك التيارات قوة حقيقية انبثقت من المجتمع وليس فقاعة صابون وسحابة صيف سرعان ما تزول دون أن يعني ذلك أنها ستقف مكتوفة الأيدي أمام الأحداث التي قد تؤدي إلى خروج الأمر عن سيطرتها، بل ستتجه إلى إيجاد صيغة جديدة من التفاعلات الحذرة تؤدي إلى احتواء الإسلاميين -على الأقل- وبالقدر الذي لا يهدد مصالحها الإستراتيجية.

ولدى الغرب عدة أوراق أهمها النفوذ المالي باعتباره المانح الأكبر ذا الدور الحيوي في تسيير أعمال الحكومة الصومالية، وورقة تتمثل في تمكين نماذج هجينة من صوماليي المهجر  من السلطة عبر الدعم السياسي والمالي، وثالثة هي إبقاء تدخل دول الجوار ودعمها للحؤول دون تهيئة أجواء تمكن الصوماليين من الاستقلال بالقرار السياسي ورسم مستقبلهم بعيدا عن الإملاءات.

وفي المقابل فإن التيار الإسلامي في الصومال الذي ينتمي إلى ظروف الربيع العربي بات أكثر وعيا بمسائل الهوية والصراع المحتدم حولها، وأهمية الاتكاء على الشرعية الواقعية بدل إدارة الظهر للغرب.

والمتوقع أن التيار الإسلامي الجديد باعتماده على أدوات التحليل السياسي سيتحاشى التسرع في الدخول في مواجهة مع الدول الغربية والجوار والمانحين، ويبتعد عن كل ما له صلة بالعنف مع استخدام لغة تخفف من هواجس الغرب في مسائل الحقوق المدنية والسياسية، والتعددية السياسية، وحقوق المرأة والأقليات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك