زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني

 

من مبادئ أي عمل جماهيري، سياسيًا كان أو نقابيًا أو غير ذلك، أن الفرد المشارك، الساعي للفوز بمنصب ما أو البقاء فيه (إلى الأبد!) عليه كسب ثقة أغلبية أفراد "الجماعة" ذات العلاقة، فنراه يقول كلامًا يرضيهم، ويغدق بالوعود عليهم، وبالوعيد إذا اختاروا غيره.

عباس عاد ليطلق تصريحاته، التي يتجاوز في كل منها نفسه ليقول: إنه لا يمتلك حق العودة إلى بلدته العباسية, لكنه يمتلك حق زيارتها سائحًا!

ومن هذا المنظور نتعامل مع تصريحات هذا أو ذاك من السياسيين أو النقابيين، حتى على مستوى نقابة تلاميذ مدارس! هناك من يكترث ويصدق الوعود والوعيد، إما عن قناعة وإما عن سذاجة، وإما انصياعًا لمرجعية قبلية أو عشائرية، وإما نكاية بالمنافس أو المنافسِين، وإما عن رضا عن وضعه القائم، وهذا أحد الأسباب الرئيسية وراء رفضنا نظام التحزب والتمثيل النيابي، المعرَّف على نحو عام باسم "الديمقراطية".

ومن هذا المنظور أيضًا نقوِّم تصريحات محمود عباس التي ما فتئ يطلقها، بين الفينة والأخرى، بدءًا من إعلانه في سبعينيات القرن الماضي عدم رضاه عن معارضة منظمة التحرير الفلسطينية لقرار السادات زيارة القدس المحتلة، وبالتالي منح الكيان الصهيوني اعترافًا مجانيًا غير مشروط، إلى تصريح آخر يخطئ فيه الشعب الفلسطيني لرفضه قرار الأمم المتحدة عام 1947 برفض تقسيم فلسطين على أهلها وإجبارهم على التخلي عن بلادهم، وأخيرًا وفي هذا اليوم تحديدًا، الذي كتبنا فيه إسهامنا هذا، ذكرى يوم إعلان "وعد بلفور" الذي أعلنت فيه أوروبا استئناف حروبها الصليبية ضد المشرق العربي (الذي تعده أرض "الكتاب المقدس"/ Land of the Bible)، والسعي "لاستعادته" من أيدي العرب والمسلمين بداة الصحراء الغزاة، يعود محمود عباس ليطلق تصريحاته، التي يتجاوز في كل منها نفسه ليقول: إنه لا يمتلك حق العودة إلى بلدته العباسية (من أعمال صفد) الواقعة في فلسطين المحتلة عام 1948، التي ولد وعاش فيها، لكنه يمتلك حق زيارتها سائحًا!

دعونا من هذا كله، فكلام السيد عباس لم يكن موجهًا يومًا للشعب الفلسطيني، بل هو لمن عيّنه في موقعه الحالي، وكلنا يعرفه، وكنا تحدثنا عن هذا من قبل، وفي هذه المنصة الإعلامية أيضًا. لو كان كلامه موجهًا للشعب الفلسطيني، أو أنه يكترث برأينا، لاختار قوله وسط شعبه في أحد مخيمات شعبنا، ولعايش وقتها ردة فعل شعبنا.

كلنا يعلم أن ما يسمى "السلطة الوطنية" هي لجنة تنسيق أمني مع مختلف أجهزة العدو هدفها ملاحقة المناضلين وقمعهم، وأن أتباعها يتقاضون معاشاتهم من صندوق النقد الدولي، وأن كثرا من أكاديميي الأراضي الفلسطينية المحتلة ممن قبلوا التحول إلى موظفين في خدمة الاحتلال قد استحالوا بفضل هذه "السلطة"، عبر ما يسمى منظمات المجتمع  المدني، كتبة تقارير لما يسمى المنظمات غير الحكومية التي لا شاغل لها سوى جمع المعلومات عن شعبنا وطريقة تفكيره.

طبعًا نشعر بالخجل من قيام أي فلسطيني (أو عربي، لأن فلسطين عربية وقضية عربية بالمطلق) بإطلاق مثل هذه التصريحات، لكننا لا نملك الآن في هذه المنصة سوى تكرار ما قالته لنا أكاديمية أميركية مؤلفة كُتب مهمة عن عدالة قضيتنا ونضالنا: كلما ظننا أن أصدقاءنا الفلسطينيين (القيادة السياسية) قد وصلوا أخيرًا إلى القاع، نكتشف مجددًا أنه لا قاع لهم (للتنازلات الوطنية المجانية).

المشكلة التي سببتها مثل هذه التصريحات، يتوهم كثر أنها تمثل رأي الشعب الفلسطيني، أنها تحرج كثيرا من أصدقائنا في العالم وفي مقدمتهم اليهود المعادون للصهيونية وللكيان الصهيوني، المتجمعون حول شعار بدأ يكتسب زخمًا متسارعًا محوره السلام على أساس "حل الدولة" بدلاً من مشروع "حل الدولتين" الذي يرون أنه قد مات منذ فترة طويلة.

بداية، لا نتفق إطلاقًا مع مثل هذه المصطلحات لأنها لا تعكس حقيقة الصراع وتموّه طبيعته، لأن مصطلح "حل الدولتين" يعني الاعتراف باغتصاب فلسطين، وهو ما لا نقبله، حتى لو كان التنازل يمس ذرة تراب واحدة منها، فمن يقبل التنازل عن شبر من وطنه فإنه على استعداد للتنازل عنه كله.

من ناحية أخرى لم نؤمن يومًا بأنه وجد في يوم من الأيام مشروع حقيقي لتسوية على أساس "الدولتين" إلا في أذهان الواهمين والمخدوعين والمستسلمين الذين ملوا النضال، وبدلاً من تطبيق ما كانوا يطالبوا الغير بعمله "اللي تعب يرتاح، وكذلك: سيأتي اليوم الذي يكون فيه الواحد ممسكًا بالقضية كالقابض على جمرة"، وما إلى ذلك من المقولات الغوغائية التي أطلقتها قيادات المؤسسة السياسية الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي تشهيرًا بمن كان يعارض سياساتها التسووية التي نرى ونلمس نتائجها الكارثية التي أجهدت العدو في متابعتها واستيعابها بسبب كثرتها وحجمها!

مشروع "حل الدولتين" أطلقته الأمم المتحدة من دون أي مرجعية قانونية، وكنا تناولنا الموضوع بالبحث في مراجعة أحد الكتب التي كتبها حقوقيون غربيون عالميو الصيت، عن القضية، وحرب عام 1948 التي خاضها "نظام سايكس بيكو العربي"، كما نعرف كلنا الآن، كانت لأجل تقاسم فلسطين مع العدو ومحو اسمها من تاريخ العالم وجغرافيته.

التطورات في فلسطين المحتلة، وفي المشرق العربي بأكمله، تشير إلى أن كافة الأطراف صارت على قناعة باستحالة توفر شروط قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة وفق تعبير قادة الغرب

أما إعادة طرحه فلسطينيًا عقب الهزيمة في الأردن، وكما بينا في مقالات سابقة، أنه، وعلى عكس ادعاءات المطبلين له، لم يكن ثمار "انتصارات حرب تشرين" المزعومة (لأن الأمور بخواتيمها)، وإنما استجابة لتبعية قيادة المؤسسة السياسية الفلسطينية لمصر السادات، وخضوع لنظام سايكس بيكو العربي حيث يشكل فيه الكيان الصهيوني حجر الأساس.

في المقلب الآخر، المسكوت عنه لأسباب معرفة، نرى تصاعد حديث العديد من سياسيي ومفكري "المجتمع الدولي"، بما في ذلك في الكيان الصهيوني، عن "وفاة حل الدولتين"، بعدما كانوا يتحدثون عن أنه "دخل غرفة العناية الفائقة" ووجوب الاستعداد لمرحلة "الدولة الواحدة"، والمقصود بذلك عدم توفر إمكانية جغرافية سياسية اقتصادية لقيام دولة فلسطينية، مهما تدنت رثاثتها، في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

في الحقيقة، إن التطورات في فلسطين المحتلة، وفي المشرق العربي بأكمله، تشير إلى أن كافة الأطراف صارت على قناعة باستحالة توفر شروط قيام "دولة فلسطينية قابلة للحياة" وفق تعبير قادة الغرب، وأن التطورات تسير بسرعة نحو ابتلاع الأمتار القليلة المتبقية، بعدما تمكن العدو من تهويد المنطقة المحيطة بمدينة القدس المحتلة (القدس القديمة ضمن السور)، وأيضًا بعدما تمكن من فرض نظام الفصل العنصري سواء من خلال حائط الفصل الذي أحاط به مناطق في "الضفة الغربية" أو من خلال الطرق الالتفافية للمستعمرات هناك والمخصصة "لليهود فقط". وهنا بدأ طرح مشروع "الدولة الواحدة"، ولكل طرف رأي فيها.

الطرف الصهيوني يرى أنه لا مكان لقيام دولتين بين نهر الأردن، ولذا وجب تحويل الأردن إلى وطن للفلسطينيين، وثمة طرف آخر يفسر مشروع "الدولة الواحدة" على أنه دولة إسرائيلية يهودية تمنح الفلسطينيين المقيمين فيها التبعية القانونية، مع تجريدهم من بقية الحقوق، مثل وضع أهلنا في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948.

الحل الثالث، وهو الوحيد الذي يعنينا هنا، ينطلق من معاداة الصهيونية كونها حركة أنتجها فكر عنصري متخلف، هو إقامة دولة فلسطين الديمقراطية العِلمانية (العِلمانية تعني عدم التدين أو المغالاة فيه)، وهو موضوع نقاش مجموعات عديدة منفصلة في فلسطين المحتلة، يتم بعيدًا عن الأضواء.

نعلم أن العدو لن يقف متفرجًا إزاء التطورات التي تفرض نفسها، وما سعيه المحموم لتهويد محيط أولى القبلتين وثالث الحرمين، الحرم القدسي الشريف ﴿الذي باركنا حوله﴾، إلا محاولة يائسة لإرجاع عجلة التاريخ، لكنه لن ينجح.

الكيان الصهيوني دخل في مرحلته الأخيرة، وليس ثمة من مخرج له من المآزق الديمغرافية والفكرية والعسكرية (يعبر عن ذلك ترداده القول: العرب لا يفهمون سوى لغة القوة) إلا محاولة تنفيذ أعمال إجرامية مثل مجازر جماعية وتطهير عرقي جديد، لكن هذا غير ممكن بعدما ثبت له إبان عدوانه عام 2006 على لبنان انتهاء "أسطورة التفوق والجيش الذي لا يهزم" بعدما كان يعربد في المنطقة كيفما شاء ومن دون أي رادع.

رغم ما يبدو من قتامة المشهد العربي حاليًا، فإن قضيتنا بفضل نضال شعبنا، الذي شاركنا فيه أبناء أمتنا العربية، ثبتت عدالتها وأن حقوقنا الوطنية عصية على النسيان، ولا ينتهي مفعولها بالتقادم.

فقد ساد في الماضي وهم تمكن العدو من "أسرلة" شعبنا في الأراضي المحتلة عام 1948، وتحويلهم إلى تجمعات دينية ومذهبية وقبائل وعشائر وأخرى استبدلت الانتماء الفكري بالانتماء الوطني القومي، لكن تجربة حزب "التجمع" التاريخية بصفته حزبا فلسطينيا عربيا قوميا، الذي أسسه د. عزمي بشارة ويقوده الآن من بعده رفاقه ونجاحه المهم في هذا المجال تحديدًا، أثبتت أن فلسطين قضية وطنية قومية عصية على أي حل يمس من عروبتها، وأن شعبها عربي الانتماء وعروبي العمق والجذور، وأن كل محاولات فصله عن تاريخه قد أخفقت.

إن الحوار الجماعي المنسق المطلوب بخصوص "حل الدولة الفلسطينية العلمانية" يجب أن ينطلق، ويشارك فيه ليس فقط الفلسطينيون المؤمنون به، بل أيضًا كل الشخصيات والمفكرين من مختلف أنحاء العالم وفي مقدمتهم اليهود، إسرائيليين كانوا أو غير ذلك، المعادون للصهيونية فكرًا وتطبيقًا، ونعد إسهامنا هذا دعوة مفتوحة لتنسيق الجهود الفكرية والتطبيقية لوضع بديل واقعي يجرد دولة العدو من طبيعتها وجوهرها الصهيوني ويستبدل بها الدولة الفلسطينية.

"فلسطين شعارنا وهدفنا" تلك هي الشفرة التي ستكسر كل أقفال أوهام حراكات شعوبنا وتفك ألغاز محاولات إبعادها، مهما حاول البعض تصويرها على أنها عسيرة على الفهم

المطلوب إذًا وضع فلسطين في بؤرة منظارنا السياسي والفكري، وليس إقحامنا في صراعات عربية غير واضحة معالم القوى المنخرطة فيها، هذا في أفضل الأحوال، سلمية كانت أو مسلحة، داخلية كانت أو غير ذلك، مما سيؤدي بالضرورة إلى تعاظم الشكوك والتوجس لدى كثيرين من أبناء أمتنا العربية من الدور المشبوه المراد لنا تأديته هنا وهناك، الذي لا بد أن يمس كل فلسطيني، ويشكل خطرًا حقيقيًا على عمق القضية العربي، وبعديها الدينيين الإسلامي والمسيحي المشرقي، فكفانا الدمار الذي ألحقته بقضيتنا قيادة "لجنة التنسيق الأمني".

ولأن المستقبل المنظور يحمل في ثناياه ما هو سار وغير ذلك، فلا بد لنا، من تأكيد التمسك بالقول "لا شرعية لثورةٍ فلسطين ليست شعارها". فلسطين توحد العرب، وهي طريق تحررهم الذاتي. الحوار المطلوب لا بد، في ظننا، أن يأخذ في الاعتبار الأوضاع القانونية والظروف السياسية المحيطة بكل طرف مشارك.

هدف الحوار الذي ندعو إليه يجب أن يقود إلى استنتاجات تطبيقية ترسم ملامح عمل قومي مشترك. فقضية فلسطين جزء من القضية القومية الكبرى "فلسطين توحدنا"، والعمل من أجل فلسطين أساس النشاط الوطني القومي من أجل الحرية الحقيقية لشعوب أمتنا العربية.

"فلسطين شعارنا وهدفنا" الشفرة التي ستكسر كل أقفال أوهام حراكات شعوبنا وتفك ألغاز محاولات إبعادها، مهما حاول البعض تصويرها على أنها عسيرة على الفهم، وتفتح أوسع الطرق نحو تحرر شعوب أمتنا الحقيقي، وأن تحقيق الحرية الحقيقية لا يتم باستبدال طاغية فرض نفسه بالقوة محل آخر منتخب "بحرية مطلقة".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك