أسامة أبو ارشيد

أسامة أبو ارشيد

كاتب فلسطيني مقيم في واشنطن, من مواليد القاهرة (مصر) عام 1973

معان كثيرة تكشف عنها الأزمة الملتهبة في مصر اليوم، ولا أظن أن التأزيم سينتهي بحال بعد الاستفتاء على الدستور، سواء أكانت نتيجته نعم أم لا. فالمسألة لا تتعلق بالدستور ذاته بقدر ما أنها مرتبطة بصراع محلي وإقليمي ودولي على هوية مصر وحجمها ومكانتها والدور الذي تريد، وينبغي أن تلعبه في فضاء المنطقة وصياغة سياساتها.

فالأصل أن مصر هي القاطرة لا المقطورة عربيا، ولكنها تحت عقود من حكم الرئيس السابق، محمد حسني مبارك، أصبحت تبعا وكمّا مهمشا إلى حد كبير.

ولأن مصر، أكانت ضعيفة أم قوية، تمثل الثقل العربي الحقيقي، فإن أي تغيير يجري فيها لا شك بأنه سيستلزم تداعيات مستقبلية، سواء أكانت عاجلة أم آجلة في فضاء المنطقة. فمصر حتى وإن تهشمت سياسيا، كما جرى تحت حكم مبارك، وقبل ذلك من بعد توقيع الرئيس أنور السادات لاتفاقية كامب ديفد عام 1978 مع إسرائيل، إلا أن ثقل مصر عربيا يتأتى من مصادر عدة: سكانية، وثقافية، وفنية، وجغرافية، وعسكرية... إلخ. بمعنى أنه لا يمكن حصره ببعد واحد فحسب.

مصر تمثل الطليعة العربية، شاءت أم كرهت، وشاء العرب كذلك أم كرهوا، وبدون مصر في قمرة القيادة يتيه العرب كما تاهوا لعقود طويلة غابت فيها مصر عن التأثير والفعل

فمصر تمثل الطليعة العربية، شاءت أم كرهت، وشاء العرب كذلك أم كرهوا، وبدون مصر في قمرة القيادة يتيه العرب كما تاهوا لعقود طويلة غابت فيها مصر عن التأثير والفعل.

ومن ثمّ فإنه ليس من المستغرب تلك التسريبات التي تتحدث عن دور بعض عربي -وتحديدا بعض خليجي- مستاء من التغيير الذي جرى في مصر، خصوصا وأنها كانت صاحبة تأثير كبير على مصر مبارك وتحجيمها. فغياب مصر، المؤهل الأبرز والأكفأ للقيادة في فضاء المنطقة العربية، أفسح المجال لدول هامشية لإدارة الدفة وَتَسَنُمِ زمام المبادرة.

ولم يعد سرا بأن بعض تلك الدول الخليجية -(مع ضرورة استثناء قطر تحديدا والتي انحازت إلى الربيع العربي منذ انطلاقته في تونس)- سعت وضغطت على الغرب، وتحديدا الولايات المتحدة، للحفاظ على مبارك ونظامه ما قبل سقوطه، ثمّ ما لبثت أن قامت بتمويل تيارات مختلفة ما بعد سقوطه على أمل أن تتحكم في صياغة مفاصل المشهد المصري طور التشكل ومخرجاته.

فالتغيير في مصر ووصوله إلى برّ الأمان يعني أنه لا بد أن تصل رياحه يوما إلى كل الإقليم العربي، بما فيها بعض الخليجي، الذي لا زال رافضا للتغيير ومصرا على الحكم استنادا إلى نظم وموروثات بالية. فمصر دائما ما كانت، وستبقى، رائدة التغيير في البنية الثقافية في المنطقة، وهذا هو مكمن الخطر لأولئك الذين يدركون هذا، ومن أجل ذلك سعوا لعقود لإبقائها مُجْهَضَةً منهكة.

أيضا، يتم تداول معلومات كثيرة عن أن إيران حاولت، ولا تزال تحاول أن تجد موطئ قدم لها في الساحة السياسية المصرية التي تعيش حالة من الفوضى الآن، وهناك حديث عن أن إيران دعمت حملة مرشح يساري قومي للرئاسة سابقا، وأحد أقطاب المعارضة اليوم.

وثمة من يرى أن إيران قلقة من صعود قطب سني محوري في المنطقة (ومن هنا منبع تحسسها من فوز الإخوان المسلمين في مصر بالرئاسة) متحالف مع تركيا وبعض دول الربيع العربي الأخرى فضلا عن قطر، بما يشكل معادلا موضوعيا، بل ومرجحا، على حساب التمدد الإيراني في المنطقة عبر حلفائها القدامى من مثل حزب الله وسوريا، والجدد، كما في العراق.

فإذا ما أخذنا في الاعتبار الخسارة المحتملة لإيران في سوريا وخروجها من فلكها الإقليمي، فضلا عن توتر علاقاتها مع الحليف الآخر في المقاومة الفلسطينية جراء المواقف الإيرانية الداعمة للنظام السوري، فإن مصر قوية ومستقرة وطامحة لاستعادة دورها التاريخي والمحوري في المنطقة يغدوا تهديدا جديا للدور الإيراني الطامح للسيطرة في ذلك الفضاء. 

طبعا لا يكتمل الحديث عن القلقين من الاستقرار في مصر، ومن ثمَّ إمكانية ملئها جزءا من الفراغ القيادي في المنطقة إن لم نشر لإسرائيل والغرب، وتحديدا الولايات المتحدة.

فإسرائيل التي استماتت من قبل في الدفاع عن نظام مبارك وحثت أوروبا والولايات المتحدة على الحفاظ عليه، أو على الأقل السماح بانتقال القيادة منه لأحد رموز نظامه (راجع الصحافة الإسرائيلية مطلع عام 2011) ليست في وارد أن ترى مصر مستقرة طامحة تحت قيادة رئيس إخواني.

صحيح أن إسرائيل قد لا تكون تريد أن ترى فوضى عارمة في مصر بما يهدد استقرار حدودها الجنوبية، ولكنها أيضا لا تريد أن ترى مصر أكثر تحررا من الضغوط الغربية وَتُحْكَمُ إلى درجة أكبر بشكل منسجم مع نبض شارعها والذي لن يكون بحال مع إسرائيل وسياساتها العدوانية.

أضف إلى ذلك أن مصر، كدولة محورية ومركزية في المنطقة، لا تستطيع أن تستقيل من مسؤولياتها التاريخية والجيوإستراتيجية في المنطقة. وبهذا، وحتى إن افترضنا جدلا أن مصر تريد فعلا الاستقالة من التناقض التاريخي والأيديولوجي مع إسرائيل، فإنه لا يمكن بحال افتراض أن مصر ما بعد الثورة ستستقيل من التنافس الإقليمي على النفوذ. فكلا الدولتين مركزيتان في المنطقة وتملكان الدوافع والإمكانات للانخراط في مثل هذا التنافس.

ومن ثمّ فإن الإطاحة بمبارك الذي وصفه ساسة إسرائيليون بـ"الكنز الإستراتيجي" لإسرائيل، ضمن سياق ما وصف إسرائيليا أيضا بـ"زلزال" في المنطقة، أي الربيع العربي، وإمكانية تحقيق استقرار في مصر تحت قيادة إخوانية لا تخفي كراهيتها لإسرائيل، وتاريخهم (أي الإخوان) شاهد على ذلك، يعني معضلة إستراتيجية حقيقية لها على المدى البعيد.

أي نهوض مستقبلي لمصر يعني تقليصا للنفوذ الإسرائيلي في المنطقة, وبهذا لا يمكن استبعاد دور أصابع إسرائيلية من العبث في أمن مصر واستقرارها

ويكفي للتدليل هنا، أن إسرائيل كانت تتآمر على مصر (الدولة) حتى وهي تعيش حالة "الإجهاض الذاتي" تحت قيادة "كنزها الإستراتيجي" مبارك.

ودورها في تحريض دول منابع النيل لم يعد خافيا. فأي نهوض مستقبلي لمصر يعني تقليصا للنفوذ الإسرائيلي في المنطقة. وبهذا لا يمكن استبعاد دور أصابع إسرائيلية من العبث في أمن مصر واستقرارها.

أما الغرب، وتحديدا الولايات المتحدة، فإنه وإن كان أيضا يسعى لأن يتفادى فوضى عارمة في المنطقة تؤثر على استقرارها ومصالحه الحيوية والإستراتيجية فيها، غير أنه أيضا لا يريد للمنطقة أن تشبَّ عن الطوق.

الولايات المتحدة على وجه الخصوص، تبحث عن استقرار في المنطقة وذلك عبر نظم جديدة تحظى بشرعية وعمق شعبي، في ذات الوقت الذي لا تخرق فيه تلك الأنظمة الجديدة قواعد اللعبة، حتى وإن سمحَ لها برفع سقوف تلك القواعد.

مردُّ ذلك أن إمكانيات الولايات المتحدة وقدراتها في حالة تراجع مستمر جراء أزمتها الاقتصادية من ناحية، فضلا عن تصاعد التهديد لمكانتها الدولية من لاعبين دوليين آخرين، وخصوصا الصين، وتحديدا في منطقة "آسيا المحيط الهادي"، حسب القاموس السياسي الأميركي.

وقد مثلت "الإستراتيجية الدفاعية الأميركية" الجديدة -التي أعلن عنها الرئيس الأميركي باراك أوباما ووزير دفاعه ليون بانيتا في شهر مارس/آذار الماضي- التعبير الأوضح عن التوجه الأميركي الجديد لاحتواء النفوذ الصيني المتصاعد في ذلك المجال الجيوإستراتيجي.

ولهذا، فإن الولايات المتحدة سعت، ولا زالت، إلى "تهدئة" بعض جبهات الصداع الأميركية الأخرى، وخصوصا في منطقة الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي (الانسحاب من العراق، الاستعداد للانسحاب من أفغانستان، التعامل مع ملف الصراع العربي الإسرائيلي بمنطق الحبوب المهدئة لا المعالجة الجذرية، محاولة التوصل إلى حلول دبلوماسية مع إيران بشأن برنامجها النووي... إلخ) للتفرغ للتهديد الإستراتيجي الصيني.

وضمن "المهدئات" الأميركية في المنطقة كان منطق التخفف من بعض النظم العربية التي أصبحت تشكل عبئا إستراتيجيا عليها، مثل نظام زين العابدين بن علي التونسي، ونظام مبارك المصري، ونظام علي عبد الله صالح اليمني. فأميركا خلصت إلى أن كلفة الحفاظ على هذه الأنظمة الحليفة لها، ولكن المكروهة شعبيا، أصبحت أكبر من كلفة التخلص منها.

لكن هذا لا يعني أن أميركا ستترك الحبل على الغارب. وفي الحالة المصرية، محل النقاش اليوم، فإن الولايات المتحدة التي قبلت بوصول الإسلاميين إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع مقابل الاستقرار، كانت تدرك منذ البدء أنها تملك أوراقا كثيرة لضمان عدم "تمرد" مصر الجديدة، على الأقل في المدى المنظور.

فمصر -وهي ثاني أكبر متلق للمساعدات الأميركية السنوية بعد إسرائيل (أكثر من ملياري دولار نظير الحفاظ على اتفاقية كامب ديفد)- بحاجة إلى مساعدات مالية كبيرة، خصوصا وأنها تقف على شفير الإفلاس بعد الثورة جراء تراجع احتياطيات البلد من العملة الصعبة بشكل مهول. وبدون الدعم الأميركي، فإن مصر لا يمكنها أبدا أن تحلم بالحصول على قروض من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي. دع عنك طبعا النفوذ الأميركي لدى المؤسسة العسكرية المصرية.

وبهذا، فإن الولايات المتحدة، وإن اتسم موقفها بالغموض مما يجري من صراع حول الاستفتاء على الدستور في مصر، غير أنها حريصة على أن يراعي النظام السياسي الجديد بعض الاشتراطات الأميركية، من مثل حقوق الأقليات (الأقباط تحديدا)، والمرأة، وما تصفه الولايات المتحدة بحرية العبادة. هذا طبعا، دون أن ننسى الشرط الرئيس والأساس: اتفاقية السلام مع إسرائيل.

ومن ثمّ فإن تواصل السفيرة الأميركية في القاهرة، ومسؤولين أميركيين آخرين، مع طرفي أزمة الاستفتاء على الدستور في مصر، يهدف إلى أمرين اثنين، الأول: الحفاظ على الاستقرار في مصر، والثاني: ضمان أن "مصر الجديدة" تدرك أن أميركا لا زالت لاعبا رئيسيا في الشؤون الداخلية للبلد.

وتبقى مسألة أخيرة متعلقة بالصراع على هوية مصر. فمن الواضح أن ثمة من يتحسس في صفوف المعارضة المصرية من أي "صبغة" إسلامية للبلد. وإذا كان من المفهوم أن تتأتى المعارضة من قبل الأقباط، فإنه يغدو ذا أهمية خاصة عندما تأتي المعارضة أيضا من قبل قوى علمانية وليبرالية ويسارية.

لا أريد هنا أن أناقش تفاصيل الدستور المقترح للاستفتاء وما إذا كان فعلا "يُؤَسْلِمُ" الدولة كما يزعم المعارضون له، فالأمر بمحصلته أبعد ما يكون عن ذلك، دون نفي "جرعة الأسلمة" الزائدة نسبيا عن الدستور السابق.

فالخلاف حقيقة ليس حول مزاعم "أسلمة" الدولة بقدر ما أنه، من ناحية، خلاف حول دور الإسلام ذاته وماهيته ومدى أثره في المجتمع. فضلا عن أن قوى كثيرة داخلية، لم تستطع أن تستوعب بعد، وغير قادرة على تقبل فكرة أن يحكم الإسلاميون، وهم من عاشوا لعقود طويلة ضحايا قمع سلطوي منظم.

الصراع ليس على استفتاء دستوري من عدمه, بل هو صراع على مكانة مصر وهويتها ومستقبلها, كما أنه صراع تَحالَفَ فيه الخارج مع الكارهين لصعود الإسلاميين في مصر، ومع الفلول الذين لم يُسَلِّموا بعد بالهزيمة

فبالنسبة لهؤلاء، فإن الإسلامي لا يغدو أن يكون أحد اثنين، إما سجينا مقموعا مطاردا، أو "درويشا" في مسجد. وقد لا يمانع أولئك من أن يكون الإسلامي عضوا في برلمان أو صاحب برنامج إعلامي، ولكن أن يكونوا أغلبية فهذا يعني أن ثمة خللا بنيويا في المجتمع.

ألم يقل بعض المعارضين للاستفتاء على الدستور أن أحد أسباب رفضهم التوجه إلى الاستفتاء هو أن غالبية الشعب من الأميين ممن لا يملكون القدرة على موازنة الأمور!؟ ووصل الأمر بأحد الكتاب المصريين المعارضين إلى المطالبة بمنع كل "أمِّيٍّ" من حق الاستفتاء.

فحسب أولئك المعارضين، فإن الإسلاميين أقدر على الحشد وعلى تمرير مواقفهم ورؤاهم لأن قسما كبيرا من القاعدة الشعبية المصرية هي من "الأميين".

الغريب هنا، أن تنامي الأمية والجهل في مصر تمَّّ تحت سمع وبصر وجراء سياسات أنظمة علمانية ويسارية وليبرالية قمعية حكمت مصر لعقود طويلة، سواء أكان ذلك تحت الملكية، أم الناصرية، أم الساداتية، أم المباركية. فلم يلام الإسلاميون على ذلك اليوم!؟

إذاً، فالصراع ليس على استفتاء دستوري من عدمه (مع التحفظ على طريقة إعلانه في المرة الأولى). إنه صراع على مكانة مصر وهويتها ومستقبلها، إنه صراع تَحالَفَ فيه الضغط والدعم الخارجي العربي والأجنبي، مع الكارهين لصعود الإسلاميين في مصر، ومع الفلول الذين لم يُسَلِّموا بعد بالهزيمة. 

نعم، ثمة من لا يريد لمصر الخير، وثمة من يريد أن يبقيها رهينة وأسيرة لمنطق "الإجهاض الذاتي"، وثمة من لا يرى في الرئيس محمد مرسي إلا رئيسا عابرا جاء ضمن سياق غلطة تاريخية لا ينبغي أن تتكرر ولا حتى أن تستمر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك