وحيد مفضل

وحيد مفضل

باحث وكاتب علمي مصري

 

حسابات المسألة السياسية الراهنة
ثوابت الأمة وواجبات الحاكم والمحكوم

"إذا أراد الله بقوم سوءا، أشاع فيهم كثرة الجدل وقلة العمل"، قول مأثور ينسب للقمان الحكيم، خير ما ينطبق على مصر المحروسة منذ نجاح الثورة وخلع نظام مبارك وحتى وقت كتابة هذه السطور. فمنذ ذلك الحين، لم يعرض موضوع وطني للنقاش، سواء كان يتعلق بمجلس الشعب أو الدستور أو أي جانب آخر، إلا وتحول لمعركة، بل محرقة، عنوانها الأساسي الانتهازية السياسية والتحيز الأعمى وكره الآخر، وغير ذلك مما يدل على تغليب الصالح الخاص على صالح الوطن.

وفي ذلك لم تلتفت النخبة المصرية للأسف ولا الأحزاب السياسية الموجودة حاليا، أو النشطاء والثوار الجدد أو غيرهم، إلى ميزة الثورة المصرية الكبرى، التي تتمثل في بياضها ونقائها وقيامها على الاتحاد وليس الفرقة.

كما لم يلتفت هؤلاء إلى ميزة أخرى كبرى، تتمثل في دعم الجيش لهذه الثورة، ومن ثم عدم اقتتال الشعب الثائر مع القوات المسلحة، كما حدث في اليمن وليبيا، وكما يحدث حاليا في سوريا.

الشيء الوحيد الذي تم بشكل سليم وفي إطار من التنافس الشريف واحترام لأسس العملية الديمقراطية، خلال كل تلك الفترة، كان عملية انتخاب رئيس الجمهورية، ومن قبلها تسليم المجلس العسكري للسلطة المدنية بحسب ما أقر ووعد.

هل يستدعي مشروع الدستور الجديد رغم اتفاق الجميع على سلامة أغلب مواده، كل هذا الاعتراض والرفض والتشويه؟ وهل تستدعي قرارات مرسي السابقة والحاضرة كل هذا الهجوم المنظم، وشخصه كل هذا الشتم والتهديد والوعيد؟

لكن حتى هذا الشيء الوحيد الجميل، لم يسلم أيضا من الدنس ومن العبث، وهذا بسبب رغبة البعض في الداخل، وما أكثرهم، في إفساده وتحويل عرس الديمقراطية المصري إلى مسرح عبثي دائم، من خلال المطالبة بإسقاط الرئيس المنتخب، بل وإسقاط النظام الشرعي كله، لمجرد خطأ سياسي وحيد، لا يمكن أن يتناسب حجمه أبدا مع الحادث من عويل وتهويل.

وإلا هل يعقل أن يستدعي إصدار الرئيس المنتخب لإعلان 22 نوفمبر/تشرين الثاني الدستوري -والذي كان سيسقط تلقائيا خلال عدة أيام- كل هذا التصعيد والشحن والتسخين؟!

وهل يستدعي مشروع الدستور الجديد رغم اتفاق الجميع على سلامة أغلب مواده، كل هذا الاعتراض والرفض والتشويه؟ وهل تستدعي قرارات مرسي السابقة والحاضرة كل هذا الهجوم المنظم، وشخصه كل هذا الشتم والتهديد والوعيد؟

حسابات المسألة السياسية الراهنة
بناء على ما سبق، لا أحسب أن المسألة ومقدار المعارضة الحادثة ترجع في الأساس لسوء إدارة الرجل أو إلى أخطاء ارتكبتها مؤسسة الرئاسة، بل ترجع إلى حسابات أخرى، تتعلق كما يبدو باستكثار قيادات المعارضة وقوى أخرى سياسية وصول الرجل وجماعة الإخوان المسلمين لسدة الحكم، رغم تدني التوقعات، ورغم ما أشيع أثناء الانتخابات بأن مرسي ليس إلا "أستبن" وليس له أي حظوظ في الفوز.

وتتعلق أيضا برغبة هذه القيادات في إفشال مرسي ومن ثم إعادة بناء النظام من جديد، حتى ولو كان هذا على حساب استقرار الوطن.

كما تتعلق المسألة بوجود مشاعر كره غريزي لدى نسبة مؤثرة من العامة والخاصة في مصر وخارجها ضد الإخوان والجماعات الإسلامية الأخرى، وهذا بسبب حملات التشويه المنظمة التي انتهجها جهاز أمن الدولة السابق في نظام مبارك، بل كل الأنظمة السابقة ضدها.

يضاف إلى هذا ارتكاب جماعة الإخوان وقياداتها بعض الأخطاء السياسية القاتلة ورجوعها عن وعودها السياسية أكثر من مرة، مما أظهرها في صورة مغايرة.

لكن وبغض النظر عن كل هذا، لا يمكن لأي متابع منصف ومحايد، أن يصف ما يحدث حاليا اتجاه مرسي والإخوان بأنه معارضة أو أنه ردة فعل طبيعية ومنطقية على قرارات غير مصيرية ومؤقتة، بل بأنه تنكيل سياسي ومعنوي متعمد وربما منظم وممنهج بالرئيس المنتخب وبجماعة الإخوان وبذراعها السياسي حزب الحرية والعدالة.

ولدينا في هذا أكثر من شاهد ودليل، لا يمكن تجاهله عند مراجعة ما يحدث أو تقييم مجمل المشهد السياسي الحالي.

ومن ذلك نشر الإشاعات المغرضة التي من شأنها إشاعة البلبلة وتشويه الصورة النمطية للإخوان في أذهان العامة، وإلصاق هذه الصورة بمعاني الاتجار بالدين والخيانة والعمالة، وغيرها من المعاني البغيضة والمسيئة.

كيف يكون دكتاتورا وقد تراجع من قبل عن قرارين هامين صدرا عنه سابقا، وهذا احترام للشرعية وللقضاء المصري؟ وكيف يكون دكتاتورا وهو لا يحتكم أو يملك أصلا أي سلطة على ثلاث أدوات مهمة وأساسية من أدوات الحكم وهي القضاء والإعلام والشرطة؟

ولعل من أبرز ما تم ترويجه شائعة قتل الأخوان للثوار والمتظاهرين في موقعة الجمل، وعزمهم بيع قناة السويس لدولة قطر، والسماح للفلسطينيين باستيطان سيناء، وغير ذلك من الإشاعات الواهية التي تم تداولها أحيانا على أنها حقائق دامغة لا تقبل الشك، والتي انطلى بعضها أو جلها للأسف على رجل الشارع والمواطن الساذج البسيط.

ومن هذه الشواهد أيضا تخلي الإعلام المصري لا سيما الخاص عن حياديته، واصطفافه بقوة وزخم إلى جانب المعارضة، بل وتسخير كافة منابره وأقلامه للترويج للإشاعات السابق ذكرها، وذم مرسي وإبراز مساوئ وأخطاء الإخوان والتيار الإسلامي عموما. ولا مانع في هذا من قلب الحقائق واتباع النظرة الانتقائية والأحادية عند مناقشة الأحداث والموضوعات، ولا مانع أيضا من شحن القراء والمشاهدين ضد قرارات مرسي، ومن الإيحاء بأن أغلب فئات الشعب المصري ترغب في إسقاطه والتخلص منه.

ولقد سبق وأن تعرضنا في هذا المقام لمساوئ وأخطاء الإعلام المصري بعد الثورة، لذا نحسب أن الأمر لا يحتاج لمزيد من الشرح أو البيان. ومع ذلك يجب التوقف هنا عند مثال واحد، جرى تسويقه وترويجه إعلاميا بامتياز وهذا من خلال شراكة غير مسبوقة بين جموع الإعلاميين والصحفيين المصريين والنخب السياسية المناهضة لمرسي.

ونقصد بهذا الترويج لفكرة أن عدم إسقاط إعلان 22 نوفمبر/تشرين الثاني الدستوري وما تضمنه من قرارات من شأنه أن يصنع دكتاتورا جديدا. وتناسى الجميع في هذا توضيح علامات أو مؤشرات هذه الدكتاتورية المزعومة، وكيف يكون مرسي دكتاتورا ولا توجد صحيفة أو قناة تلفزيونية مصرية واحدة تخلو ولو ليوم واحد من تحقير لشأنه بل وسبه علانية؟

وكيف يكون دكتاتورا وقد تراجع من قبل عن قرارين هامين صدرا عنه سابقا، وهذا احترام للشرعية وللقضاء المصري المتباكي بعض قضاته على نظام مبارك البائد؟! وكيف يكون دكتاتورا وهو لا يحتكم أو يملك أصلا أي سلطة على ثلاث أدوات مهمة وأساسية من أدوات الحكم، ولا أقول الدكتاتورية، وهي القضاء والإعلام والشرطة؟

ومن الشواهد الواضحة أيضا دخول أحزاب وقوى سياسية متباينة الأيديولوجيا والتوجه والمنهج في تحالف أو تكتل كبير مضاد، يبدو جليا أنه قائم على الرغبة في إسقاط مرسي وإسقاط الشرعية، أكثر من قيامه على أساس المعارضة البناءة أو دعم الممارسة الديمقراطية.

ولا مانع في هذا من الاستقواء بالخارج، واستخدام المال السياسي والإعلام الخاص، ولا مانع أيضا من التحالف مع الفلول واللجوء للعنف، طالما أنه سيكمل سلسلة التنكيل، وطالما أنه سيسهم في إسقاط مرسي والحزب الحاكم.

ثوابت الأمة وواجبات الحاكم والمحكوم
بالنسبة لظاهرة التنكيل بالإخوان وقياداتها وكوادرها، فلا يوجد حقيقة جديد بشأنها، فهي ظاهرة موسمية أو دورية مكررة، وهم الذين عذبوا وسجنوا وصودرت أموالهم كثيرا من قبل، بخاصة أثناء حكم عبد الناصر، ومن بعده السادات بعد فترة مهادنة، وأخيرا أثناء عهد مبارك وأجهزته القمعية المعروفة.

الجديد هذه المرة شيئان: الأول، بلوغ التنكيل مستوى القاعدة الشعبية، بعد أن كان حكرا على أجهزة الدولة البوليسية، وهذا بسبب نجاح الآلة الإعلامية المغرضة والتيارات السياسية المناهضة في تأصيل هذه الفكرة وتعميقها في فكر وانطباع المواطن العادي البسيط.

الأمر الثاني امتداد هذا التنكيل لرئيس الدولة (الإخواني) المنتخب، واستمرار حملة الاستقطاب المضاد والتشويه والتصعيد، من دون إعطائه الفرصة الكافية أو الوقت اللازم لإثبات ذاته أو تحقيق ما وعد به.

أتمنى أن نعي المبادئ الأساسية لكي نختصر الوقت ولكي يسير ركب الأمة للأمام لا للخلف. نحن جميعا في قارب واحد، ولا يحق بالتالي لأي أحمق أن يقوم بخرقه أو تعطيل مسيرته. أتمنى أن يعمل الجميع بجد لصالح وطننا الغالي، لأنه الوحيد الباقي ولأن كل الباقي فان

لذا فإنه من حيث المبدأ يبدو أن المد المضاد لمرسي والإخوان عال للغاية هذه المرة، وأظن أنه سيبقى هكذا لفترة، بما يدعو للتساؤل حول قدرة مرسي الرئيس على الصمود، وقدرة البلاد على النهوض. وبالتالي فكل التوقعات مطروحة، لا سيما في ظل استمرار تعنت قوى المعارضة بخاصة جبهة الإنقاذ الوطني، وعدم قبولها بالتنازلات التي قدمها مرسي مؤخرا، بإلغائه للإعلان الدستوري المسبب للأزمة، واستمرارها في التصعيد وشحن الجماهير والقوي الثورية.

لذا لا تكمن المشكلة في رأيي فيما سيفعله مرسي أو سُيفعل به غدا، بل فيما سيفعله الشعب المصري وقوى المعارضة قاطبة بعد غد، وفي كيفية سير الأمور، سواء بقي مرسي أو ذهب.

وأعني بهذا أنه إذا كان زوال مرسي الرئيس الشرعي المنتخب والحزب الحاكم من المشهد، يمثل حلا للبعض وإراحة لجميع القوى السياسية والثورية المعارضة، على ما في ذلك من إساءة لاستخدام الديمقراطية ولي للإرادة الشعبية وتأصيل لمبادئ كثيرة غير سوية، فكيف سيسير الوطن غدا في ظل غياب هذه القيم؟ ومن سيستطيع إدارته في ظل تأصل هذه المفاهيم في وعي الشارع والقوى الثورية المتكاثرة؟

وكيف سيمكن لمرسي -إذا ما قدر له وبقي- إدارة البلاد وإحكام السيطرة، في ظل تنامي العداء الإعلامي له وللحزب الحاكم عموما، وفي ظل اعتراض قوى المعارضة الدائم على قراراته، وتصعيدها المتوقع للأحداث خلال الفترة القادمة، بسبب الاستفتاء على الدستور؟

لذا وللخروج من هذا المأزق يجب الانتباه لعدة ثوابت أو مبادئ رئيسة مسيرة لقافلة أي وطن، ويجب الإيمان والعمل بها، لضمان استمرار أي ركب، وهي:

  • - لا يمكن أن تبقى مصر في حالة ثورية للأبد، أو يظل شحن المليونيات ممتدا هكذا بدون ضابط أو رابط، ولا يصح أن يتخذ أحد أو كيان ما من الثورة وأهدافها شماعة أو داعيا للتصعيد واستعرض القوة، ولا من شهدائها وسيلة للاتجار بمبادئ الثورة أو الحصول على مكاسب سياسية أو القفز على السلطة. بل الأجدى أن نتبع أسس المعارضة البناءة والممارسة الديمقراطية السليمة بما يحقق صالح الوطن.
  • - لا يمكن أن نطالب بإسقاط الشرعية عن الرئيس المنتخب لمجرد عدم الرضا عن بعض القرارات الصادرة منه، أو لمجرد اتهامه بالفشل في إدارة البلاد. بل الأجدى احترام اختيار الشعب والإرادة الانتخابية والاحتكام لنتائج الانتخابات والاستفتاءات، لأن غير هذا سيؤسس لسنة غير حميدة، وهي مطالبة أي رئيس أو نظام قادم بالرحيل، في حالة إذا لم تأت بعض قراراته على الهوى.
  • - كذلك لا يمكن أن نبرر الدعوة إلى استخدام العنف ضد أي فصيل سياسي أو قيادة أو فرد عادي أو منشأة، لمجرد الاختلاف معه فكريا أو دينيا، أو لمجرد الرغبة في الوصول إلى السلطة، لأن هذا سيؤسس أيضا لسنة أخرى غير حميدة، وهي التعدي على مقرات وقيادات الأحزاب الحاكمة التي يمكن أن تتولى سدة الحكم في مصر خلال الفترة القادمة، عند اختلاف التيارات الأخرى معها.
  • - أيضا لا يمكن أن تظل الرسالة التي تحاول إيصالها الآلة الإعلامية مشوهة ومشوبة بالتحيزات وعدم الحيادية والانتقائية، أو مساعدة على الاستقطاب والانقسام بهذه الدرجة. ولا يمكن أن تظل المعاني المرسلة منها مختلطة بهذا الشكل، وهذا إلى حد وصف كل من يتعدى بالقول والفعل باسم الثورة بالناشط، وكل من يقتل وهو متعد على منشأة أو على قوات لحفظ الأمن بالشهيد... إلخ، وهذا أمر أصبح ملحوظا وممقوتا بشدة من جميع المتابعين للإعلام المصري الجديد.

وعليه يجب أن يقوم كل فرد وجماعة أو تيار سياسي أو إعلامي بواجباته في الالتزام بأسس العملية الديمقراطية السليمة، وفي المحافظة على سلامة واستقرار الوطن.

وقبل ذلك يجب على الحاكم استيعاب الجميع وإدارة أمور البلاد بحكمة وصبر وبصيرة، كما يجب على الجميع العمل على إرساء وتأصيل فضائل الاختلاف والتسامح وقبول الآخر، حتى لا تحرقنا وتحرق البلاد الخلافات السياسية الحادثة، لأنها ببساطة لن تنتهي ولن تختفي أبدا من المشهد السياسي ما حيينا.

أتمنى أن تكون هذه الرسالة واضحة، وأتمنى أن نعي ونفعل المبادئ الأساسية المذكورة آنفا، لكي نختصر الوقت ولكي يسير ركب الأمة للأمام لا للخلف.

فنحن جميعا في قارب واحد، ولا يحق بالتالي لأي أحمق أن يقوم بخرقه أو تعطيل مسيرته. أتمنى أن نعي هذا وأن يعمل الجميع بجد وجدية لصالح وطننا الغالي، لأنه الوحيد الباقي ولأن كل الباقي فان.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك