عبد الفتاح ماضي

عبد الفتاح ماضي

كاتب وباحث أكاديمي

أزمة الثورة المصرية
مخاطر ما بعد القرارات الرئاسية
ما الحل؟

أكد خطاب الرئيس مرسي -ظهر يوم الجمعة، وبعد أقل من يوم واحد من الإعلان الدستوري الصادر في 22 نوفمبر/تشرين الثاني- أن هدف الإعلان هو تحقيق الاستقرار، وتداول السلطة، ومحاكمة قتلة الشهداء، وزيادة الإنتاج، ووضع حد لأعمال البلطجة، لكن ردود فعل القوى السياسية، ورد الفعل الشعبي في مظاهرات الثلاثاء التالي في القاهرة وغيرها من المدن المصرية تشير إلى عكس ذلك. فما الذي أوصلنا إلى هذا؟ وما مخاطر ما بعد قرارات 22 نوفمبر؟ وكيف الخروج من هذا المأزق؟ 

أزمة الثورة المصرية
أمام الثورة المصرية أزمة كبرى كانت قرارات الرئيس الأخيرة أخرى مراحلها، والسبب الرئيسي لهذه الأزمة هو تفرق النخب السياسية وتنافسها على مغانم معركة تصورت هذه النخب أنها انتهت. فأعين الجميع تركزت -بضيق أفق شديد- على المكاسب الانتخابية.

ظنت قوى سياسية أن معركتها الحقيقية هي إسقاط الإخوان، بدلا من تنظيم صفوفها والعمل على الأرض، وبناء بدائل حقيقية على الأرض لمنافسة الإخوان عبر صناديق الانتخابات

وترتب على هذا عدة أمور أخرى، فقد اتسع الشعور بعدم الثقة بين جميع الأطراف، وزادت حدة الانقسامات بينهم، واتخذ الانقسام شكل الصراع على الهُوية عندما تصور بعض الإسلاميين أن معركتهم الأساسية هي حماية الإسلام من خطر متوَّهم، وعندما تصور بعض الليبراليين والاشتراكيين أن الإسلاميين يريدون إقامة دولة دينية.

لم يدرك هؤلاء جميعا أن مرحلة البناء تتطلب ذات التكتل الوطني الذي كان قائما خلال الثمانية عشر يوما التي أسقطت مبارك. فأي انتقال ديمقراطي ناجح -حسب تجارب الكثير من الدول- يتطلب تكتلا واصطفافا وطنيا يظل قائما حتى ينتهي وضع آخر لبنة في البناء الديمقراطي المنشود، وتتحدد الأسس الدستورية والقانونية لدولة القانون والمؤسسات الديمقراطية، ثم يفتح الباب بعد هذا لتنافس حقيقي بين القوى السياسية المختلفة. لم يتحقق هذا الاصطفاف أيام المجلس العسكري، كما لم يتحقق بعد انتخاب الرئيس للأسف.

لقد ظنت قوى سياسية أن معركتها الحقيقية هي إسقاط الإخوان، بدلا من تنظيم صفوفها والعمل على الأرض، وبناء بدائل حقيقية على الأرض لمنافسة الإخوان عبر صناديق الانتخابات. وقد ساعدهم على هذا بقايا النظام السابق من بعض القضاة، وكذا تراخي جهاز الأمن نتيجة عوامل كثيرة، أولها عدم القيام بعملية إعادة بناء حقيقية للجهاز منذ ما يقرب من عامين.

وفي المقابل، لم يقم الرئيس بجهد حقيقي ناجح لبناء تحالفات وطنية واسعة تؤسس لهذه المرحلة. كان يمكن أن يقوم الرئيس بدوره التأسيسي بعد أن يحرر نفسه من ضغط الانتخابات التالية، ويكتفي علنا بفترة رئاسية واحدة يركز اهتمامه خلالها -وبمشاركة وطنية حقيقية- على وضع الأطر الدستورية والقانونية والمؤسساتية التي تضمن ترسيخ أسس دولة المؤسسات الديمقراطية الحديثة، وتفكيك عقلية الاستبداد وإصلاح مؤسسات الدولة.

لقد شهدت البلاد منعرجات كثيرة خلال الفترة الماضية، انتهت عشية قرارات نوفمبر إلى مشهد سياسي مرتبك، به رئيس منتخب بيده السلطتان التنفيذية والتشريعية، وحكومة ضعيفة لم تنشأ -كما وعد الرئيس وقت حملته الانتخابية- كحكومة وطنية تقودها شخصية وطنية مشهود لها بالكفاءة.

أما الجمعية التأسيسية فقد ظلت في اضطراب كبير نتيجة ضيق أفق بعض أعضائها، من الإسلاميين وغير الإسلاميين على حد سواء، وتربصهم ببعضهم البعض، وإعلائهم لمصالحهم الضيقة على حساب المصلحة الوطنية الجامعة. ثم شاعت أخبار عن اعتزام المحكمة الدستورية العليا حل الجمعية التأسيسية للمرة الثانية، وإبطال الإعلان الدستوري الصادر في أغسطس/آب الماضي، وعزل الرئيس.

مخاطر ما بعد القرارات الرئاسية
جاءت قرارات 22 نوفمبر الاستثنائية في هذا الجو المرتبك لتحقيق بعض الأهداف التي يطالب بها الكثيرون كإقالة النائب العام، وفتح الطريق لمحاكمات جديدة ثورية. لكنها أيضا أثارت غضب الكثيرين عندما حصنت كل قرارات الرئيس (المادة 2)، ومنحته صلاحيات واسعة (المادة 6)، وحصنت الجمعية التأسيسية ومدت العمل بها، دون أن تعالج مخاوف المنسحبين منها (مادة 4). هذه الأمور كانت تحتاج إلى تمهيد وتهيئة للأجواء، وإلى تشاور حقيقي مع القوى السياسية ومع القضاة.

من المفهوم أن الظروف الاستثنائية وعرقلة مسار التحول الديمقراطي من قوى النظام القديم قد دفعت الرئيس إلى إجراءات استثنائية، لكن كان يجب أن تأتي نتيجة لمشاركة حقيقية مع القوى الرئيسية، وكان يجب التدبر في العواقب السياسية والاقتصادية لها في ظل الانقسام والتوتر الناتج عن تأزم الوضع في الجمعية التأسيسية، وتربص الكثيرين بالرئيس، وفي ظل قضاء تم تسييسه من قبل البعض.

الخطر الأول لهذه القرارات أنها لم تتحسب لتعميق الاستقطاب والانقسام في الشارع. لقد عمقت الانقسام الذي كان موجودا حول مسألة الدستور بين فريقين، أوله تغلب عليه القوى الإسلامية، ويضم الثاني القوى الليبرالية واليسارية والقومية. بل وأوجدت حالة جديدة من الانقسام، حيث التحق أنصار النظام السابق وبعض القضاة وكل المتشككين في التيار الإسلامي إلى الفريق الثاني، الذي استطاع لأول مرة حشد مئات الآلاف من الجماهير في الميادين. بينما فقد الفريق الأول، ورئيس الجمهورية، بعض المتعاطفين معه من القوى المدنية التي ساهمت في إيصال الرئيس إلى منصبه.

ليست هناك حالة انتقال ديمقراطي واحدة تم خلالها حل الأزمات التي تخلقها القوى السياسية والنخب عبر اللجوء إلى الشارع أو إلى الاستفتاء كما يدعو البعض الآن

الخطر الثاني هو أن هذه القرارات لم تساعد على حل الأزمات الحقيقية، فرغم أن بعض مواد الإعلان الدستوري تعالج مسائل طالبت بها الجماهير كالمحاكمات والنائب العام، فإن الرئيس في واقع الأمر ليست لديه قوة فعلية على الأرض لفرض واقع تم تحصينه قانونيا بإعلان دستوري في ظل تراخي جهاز الأمن، ومقاومة البعض للرئيس وتربصهم بكل خطوة يقوم بها، وعدم تعاون بعض مؤسسات الدولة. 

الخطر الثالث هو وجود من يدفع إلى مزيد من التشدد وتمسك كل طرف برأيه، ويهون من شأن المظاهرات الرافضة ويعتبرها توترا عارضا. وهناك من يطرح أفكارا من شأنها إحداث مزيد من التصادم، ويرى أن الأمر يمكن حسمه عبر حجم المؤيدين والمعترضين في الميادين، أو عبر اللجوء إلى استفتاء الشعب.

وهذا خطر للغاية، فليست هناك حالة انتقال ديمقراطي واحدة تم خلالها حل الأزمات التي تخلقها القوى السياسية والنخب عبر اللجوء إلى الشارع أو إلى الاستفتاء، كما يدعو البعض الآن. فأي استفتاء في مجتمع منقسم سيؤدي إلى مزيد من الانقسام تماما كما كان استفتاء مارس/آذار 2011.

الأزمات السياسية تحتاج إلى حلول سياسية وحلول وسط توافقية. كما أن اللجوء إلى المظاهرات لن يؤدي إلا إلى تعميق الانقسامات، وإشعال حرب أهلية، وعندها لن يستطيع أحد إيقاف مسلسل العنف والعنف المضاد. والحروب الأهلية لا تبدأ إلا من مستصغر الشرر.

وهناك خطر رابع وهو تعميق الصدام بين مؤسسات الدولة، ولا سيما بين القضاء والرئاسة، ومطالبة البعض بتدخل الجيش! وقد دفع هذا بالبعض إلى تصور أن الحل هو في التشدد والإصرار على تراجع الرئيس بشكل كامل، ورفض أي حوار قبل سحب الإعلان نهائيا. وهناك من رفع السقف بشكل غير منطقي وراح ينادي بإسقاط النظام ورحيل الرئيس!، وإذا ما أضفنا إلى هذا كله تضارب الأخبار والمعلومات التي تتناقلها بعض وسائل الإعلام والفضائيات فستزداد الأمور صعوبة.  

ما الحل؟
لا أعتقد أن هناك خوفا من صناعة دكتاتور جديد، لأن الميادين موجودة والشعب عرف طريقه للحصول على حقوقه، وسيحمي البلاد والثورة من كل المتلاعبين به، ولهذا يجب عدم رفع سقف المطالب والمناداة بإسقاط أول رئيس منتخب بإرادة شعبية حقيقية. إن الحشود الكبيرة هي الضمانة الأولى التي أتحدث عنها دوما ضد مخاوف الجميع من دكتاتورية عسكرية، أو من سلطة دينية، أو من دولة تقمع الحريات.

كما أنه ليس هناك خوف على دولة القانون والقضاء، لأننا في مرحلة بناء دولة القانون الحقيقية، والوقوف ضد تسييس القضاء ووقف من سيسوه بقصد أو بدون قصد، ولهذا على القضاة تجاوز تصوير المسألة على أنها طعنة للقضاء ودولة القانون. إن مصر تخوض عمليات جراحية حرجة للغاية، وهي عمليات سياسية بالأساس. وهذه هي طبيعة الثورات وطبيعة التحول الديمقراطي عن طريق الثورات.  

لقد كان لدى الرئيس في السابق عزم لا يلين لاتخاذ الكثير من القرارات التي لاقت تأييدا شعبيا قويا، كإلغاء الإعلان الدستوري الذي أصدره المجلس العسكري، وإزاحة المجلس العسكري، وكانت لديه شجاعة قوية لقبول قرار المحكمة الدستورية العليا بإبطال القرار الرئاسي بعودة البرلمان.

آن الوقت أن يتخذ الرئيس موقفا وطنيا جديدا لنزع فتيل الأزمة الحالية، ووقف الصدام الحادث بين مؤسسات الدولة، ووضع حد لاحتراب أهلي سيدمر الجميع، وذلك بالوصول إلى حل وسط يقوم على تعديل الإعلان الدستوري لإلغاء المادة الثانية التي تحصن قرارات الرئيس، أو على الأقل اقتصار التحصين على القرارات السيادية، والمادة السادسة التي تعطي الرئيس صلاحيات استثنائية.

حان الوقت لكي نتعامل مع أزماتنا الحالية على أنها أزمات سياسية تحتاج إلى حلول سياسية تعتمد على حوار حقيقي بين الأطراف، يبدأ بهذه الأزمة ثم يمتد لبقية المشكلات الأخرى، وعلى رأسها الدستور والتأسيسية والمشاركة الوطنية الواسعة.

آن الوقت أن يتخذ الرئيس موقفا وطنيا جديدا لنزع فتيل الأزمة الحالية ووقف الصدام الحادث بين مؤسسات الدولة، ووضع حد لاحتراب أهلي سيدمر الجميع، وذلك بالوصول إلى حل وسط

وفي واقع الأمر، لا حاجة ملحة إلى تحصين الجمعية التأسيسية ومد العمل بها، فهذا أمر يحتاج إلى حسم عبر حوار وطني أوسع يأخذ في الاعتبار ضرورة عودة المنسحبين، وإعادة تشكيل وتفعيل اللجنة الاستشارية للجمعية، بما يضمن الوصول إلى التوافق الوطني اللازم لإخراج دستور ديمقراطي حقيقي، لا يصنع وصاية دينية أو عسكرية على إرادة المؤسسات المنتخبة، ويضمن الحريات الأساسية، ويضمن وجود نظام سياسي فعال بمؤسسات متوازنة، إلى جانب وضع مادة في الدستور القادم تشترط أن تكون الحكومة القادمة بعد أول انتخابات بعد الدستور الجديد حكومة وطنية موسعة بدعم ثلثيْ أعضاء مجلس النواب، وذلك حتى نقلل من اندفاع الأحزاب السياسية نحو التنافس على مقاعد البرلمان على حساب المصلحة الوطنية الجامعة.

وحان الوقت أن تتعامل مؤسسة الرئاسة بقدر أكبر من الشفافية، وأن تعتمد بشكل أكبر على التشاور مع مختلف القوى السياسية فيما يتصل بالقرارات المصيرية. لقد فوجئ الجميع بصدور القرارات دون تشاور مع معظم مساعدي الرئيس ومستشاريه، وربما أيضا بعيدا عن ثلاثة من رجال القانون والدستور، وهم نائب الرئيس ووزير العدل ووزير المجالس النيابية.

وربما تحتاج البلاد إلى حكومة وطنية موسعة تقودها شخصية وطنية مشهود لها بالكفاءة، وتكون قادرة على معالجة المشكلات الكبيرة التي تواجه البلاد، والتي لا يمكن لفصيل واحد التصدي لها. 

كانت حال تركيا والبرازيل وكوريا أسوأ من مصر، لكن توافر لها قادة ونخب استمعوا إلى الخبراء والمتخصصين، وفهموا سنن الكون ودروس التحول الديمقراطي، وامتلكوا إرادة صلبة وأفقا منفتحا ورؤية وطنية جامعة، فنجحوا.

أمام الجميع طريقان: إنقاذ مصر أو المساهمة في تدميرها. أرجو ألا نكون جميعًا كخرقاء مكة التي جاء فيها قول المولى عز وجل: "وَلاَ تَكُونُواْ كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثا".

المصدر : الجزيرة