أمين عبدالله محمود

أمين عبدالله محمود

 

يحتاج العرب في ذكرى قرار التقسيم إلى قراءته مجددا، لنكتشف أن الدول تحركها مصالحها وموازين القوى لا المبادئ الأخلاقية. ولم يكن الاتحاد السوفياتي استثناء، على الرغم من كونه دولة بنيت على الأيديولوجيا.

فقد فوجئ العالم وهو يستمع إلى خطاب أندريه غروميكو أمام الأمم المتحدة بدهشة واستغراب -وبعد عقود من التنديد السوفياتي بالصهيونية- يتحدث عن "الحقوق المشروعة للشعب اليهودي في فلسطين"، وعن تأييد بلاده لقرار التقسيم، وعن حق اليهود المشروع في إقامة دولتهم الصهيونية على أرض فلسطين العربية، بحجة "تأمين المأوى والوطن لمئات الألوف من اليهود المشردين الذين يعيشون في المعسكرات والملاجئ الأوروبية".

وفي الوقت ذاته حذر عرب فلسطين من اللجوء إلى المقاومة للدفاع عن وجودهم ووطنهم. ولم تمض أيام أربعة فقط على الإعلان عن تأسيس "دولة إسرائيل" حتى أعلن غروميكو -نيابة عن الاتحاد السوفياتي- اعتراف بلده بالدولة الصهيونية اعترافا قانونياً كاملاً de jure. وهكذا فقد نجح غروميكو في توظيف الماركسية بكل انتهازية لتبرير قيام الدولة الصهيونية، وأصبحت تلك سياسة تتبعها جميع الأحزاب الشيوعية التابعة لموسكو في جميع أنحاء العالم.

لا بد أن يثير هذا التسلسل في الأحداث العديد من التساؤلات مثل: ما الذي حدا بالاتحاد السوفياتي لتأييد قيام دولة إسرائيل والاعتراف بحقها في الوجود اعترافا قانونياً كاملاً، بعد أن دأب على التنديد بالصهيونية وشجبها طيلة عقود من الزمن؟ فما الذي تغير في مصالحه ليبادر إلى دعم وتأييد قيام الدولة الصهيونية؟

حينما اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية، وبادر الفلسطينيون إلى الدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم، أصدر الاتحاد السوفياتي ضدهم بياناً شديد اللهجة يتهمهم بأنهم لا يقاتلون من أجل مصلحتهم القومية ولا من أجل استقلالهم، بل ضد حق اليهود في إيجاد دولتهم المستقلة

التقارب مع الصهيونية
قبل البدء بالإجابة على هذه التساؤلات لا بد من الإشارة بداية إلى أنه مهما بلغت المزاعم الصهيونية بشأن "القومية اليهودية" و"الحق التاريخي" لليهود في فلسطين وباقي الطروحات المزيفة للتاريخ، إلا أن هذا في حد ذاته لا يمكن أن يكون بأي شكل من الأشكال هو الأساس الذي قامت عليه الدولة الصهيونية.  لقد كان لصراع الدول الكبرى حول مناطق النفوذ في الشرق الأوسط تداعيات متلاحقة على بلورة الفكرة الصهيونية، وتسابق هذه القوى على تجسيد هذه الفكرة والترويج لها.

وأخذت هذه القوى تتنافس على التقرب من الصهيونية والعمل على توظيفها من أجل تحقيق أطماعها وطموحاتها في الشرق الأوسط. ولم تقتصر هذه على القوى الإمبريالية الغربية وخاصة بريطانيا والولايات المتحدة، وإنما شملت أيضاً الاتحاد السوفياتي الذي برز في أعقاب الحرب العالمية الثانية كواحدة من أكبر قوتين عالميتين، إلى جانب الولايات المتحدة.

لقد لعب الاتحاد السوفياتي دوراً بارزاً لا يستهان به على الإطلاق إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا وباقي الدول الغربية في مساندة ودعم الحركة الصهيونية، وتحويلها في فترة حاسمة من التاريخ إلى قوة خاصة للتدمير والتوسع.

وحينما اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية، وبادر الفلسطينيون إلى الدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم، فوجئوا هم وباقي إخوانهم العرب بالاتحاد السوفياتي يصدر ضدهم بياناً شديد اللهجة يهددهم فيه وبدون تردد -كما ورد في صحيفة برافدا السوفياتية- بأنه يجب أن يكون واضحا "أن العرب بشنهم الحرب ضد الدولة اليهودية الفتية، لا يقاتلون بأي شكل من الأشكال من أجل مصلحتهم القومية ولا من أجل استقلالهم، بل ضد حق اليهود في إيجاد دولتهم المستقلة.

ورغم كل التعاطف مع حركات التحرر الوطني للشعوب العربية فإنه لا يمكن للشعوب السوفياتية إلا أن تدين عدوان الدول العربية على دولة إسرائيل، وعلى حق الشعب اليهودي في إقامة دولته الخاصة به استنادا إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة".

ولا شك في أن ما ورد في هذا البيان هو اتهام يجب التعامل معه بمنتهى الاستهجان، إذ إن المقاومة العربية في فلسطين كانت موجهة ضد الغزو الصهيوني لأرض تعتبر بمثابة القلب للعالم العربي، وكانت مقاومة مشروعة للدفاع عن وجود الشعب الفلسطيني في وطنه وعلى أرضه.

إنه بالفعل أمر مثير للاستغراب أن يقف الاتحاد السوفياتي إلى جانب قيام دولة إسرائيل على الرغم من مواقفه السابقة المعادية للصهيونية ومشاريعها الاستيطانية، إضافة إلى إمكانية تعرض سياسته لردود فعل قد تؤدي إلى فقدانه تعاطف عشرات الملايين من العرب، مما سيؤثر سلباً على وضعه المستقبلي في منطقة الشرق الأوسط. وكان تبرير هذا الموقف السوفياتي الداعم لإسرائيل ما ورد على لسان أندريه غروميكو نفسه: ".. بالنسبة لنا هناك دائما منطق واحد في السياسة الخارجية، وهو منطق ما هو الأفضل للاتحاد السوفياتي".

فما هو يا ترى منطق الأفضل للاتحاد السوفياتي الذي حدا به للوقوف إلى الجانب الصهيوني خلال الفترة بين عاميْ 1947-1948؟ وما هي دوافع هذا الموقف الذي جاء خاذلاً لجميع التوقعات العربية؟

لعل من أهم تلك الدوافع اعتقاد السوفيات أن المجتمع اليهودي في فلسطين "بملامحه الاشتراكية البارزة" سيكون حقلاً سهلاً لانتشار الشيوعية ودوران الدولة الجديدة في فلك السياسة السوفياتية. وقد أشار العديد من المحللين إلى أن التوجهات الاشتراكية للمهاجرين اليهود من الكتلة الشرقية سيكونُ لها تأثير كبير على مستقبل العلاقات السياسية بين الاتحاد السوفياتي والدولة اليهودية.

ومثل هذه التوجهات المشتركة سواء من ناحية المستوى السياسي أم من ناحية القدرات الإنسانية، خلقت في بداية تأسيس الدولة ارتباطا وتواصلاً طبيعياً بين شعوب كل من الاتحاد السوفياتي ودول أوروبا الشرقية من جانب والمهاجرين اليهود من جانب آخر.

التصور السوفياتي
وقد عقد الاتحاد السوفياتي منذ البداية، آمالاً عراضاً على أن تصبح هذه الدولة اليهودية ذات الميول الاشتراكية واحة للديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما أنها كانت تعترف قانونياً بالحزب الشيوعي وتسمح له بممارسة نشاطاته علناً وبمنتهى الحرية. وفي المقابل لم يكن للاتحاد السوفياتي أي علاقات ذات قيمة تذكر مع أي من الدول العربية باستثناء علاقاته مع الأحزاب الشيوعية فيها، والتي كانت في مجملها أحزاباً محظورة ومضطهدة، باستثناء الحزب الشيوعي اللبناني الذي لم يكن له أي شأن في الحياة العامة.

عقد الاتحاد السوفياتي منذ البداية آمالاً عراضاً على أن تصبح الدولة اليهودية ذات الميول الاشتراكية واحة للديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما أنها كانت تعترف قانونياً بالحزب الشيوعي

وبالإضافة إلى ذلك، كان السوفيات ينظرون إلى الوسط العربي الذي يحيط بالدولة اليهودية على أنه وسط "عشائري قبلي متخلف"، تسيطر عليه كيانات عربية مجزأة ومتصارعة وخاضعة للنفوذ الغربي، وخاصة البريطاني والفرنسي. وهكذا لم تترك هذه الهيمنة الغربية للاتحاد السوفياتي أي منفذ يعْبر من خلاله إلى منطقة الشرق الأوسط سوى المنفذ الإسرائيلي.

كما أنه كانت لدى السوفيات قناعة بأن الأحزاب الصهيونية -بما فيها تلك التي كانت لها برامج اشتراكية يسارية- ستكون نواة للهيمنة الاشتراكية على المنطقة، وبمقدورها أن تتيح للاتحاد السوفييتي فرصة الانخراط في شؤون هذه المنطقة والقيام بدور مؤثر في توجهاتها.

وكان السوفيات يدركون أن استمرار الدولة اليهودية الجديدة يعتمد إلى حد كبير على تدفق هجرات يهود العالم إليها. ونظراً لوجود نسبة كبيرة من اليهود كانوا يعيشون آنذاك ضمن الكتلة السوفياتية، فقد بدا للسوفيات أن بمقدورهم استثمار هذا العدد الكبير من اليهود في أراضيها كقوة ضغط سياسية للتأثير على حياة الدولة اليهودية واستقطابها إلى جانبهم. كما بدا لهم أن بمقدورهم استخدام اليهود السوفيات المهاجرين إلى إسرائيل كحصان طروادة لتهريب عناصر شيوعية موالية لموسكو إلى الشرق الأوسط.

ومما شجع السوفيات أيضاً على اتخاذ قرارهم المؤيد لإسرائيل هو كون معظم قادتها آنذاك من أصل روسي أو بولندي، مما زاد احتمالات تبنيها سياسة متعاطفة ومؤيدة للاتحاد السوفياتي. وقد أدى هذا إلى تخوف العديد من الدوائر الغربية -وخاصة البريطانية منها- من إمكانية تغلغل العملاء السوفيات في صفوف الوحدات اليهودية المقاتلة، والمتدفقة جنوباً من أوروبا الشرقية مروراً بيوغسلافيا وإيطاليا وفرنسا. كما سبب انحدار غالبية القادة المدنيين والعسكريين في إسرائيل من الكتلة السوفياتية الكثير من القلق لدوائر الاستخبارات الغربية.

ومن ناحية أخرى، يعزو بعض المحللين أهم الدوافع التي أدت إلى تقبل فكرة الدولة اليهودية بسهولة، والمبادرة إلى دعمها والاعتراف بها، إلى نجاح الصهاينة في تحويل قضية المحرقة (الهولوكوست) التي تعرض لها اليهود على أيدي النازيين إلى خطاب شعبي يبررون به حقهم الكامل في "إخراج دولة يهودية إلى حيز الوجود". ففي حديثه عن الهولوكوست قال بن غوريون: "إن الدولة اليهودية هي وريثة الستة ملايين من ضحايا المحرقة النازية، وهي وريثها الوحيد...، إذ إنهم لو عاشوا لكانت أغلبيتهم موجودة الآن في إسرائيل".

وفي قول آخر له: "المأساة قوة إن استخدمت في اتجاه المنتج...، وتعتمد الإستراتيجية الصهيونية في جوهرها على معرفتها كيف تحوّل نكبتها لا لمصدر بؤس وشلل -كما فعل الشتات- بل كعين ماء تنضح إبداعاً وطاقة".

وقد استخدم الصهاينة الهولوكوست من أجل أهداف دعائية ليؤكدوا "حقهم" في فلسطين. وأصر الصهاينة على أن أي إقرار بالمحرقة هو إقرار بحق إسرائيل في الوجود، وبالتالي فإن الربط بين المحرقة وإقامة دولة إسرائيل أصبح لدى الصهاينة أمراً مقدساً. 

عقدة الذنب
كما عمل الصهاينة على ترسيخ "عقدة الذنب" في ضمير المجتمع العالمي بحجة تقاعسه عن مد يد العون إلى اليهود لإنقاذهم من اضطهاد النازيين، وقاموا بتوجيه الاتهامات للدول الأوروبية -وخاصة بريطانيا- بأنها تواطأت وشاركت في "الجريمة" التي تعرض لها اليهود، نتيجة وضعها العراقيل في وجه المهاجرين اليهود، وعدم سماحها لهم بالوصول إلى فلسطين قبل الحرب.

وهكذا تولدت قناعة لدى الكثير من دول العالم -ومن ضمنها الاتحاد السوفياتي- بأن قيام الدولة اليهودية سيساهم بطريقة عملية في تحرير ضمير العالم من عقدة الذنب تجاه اليهود، وسيجعل هذه الدول تقتنع بأنهم يستحقون كياناً مستقلاً يلبي طموحاتهم، ويوفر لهم الحماية من التعرض لمزيد من "المعاناة" كتلك التي تعرضوا لها على أيدي النازيين.

وكان الاتحاد السوفياتي باعترافه القانوني الكامل بشرعية الدولة اليهودية، قد فتح الباب على مصراعيه للدول التي تدور في فلكه في أوروبا الشرقية لتحذو حذوه في مسألة الاعتراف، مما شكل دعماً قوياً لهذه الدولة الجديدة. وعلل الاتحاد السوفياتي قراره بالاعتراف بالدولة اليهودية بأنه جاء نتيجة تعاطفه مع مرارة التجربة القاسية التي تعرض لها اليهود على أيدي النازيين، والتي كانت تماثل في قسوتها ومرارتها تلك التجربة التي عاشها السوفيات في ظل الغزو النازي لبلادهم خلال الحرب.

علل الاتحاد السوفياتي قراره بالاعتراف بالدولة اليهودية بأنه جاء نتيجة تعاطفه مع مرارة التجربة القاسية التي تعرض لها اليهود على أيدي النازيين والتي تماثل التجربة التي عاشها السوفيات في ظل الغزو النازي لبلادهم

كما تولدت لدى السوفيات القناعة أيضاً بأن قيام دولة يهودية سيؤدي إلى وضع حد للمسألة اليهودية التي كانت تشكل واحدة من المشاكل المقلقة للاتحاد السوفياتي وباقي الدول الأوروبية، لا سيما إن تمكن المستوطنون الصهاينة من استكمال البنية التحتية وتجهيز جميع مقومات الدولة بمختلف مؤسساتها تمهيداً لعرض القضية على الأمم المتحدة. ولم يقتصر الدعم السوفياتي لمشروع الدولة اليهودية على تأييد التقسيم في الساحة الدولية، بل اتخذ أيضاً أشكالاً أخرى من المساعدة التي قدمها من خلال دول أوروبا الشرقية في الأشهر التي سبقت إقامة الدولة والأشهر الأولى من حياتها.

وقد كان للاتحاد السوفياتي كل الحق في أن يدعي -أسوة بالولايات المتحدة- أنه كان له فضل كبير في إخراج إسرائيل إلى حيز الوجود، وذلك باتخاذه خلال تلك الفترة الحرجة من تأسيسها موقفاً داعماً يتضمن السماح لمئات الآلاف من اليهود السوفيات ويهود أوروبا الشرقية بالهجرة إلى فلسطين، إضافة إلى صفقات الأسلحة بمختلف أنواعها التي تم تزويد المهاجرين اليهود بها وتدريبهم لاستخدامها في حربهم ضد عرب فلسطين.

