صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي

ظهرت مع الثورات العربية تعابير ومصطلحات مثل، الأزلام والفلول وهي في الحقيقة صفات تلحق بالطرف الآخر أثناء وبعد نهاية الصراع، كما أنها لم تكن معتادة في قاموس الثورات التي سبقتها في التاريخ.

مصطلح الأزلام أنتج عددا من المعايير والأوضاع القانونية التي أفضت بدورها إلى كثير من التصنيفات والاجتهادات حول طبيعة التصرفات والأفعال التي قام بها سدنة نظام القذافي

لقد حوى قاموس الثورة الليبية مصطلح الأزلام وهو صفة تلحق بالأشخاص الموالين لنظام القذافي سواء لقناعاتهم أو فقط لارتباط مصالحهم المادية بوجود هذا النظام واستمراريته، ولكن هذا المصطلح أنتج عددا من المعايير والأوضاع القانونية التي أفضت بدورها إلى كثير من التصنيفات والاجتهادات حول طبيعة التصرفات والأفعال التي قام بها هؤلاء في ظل نظام القذافي.

ترتب على ذلك وجود نوعين من الأوضاع المتعلقة بمن ينعتهم قاموس الثورة بالأزلام. الوضع الأول يتعلق بمن يصنفون قانونيا وسياسيا في خانة المجرمين، وهم من مارسوا أفعال القتل والتعذيب وسرقة المال العام وهؤلاء يحق لهم المثول أمام المحاكم للدفاع عن أنفسهم ضد التهم الموجهة إليهم.

الوضع الثاني يخص أولئك الذين عملوا في المؤسسات السياسية والأمنية وعرف عنهم ولاؤهم لنظام القذافي دون أن يثبت ارتكابهم أو مشاركتهم في أفعال القتل والتعذيب أو سرقة الأموال العامة.

بالنسبة للفئة الأولى لا يوجد لبس في تحديد معايير تصنيفها المتعلقة بأفعال وتصرفات جنائية  وبالتالي فإن الموقف منها واضح وموحد ولا يثير جدلا أو اجتهادات، كما ساعد على ذلك إن هؤلاء  -ما عدا استثناءات قليلة- بقوا في معسكر القذافي حتى النهاية أو هربوا قبلها بقليل، أما الفئة الثانية فقد انقسمت إلى موقفين، أولهما تمثل في إعلان الانضمام إلى الثورة في مراحل مختلفة أثناء الحرب بينما اتخذت بقيتهم موقفا محايدا فلم تقف مع القذافي ولم تعلن اصطفافها إلى جانب الثورة.

لقد خلقت هذه الفئة -التي لم ترتكب أفعالا جنائية ضد الليبيين وانشق بعضها ووقف بعضها الآخر على الحياد- إشكالية الانشقاق والعزل السياسي وهى إحدى أكبر المشاكل التي تواجه الثورة في ليبيا بعد انتصارها على القذافي.

يعتبر مصطلح الانشقاق نادرا في قاموس الثورات التي توالت في أحقاب مختلفة من التاريخ، فالثورة الفرنسية والبلشفية والثورة الإيرانية، لم تعترف جميعها لمن تعتبرهم أعداءها أو أعوانا للنظام السابق بأي حق سياسي، بل مارست ضدهم تصفيات جسدية غاية في البشاعة، أما في ثورات الربيع العربي فقد شكل المنشقون ظاهرة تميزت بها هذه الثورات، ففي مصر ترشح رئيس وزراء الرئيس حسنى مبارك لرئاسة الجمهورية في عهد الثورة وكاد أن يفوز بها، وفي ليبيا ترأس المستشار مصطفى عبد الجليل المجلس الانتقالي الليبي رغم أنه  كان وزيرا للعدل في نظام القذافي.

غير أن ظاهرة المنشقين في الثورة الليبية تميزت عن غيرها في الثورات العربية الأخرى وذلك نظرا لطبيعة المسار الذي اتخذته هذه الثورة -وهو الصراع المسلح- إلى جانب المدى الزمني الذي استغرقه هذا الصراع، ولهذا فإن معايير التمييز بين المنشقين في الثورة الليبية هي معايير تتعلق بالتصرفات وأخرى تتعلق بالزمن.

الذين انشقوا ما بين السابع عشر والعشرين من فبراير/شباط لعبوا دورا كبيرا في الثورة وتبوؤوا مراكز قيادية إبان فترة الصراع مع القذافي، لا يطالهم العزل السياسي طالما أنهم لم يرتكبوا جرائم قتل وتعذيب الليبيين أو سرقة المال العام

ولهذا فقد تم تحديد العشرين من فبراير/شباط عام ألفين وأحد عشر حدا فاصلا يتم على ضوئه تصنيف المنشقين فمن أعلن انشقاقه عن القذافي وانضمامه إلى الثورة في المدة الواقعة ما بين السابع عشر والعشرين من فبراير/شباط يعتبر من الثوار بينما من انشق بعد هذا التاريخ وحتى التاسع عشر من مارس/آذار لا يجرى تصنيفه ضمن الفئة الأولى ولكنه في نفس الوقت يختلف عن من انشقوا في تواريخ لاحقة.

لهذين التاريخين علاقة بلحظتين فاصلتين في تاريخ الثورة فالتاريخ الأول المحصور ما بين السابع عشر والعشرين من فبراير/شباط يمثل الأيام الأربعة الأولى لانفجار الثورة حيث لم يكن أحد على يقين بأنها ستنتصر أو أنها مجرد هبة وأعمال شغب سيتم سحقها وبالتالي لا ينتظر من شارك فيها أو انضم إليها سوى الموت، ولهذا فإنه -حسب الرأي العام- قد تساوى  مصير أولئك الذين خرجوا إلى الشارع منذ يوم السابع عشر مع مصير الذين أعلنوا انشقاقهم وانضمامهم إلى الثوار خلال الأيام الأربعة الأولى.

لاشك إن هذه الفئة من المنشقين من أمثال المستشار عبد الجليل، قد لعبوا دورا كبيرا في الثورة وتبوؤوا مراكز قيادية إبان فترة الصراع مع القذافي، وهؤلاء لا يبدو أنه يطالهم العزل السياسي طالما أنهم لم يرتكبوا جرائم قتل وتعذيب الليبيين أو سرقة المال العام.

أما التاريخ الثاني الواقع ما بين العشرين من فبراير/شباط والتاسع عشر من مارس/آذار فإنه يمثل لحظتين خطيرتين في مسار الثورة، أولهما سقوط كتيبة الفضيل الأمنية يوم عشرين فبراير/شباط  وتحرر مدينة بنغازي وبالتالي فإن من انشقوا وانضموا بعد هذا اليوم هم في الواقع أعلنوا انحيازهم إلى ثورة بدأت تحقق أولى انتصاراتها ولم تعد مجرد هبة وأعمال شغب أو قفزة في الظلام، ولهذا فإن هؤلاء -في رأى الكثيرين- لا يمكن مساواتهم بالمبادرين الأوائل من المنشقين ولكن جاءت اللحظة الثانية بعد انشقاقهم فميزتهم عن من انشقوا بعد هذا التاريخ.

حيث في هذا اليوم -أي التاسع عشر من مارس/آذار- زحفت كتائب القذافي على مدينة بنغازي بعد شهر من تحررها وفي حالة انتصار هذه الكتائب ودخولها إلى بنغازي فذلك كان يعنى أنها ستستحل المدينة تقتيلا وتخريبا ولن يختلف مصير من انشقوا قبل التاسع عشر من مارس/آذار في نظر جلادي القذافي عن مصير من انشقوا قبل العشرين من فبراير/شباط.

هكذا هي الخلفية التاريخية للجدل الدائر حول قانون العزل السياسي في الثورة الليبية، فهناك رأي يرى ضرورة أن يبعد سياسيا كل من عمل مع النظام في مراكز قيادية سياسية وإدارية كانت أو أمنية عسكرية بصرف النظر عن تواريخ انشقاقهم وانضمامهم إلى الثورة بينما يرى آخرون أن يقتصر العزل السياسي على أولئك الذين ارتكبوا أفعالا مجرمة ولا يطال الذين انشقوا منذ الأيام الأولى للثورة وارتبط مصيرهم بمصير الثوار وشغلوا مواقع قيادية إبان مرحلة الصراع مع القذافي.

لا شك إن الجدل حول معايير العزل السياسي لا يعكس فقط الحرص على الثورة بل يعكس أيضا حالة من الصراع بين تيارات سياسية، فهناك من يتمسك بضرورة عزل كل من تبوأ منصبا في ظل نظام القذافي بصرف النظر عن تاريخ انشقاقه ومساهمته في الثورة، لأنه يهدف بذلك -في حقيقة الأمر- إلى استبعاد شخصيات يعتبرهم منافسين أقوياء لا يستطيع هزيمتهم سياسيا إذا ما دخلوا حلبة التنافس السياسي معه.

ولذا فليس أمامه سوى تأييد فكرة تعميم معايير العزل السياسي حتى يقع هؤلاء تحت طائلة قانون العزل، بينما يعارض هؤلاء المستهدفون فكرة التعميم ويتبنون معايير تأخذ بعين الاعتبار نظافة اليد والأداء أثناء الثورة وتواريخ الانشقاق، لأنهم يدركون أن التعميم هو سلاح في يد منافسيهم.

التوسع في معايير العزل السياسي لا يكون فقط عرضة للأهواء والصراعات السياسية، بل يؤدي أيضا إلى استهداف فئات كثيرة ووضعها في خانة الأعداء بينما كانت في الواقع من المساهمين في نجاح الثورة

لا شك أن التوسع في معايير العزل السياسي لا يكون فقط عرضة للأهواء والصراعات السياسية، بل يؤدي أيضا إلى استهداف فئات كثيرة ووضعها في خانة الأعداء بينما كانت في الواقع من المساهمين في نجاح الثورة وليست معادية لها، ولكن من الإنصاف أيضا القول بأنه ليس كل المنشقين الذين انضموا إلى الثورة كانوا منحازين إلى ما ترفعه من أهداف ومبادئ، فلعل بعضهم قام بعملية مفاضلة بين احتمالين وهما انتصار الثورة أو انتصار القذافي، فاختار المراهنة على الاحتمال الأول، لأن قراءته للواقع قادته إلى القناعة بأن المرحلة لم تعد مرحلة القذافي الذي كان يعمل في ظله لعدة سنوات.

لعل هذا الجدل حول الانشقاق والعزل في الثورة الليبية وثورات الربيع العربي، مرده إن هذه الثورات لم تقع في القرن الثامن عشر ولا بداية القرن العشرين حيث لم يكن لأعداء الثورات المنتصرة آنذاك مكان آخر سوى القبر، فلم يكن العالم يومها قرية واحدة تسكنها المؤسسات الدولية ومنظمات المجتمع المدني وحقوق الإنسان وتعيش تحت مجهر ثورة الاتصالات، فقد ترتب على هذا الاختلاف نتيجة أخرى غير مسبوقة هي إن التعايش بين الثورة ومن تعتبرهم خصومها، أثر في تشكيل البنيات والمؤسسات السياسية فأدى إلى اختلافات واجتهادات.

المصدر : الجزيرة

التعليقات