وبالرغم من كون المصدر الرئيسي لهذا الدعم المتمثل في الهجرات والسلاح كان يتم في بادئ الأمر عن طريق دول أوروبا الشرقية وبالذات تشيكوسلوفاكيا، فإنه من الواضح أن هذا الدعم ما كان ليتم لولا موافقة السوفيات ومباركتهم له.

وجاء التبرير السوفياتي لهذا الدعم اللوجستي للدولة اليهودية بحجة أن عرب فلسطين كانوا يتلقون معونات عسكرية واسعة من مصادر غربية تشمل مختلف أنواع المواد الحربية، وذلك إما عن طريق الدول العربية أو مباشرة من المستودعات البريطانية في المنطقة، إضافة إلى التعزيزات في القوى البشرية القادمة بشكل رئيس من الأقطار العربية المجاورة، وفي جزء منها من أقطار إسلامية أخرى. وكان هذا التبرير السوفياتي مثالاً واضحاً للكيفية التي تلجأ إليها الدعاية السوفياتية في مهاجمتها أحد الأطراف تغطية لموقفها ونشاطها الممالئ للطرف الآخر.

تورط في الحرب
ولم تترك وسائل الإعلام السوفياتية مجالاً للشك في تورط الاتحاد السوفياتي في الحرب الفلسطينية إلى جانب الطرف اليهودي. فقد كررت الصحافة والإذاعة السوفياتيتان باستمرار أن هذه الحرب كانت حرب "استقلال"، وأن الاتحاد السوفياتي كان لا يملك سوى دعم اليهود في حربهم، لأن دعم حروب الاستقلال كانت واحدة من المبادئ الرئيسية للسياسة الخارجية السوفياتية.

ولعل أبرز تعبير عن التعاطف السوفياتي الواضح مع اليهود هو ما أوردته الإذاعة المحلية لراديو موسكو لدى وصفها الجيوش العربية المحاربة في فلسطين عام 1948 بأنها كانت مملوءة بـ"البقايا الفاشية" من مختلف القوميات التي جندت خصيصاً لهذا الغرض. وقد حذرت الإذاعة أيضا بأن فلسطين قد تصبح إسبانيا ثانية (إشارة إلى الحرب الأهلية الإسبانية).

وبالرغم من مظاهر القوة التي مارستها بريطانيا بعد خروج الحلفاء منتصرين من الحرب العالمية الثانية، وتشبثها بالمكانة والهيبة التي كانت تتمتع بها سابقاً في المنطقة، فإن الاتحاد السوفياتي من ناحيته لم يكن ليكترث بهذه المظاهر الزائفة، إذ كان يدرك حقيقة الأمر، ويعي حجم المشكلات والمصاعب الاقتصادية والاجتماعية التي بدأت تنخر تدريجياً في جسم الإمبراطورية البريطانية، حيث أخذ الضعف والإرهاق يتسللان إلى أعماقها. فقد أرهقتها الحرب مادياً ومعنوياً، وبدأت "الإمبراطورية العظمى" تتراجع وتنحسر، وأخذت الحركات الاستقلالية في العديد من أجزائها تحقق أهدافها الواحد تلو الآخر.

وكان ستالين يدرك أن بريطانيا -بمفردها وبدون تدخل من الولايات المتحدة- ستواجه صعوبات في تدبير أمورها في فلسطين، وستضطر أخيراً إلى عرض القضية على الأمم المتحدة، ولذا فإنه أخذ يسعى إلى إشعال التنافس بين بريطانيا والولايات المتحدة، وزعزعة تحالفهما المناوئ للاتحاد السوفياتي في خضم الحرب الباردة.

أبرز تعبير عن التعاطف السوفياتي الواضح مع اليهود هو ما أوردته الإذاعة المحلية لراديو موسكو لدى وصفها الجيوش العربية المحاربة في فلسطين عام 1948 بأنها كانت مملوءة بـ"البقايا الفاشية" من مختلف القوميات

غير أنه بمجرد اتخاذ بريطانيا قرارها بتحويل القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة في فبراير/شباط 1947 أصبح واضحاً أنه لم يعد هناك تنسيق بين حكومة العمال البريطانية وإدارة الرئيس الأميركية هاري ترومان حول مشروع التقسيم. وفي الوقت ذاته، بدأ يتضح أثناء مناقشات الأمم المتحدة لهذا المشروع وكأن هناك اتفاقا وتطابقاً تاماً بين موقفيْ كل من الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة حول مشروع التقسيم، مما أثار حساسيات وتوتر في العلاقات البريطانية الأميركية استمرت لحين إعلان قيام الدولة اليهودية.

وفي رأي أحد المحللين العسكريين الأميركيين هو قسطنطين براون، فإن اندفاع موسكو ووقوفها إلى جانب الولايات المتحدة في تأييد قيام دولة يهودية رغم التحفظات المؤقتة للحكومة البريطانية يعتبر خطوة ذكية لإحداث شرخ في علاقات الولايات المتحدة مع الدول العربية، وبما يتضمنه ذلك من وضع المصالح الأميركية في المنطقة -وخاصة النفطية منها- تحت طائلة التهديدات المباشرة.

وكان السوفيات يدركون من جانبهم أنهم لن يخسروا شيئاً في المنطقة لأنهم لا يملكون شيئاً فيها أصلاً، بعكس الولايات المتحدة التي ستخسر الكثير من جراء هذا الموقف. فخطاب غروميكو 1947 المؤيد لإقامة الدولة اليهودية لم يثر سوى عدد محدود من المظاهرات العدائية للسوفيات، وسرعان ما نسي العرب أبعاد هذا الخطاب وما ترتب عليه من نتائج. فلم يمض أسبوع على صدور قرار التقسيم، حتى صدر تصريح الناطق الرسمي باسم مكتب جامعة الدول العربية في واشنطن خلال مؤتمر صحفي أعلن فيه أن موقف الاتحاد السوفياتي بالنسبة لفلسطين لم يكن في خطورة الموقف الأميركي. وبعبارة أخرى فإن مسؤولية ما جرى في فلسطين تقع على عاتق الولايات المتحدة والدول الغربية في الدرجة الأولى.

ولا شك أن قيام إسرائيل في مناخ معادٍ لها ورافض لمبدأ وجودها في المنطقة العربية، دفع العرب لأن يلقوا بالمسؤولية الكبرى لوجود هذه الدولة على عاتق الغرب الذي أصدر وعد بلفور، وسمح بالهجرة غير المشروعة إلى فلسطين، وألزم نفسه بالدفاع عن إسرائيل من خلال التعهدات التي تضمنها التصريح الثلاثي فيما بعد.

هناك من كان يرى أن استمرار العرب في مقاومتهم للاحتلال الإسرائيلي سوف يهيئ المجال المناسب للسوفيات كي يستثمروا هذا الظرف للعمل على تعزيز مهاراتهم في الحركة والمناورة بين مختلف الأطراف المعنية للتوصل إلى تحقيق أهدافهم الإستراتيجية البعيدة المدى

وهناك من كان يرى أن استمرار العرب في مقاومتهم للاحتلال الإسرائيلي لبلادهم سيخلق بؤرة دائمة للصراع في المنطقة، مما يهيئ المجال المناسب للسوفيات كي يستثمروا هذا الظرف للعمل على تعزيز مهاراتهم في الحركة والمناورة بين مختلف الأطراف المعنية، للتوصل إلى تحقيق أهدافهم الإستراتيجية البعيدة المدى في المنطقة العربية الغنية بمواردها النفطية وبامتيازاتها التجارية، والتي كانت تشكل لهم عصباً هاماً من أعصاب الصراع الدولي بين الشرق والغرب.

كما أن إنهاك القوى العربية التي دفعها الحس القومي للدفاع عن فلسطين -وذلك من خلال الصراعات المسلحة والمستمرة مع إسرائيل- كان لا بد من أن ينتهي بالتخلص من الموانع القومية وإزاحتها عن طريق الاتحاد السوفياتي في الشرق الأوسط، ليسهل عليه بعدها التغلغل والانتشار في تلك المنطقة الحيوية لمصالحه الأمنية والتجارية.

شرعية التدخل
وكان الاتحاد السوفياتي يسعى جاهداً إلى إضفاء صفة الشرعية على تدخله المباشر لدى البت في تقرير مصير هذه المنطقة عن طريق الدعوة إلى إشراف الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن على مجرى الأحداث وتطوراتها بين العرب واليهود. ولكن الولايات المتحدة كانت تواجه هذه الدعوة بالرفض المستمر، وخاصة حينما طرح السوفيات في فبراير/شباط 1948 فكرة إنشاء قوة دولية لحفظ السلام وتوفير حماية لإسرائيل من أي هجوم عليها، تشارك فيها الدول الكبرى بما فيها الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة.

إلا أن الولايات المتحدة خشيت من مغبة تنفيذ هذا الاقتراح لأنها تعتقد أنه بمجرد إرسال روسيا قواتها إلى فلسطين، فإن من المستحيل أن تتمكن أي قوة في العالم من إخراجها دون الدخول معها في حرب. ونظراً لمساهمة روسيا الكبيرة مع الولايات المتحدة في إنجاح مشروع التقسيم، فإنها ستسعى بكل تأكيد إلى أن تقوم قواتها هناك بدور رئيسي في هذه الفترة المقترحة، وبذلك يؤمن السوفيات حصولهم على قاعدة تهيئ لهم القيام بدور مؤثر في شؤون فلسطين بوجه خاص وشؤون منطقة الشرق الأوسط بشكل عام.

ولعل اعتقاد السوفيات بقوة الروابط اليهودية الأميركية جعلهم يتوقعون أن يمارس اليهود الأميركيون ضغطاً على واشنطن لتأييد الاقتراح السوفياتي بالموافقة على إنشاء قوة دولية يشارك فيها السوفيات بشكل شرعي ومقبول بحجة حماية الدولة اليهودية من أي خطر يهددها. ولكن هذا التوقع السوفياتي لم يكن من أولويات اليهود الأميركيين على الإطلاق.

وقد أدى تزايد محاولات الاتحاد السوفياتي لإيجاد موقع مستقر له في منطقة الشرق الأوسط إلى تنامي حدة الخوف لدى الولايات المتحدة وباقي الدول الغربية من أن الشيوعية أصبحت تشكل خطراً متنامياً بإمكانية تسللها إلى المنطقة، لا سيما بعد إيجاد بعثة دبلوماسية للاتحاد السوفياتي في إسرائيل، إضافة إلى بعثاتها الدبلوماسية الأخرى الموجودة في بعض الدول العربية، مما أثار المزيد من المخاوف الغربية.

وهكذا فمن أجل تأمين الدفاع عن مصالحه في الشرق الأوسط، لجأ الغرب لاستخدام الدعاية لتعزيز فكرة التهديد الشيوعي، مما وفر للأنظمة العربية الموالية له المبرر لإحكام قبضتها على جماهيرها كي لا تقع تحت تأثير "الدعاية الشيوعية" المتزايدة، وذلك من أجل المحافظة على مبررات وجود هذه الأنظمة. ناهيك عن توفير الحماية للمصالح الغربية، والعمل على المحافظة على أمن المنطقة واستقرارها.

بعد هذا كله..، لا يجد الباحث ما يضيفه سوى أن هنالك بالفعل منطقا واحدا للسياسة الخارجية لأي دولة في العالم، وهو منطق ما هو الأفضل لتلك الدولة سواءً كانت دولة غربية أم شرقية!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك