سهيل الغنوشي

سهيل الغنوشي

سهيل الغنوشي

 

إن نجاح الثورات ونهوض الأمم يقتضي التحاما بين شعب معبأ حول مشروع وطني طموح وملهم، وقيادة وطنية متجردة ومتواضعة ومتوافقة حكيمة حريصة على شعبها، تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. تلك شروط لا غنى عنها إذا أريد للشعب أن يصبر على آلام العلاج ويتحمل فاتورة التحرر والنهوض، وإذا أريد للبلاد أن تتصدى للأطماع والتعويق والمؤامرات.

كادت تونس أن تستوفي تلك الشروط مرتين: يوم انتصار الثورة، ويوم نجاح الانتخابات. ولكن الفرصتين ضاعتا بصورة غريبة. ثم أتت بعد ذلك سنة هزيلة للنسيان، عناوينها الأبرز التخبط والمراوحة والمكابرة والمزايدة، ضاعت خلالها أهداف الثورة وهموم المواطن (أو أصبحت ديباجة خطابية ومادة للمزايدة والدعاية الانتخابية) في خضم صراع محموم وعبثي على السلطة بين أطراف منتشية وحالمة وأخرى مغتاظة ومتحاملة، جعجعة كثيرة من دون طحن، وسجالات سياسية وإعلامية تنمّ عن تنطّع وتفيْقُه ومراهقة سياسية، ولا تختلف كثيرا عن سجالات جماهير الملاعب، فتبخرت الأحلام والآمال والوعود الكبيرة، أو تقزّمت فأصبحت لا تتجاوز عودة الأمن والاستقرار.

هناك من تغيرت أوضاعه جذريا بفعل الثورة إيجابا أو سلبا، فانشغلوا بمكاسبهم ومعاركهم وما عادوا يرون إلا نصف الكأس، ولكن الغالبية العظمى من التونسيين لم تتغير أوضاعهم كثيرا 

قطعا هناك من تغيرت أوضاعه جذريا بفعل الثورة إيجابا أو سلبا، فانشغلوا بمكاسبهم ومعاركهم وما عادوا يرون إلا نصف الكأس، ولكن الغالبية العظمى من التونسيين لم تتغير أوضاعهم كثيرا ولم يلحظوا فرقا كبيرا في الحياة السياسية سوى أن أمر الحكم كان محسوما لصالح طرف فأصبح متنازعا عليه، وقد لا يطول الأمد قبل أن يحسم من جديد.

ولم يجن التونسيون في مقابل الشهداء والجرحى وفقدان الأمن والاستقرار سوى حرية التنفيس وحق اللغو السياسي، وهو ما كان متوفرا نسبيا في دكتاتورية مبارك وصالح، ولا يزال متوفرا في ديمقراطية بوتين. وحتى هامش الحرية هذا لا يحق لأحد أن يمنّ به على الشعب الذي انتزعه بنفسه، ومن حقه أن يمنّ على النخب أن أنقذها من التهميش.

كل ذلك قد يصبر عليه المواطن ويأمل في تجاوزه لو كان للبلاد والثورة قيادة حازمة ومسار واضح، وهنا يكمن جوهر المشكلة، فالبلاد تراوح مكانها، ولا مفر من مواجهة الحقائق والتوقف عن التبريرات الواهية والمعيبة، فالوقت جزء من العلاج إذا كانت البلاد تسير بالاتجاه الصحيح، وثورة تونس ورثت تركة أخفّ وتواجه تحديات داخلية وخارجية أقلّ من نظيراتها، وتوفرت لها كل أسباب النجاح وهي بحاجة إلى "معجزة" لتفشل.

فمتى ولماذا وكيف خرجت الثورة عن مسارها؟ وما السبيل لتصحيح المسار قبل فوات الأوان؟ تلك هي الأسئلة التي ينبغي أن يتمحور حولها الحديث في السياسة وإلا أصبح لغوا كحديث الكرة.

في تقديري فإن السبب الرئيسي في المأزق السياسي في تونس هو تعجّل الأحزاب في الصراع على السلطة قبل نهاية المرحلة الانتقالية ومن دون ضوابط، والمنعرج الحاسم الذي أضعف فرص الثورة في النجاح كان تشكيل الحكومة (بالطريقة التي تشكلت بها)، حكومة سياسية وحزبية لتصريف الأعمال خلال المرحلة الانتقالية، وما عدا ذلك أعراض ونتائج وتفاصيل ثانوية.

فتونس ليست دولة ديمقراطية حتى تتمسك الأحزاب حرفيا بالآليات الديمقراطية ومنطق الأغلبية والأقلية. والمرحلة الانتقالية ليست مرحلة تنافس على السلطة ولا حتى تعامل مع التركة (ولا تتحمل منطق الغالب والمغلوب)، بل هي مرحلة بناء منظومة سياسية جديدة تحصر الخلاف وتضبط المنافسة ويستوعب فيها كل ما هو قابل للإصلاح، وبالتالي فهي بحاجة إلى توافق يقتضي تنازلات ويحقق الأمن والاستقرار، والتحام بالشعب يقتضي شفافية ويحافظ على الزخم الثوري من أجل حسم الإستراتيجيات الكبرى والقضايا السيادية التي لا يصح فيها الخلاف، وتقوية الجبهة الوطنية وتحصينها ضد التآمر الداخلي والخارجي، وبناء مؤسسات حكم حيادية وطنية ومستقلة عن الأحزاب تتنافس الأحزاب لاحقا وتداول على إدارتها بتفويض شعبي مؤقت، وذلك جوهر الديمقراطية.

كما أن استباحة كل الوسائل للوصول إلى الحكم أو للاستمرار فيه وتوحّد حزب مع الدولة هو جوهر الدكتاتورية التي عبر عنها لويس الرابع عشر بعبارته الشهيرة "الدولة هي أنا".

ذلك أن الصراع على الحكم قبل الأوان وبلا ضوابط (الذي أضر بالكثير من التجارب العربية وآخرها القضية الفلسطينية) يحدث فرقة بين النخب (كثيرا ما تنعكس على الشعب) وفجوة بينها وبين الشعب، مما يضعف الجبهة الوطنية ويفتح ثغرات للأطراف والأجندات الإقليمية والدولية التي تستبيح البلاد وتتلاعب بالفرقاء مستغلة سذاجة البعض وانتهازية البعض الآخر، فيقع التفريط في المصالح الوطنية، خاصة إذا وجد من يستغفل تلك الجهات أو يستقوي بها.

مردّ كل ذلك إلى غياب التفكير الوطني والمنهجية العلمية الواقعية وانخفاض سقف التطلّعات وطغيان التفكير الحزبي الانتخابي وضعف الهوية الوطنية الجامعة (حيث لا تزال الهويات والمصالح الفئوية التي تفرق هي السائدة)، وإلى خلل في النظرة إلى الدولة حيث لا يزال مفهوم الغنيمة هو السائد (قبائل تتنازع غنائم)، ولا تزال مفاهيم المواطنة ودولة المؤسسات وحيادية الإدارة سطحية وغير متجذرة.

من غير المتوقع في المدى القريب على الأقل أن يتمكن أحد من السلطة في البلاد العربية ثم يسلمها طوعا، ومن ينتظر تداولا سلميا على السلطة في البلاد العربية فسينتظر طويلا

ولأن الكل يريد الهيمنة على الدولة، فالكل يخشى أن يكون الضحية ويسعى لتأمين نفسه إما بالتوحّد مع الدولة للبقاء في الحكم وإما بالتشويش والتعويق. وهكذا دواليك، وتلك حلقة مفرغة غير مرشّحة للكسر قريبا. ولا أتوقع في المدى القريب على الأقل أن يتمكن أحد من السلطة في البلاد العربية ثم يسلمها طوعا، ومن ينتظر تداولا سلميا على السلطة في البلاد العربية فسينتظر طويلا، ومن يظن أن الدستور والانتخابات سيخرجان البلاد من مأزقها فهو واهم.

ضاعت السنة الأولى ثم جاءت انتخابات 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011 فأعطت للثورة دفعة جديدة ووفرت فرصة عظيمة للتدارك ولكنها ضاعت بصورة غريبة. فبنجاح الانتخابات تجاوزت الثورة مطبا كان مفتوحا على سيناريوهات خطيرة، والنتائج التي أفرزتها وفرت للثورة أهم ما تحتاجه: قيادة. فالمرحلة الانتقالية كانت بحاجة إلى توافق وكلاهما بحاجة إلى قيادة، والشعب فوّض النهضة لتحقق التوافق وتقود الثورة. ولكن بينما كان الشعب ينتخب من يقود الثورة كانت الأحزاب تتنافس على من يحكم البلاد ويرث الدولة.

كان المطلوب المراهنة على الشعب والسعي للالتحام به والحفاظ على الزخم الثوري وتحصين الجبهة الوطنية وذلك بقيادة البلاد والنخب السياسية (بالقدوة) باتجاه التوافق ونكران الذات وتغليب المصلحة الوطنية والتسامي على الجراح والأحقاد والأمجاد الشخصية والمكاسب الحزبية وتهدئة النفوس والأوضاع وتخفيف حدة التوتر وإخماد النزعات الفئوية وتحصين الثورة والبلاد من حمى المناصب والصراع على السلطة قبل انتهاء المرحلة الانتقالية.

الخطوة الأولى في هذا المسار كانت تشكيل حكومة تصريف أعمال متجانسة من خيرة كفاءات البلاد الوطنية مسؤولة على برنامج مرحلي واضح وواقعي وبقيادة قوية وحازمة، ثم قيادة البلاد والثورة وإدارة المرحلة الانتقالية بشفافية وحزم وحكمة، وذلك حتى تُصرف جهود الأحزاب عن فتنة المناصب التي تقضي على التوافق وتتركز في بناء المنظومة الجديدة، وتلك مهمة التوافق فيها ضروري وممكن.

سارت الأمور بالاتجاه المعاكس وجاءت نكسة تشكيل الحكومة لتعصف بالمسار كله وتمهد لسلسلة من الأخطاء والاختلالات. تشكلت الحكومة على أساس الترضيات والمحاصّة الحزبية ولم تتشكل على برنامج ولم تشكل فريق عمل متجانسا، فجاءت ضعيفة وتبخر معها شعار الشخص المناسب في المكان المناسب، واشتعل مزاد المناصب والصراع على السلطة، مما أدخل البلاد في مأزق.

ضاعت على البلاد فرصة كبيرة وتحولت النهضة من قيادة منتخبة للثورة إلى حكومة تصريف أعمال وطرف في الصراع على الحكم الانتقالي، ثم اضطرت إلى صرف الكثير من جهودها ورصيدها في إسناد حكومة مرتبكة ومشتتة بين تصريف الأعمال وتحقيق أهداف الثورة وإطفاء الحرائق والمعارك الجانبية.

أديرت البلاد بكثير من الغموض والتكتم، ولم يصارَح الشعب بحقيقة الأوضاع ولم يقدم له برنامج واضح وواقعي للمرحلة الانتقالية، ولا خريطة طريق محددة للخروج منها: تلكؤ في تحديد موعد للانتخابات، وتعيينات بالطريقة نفسها التي تشكلت بها الحكومة، ومواقف وقرارات وأحداث وعلاقات أثارت شبهات وتساؤلات لم تلق إجابات واضحة ومقنعة، فلا محاسبة ولا لجان تحقيق مستقلة.

كل ذلك أفقد الشعب الاطمئنان وفتح الباب للشائعات والتشكيك وأضر بالمصداقية والشعبية وأوجد أرضية خصبة لشحن الأجواء، فتبخرت الثقة وأضيفت الفجوة بين الشعب والنخب السياسية إلى الفرقة بين الأحزاب فتبدد الزخم الثوري. وبدل التوافق بين الأحزاب عصفت حمى المناصب بوحدة عدد من الأحزاب، البعض انشطر والبعض الآخر استطاع أن يطوق أزماته أو يرحّلها، وحتى التحالفات التي جمعت المتناقضات كانت انتخابية بحتة.

استأمن الشعب نخبه الثورة والبلاد فخذلته، ورشّحها القدر لصناعة التاريخ فرضيت بالصراع على الفتات. لم يلمس الشعب لدى نخبه تواضعا ولا حرصا عليه، ولا انشغالا بهمومه وتطلعاته، ولا تميزا في المواقف والأداء، ولا تفانيا أو تنافسا في خدمة الشعب والوطن، ولا استعدادا للتضحية بالمكاسب الحزبية من أجل المصلحة الوطنية. هذا لا ينفي أن الساحة السياسية التونسية تزخر بالمخلصين والمجتهدين (وبعضهم قد يصل الليل بالنهار) ولكنها جهود مبعثرة غير منتظمة في مشروع وطني ولا تعفي من المسؤولية على الأوضاع والنتائج.

يبدو أن إحداث فرقة بين النخب وفجوة بينها وبين الشعب وترويض الإسلاميين وتهرئة شعبيتهم بالحكم الانتقالي هي الخطوات الأولى في المسار الذي رُسم لثورة تونس وللثورات العربية عموما

إن صعود الأمم وسقوطها يتوقف على قياداتها، وأهم خصائص القيادة الناجحة الاهتمام بالناس والحرص عليهم والتألم لألمهم وسموّ التطلعات. ألم يصف الله الرسول القائد بقوله "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم" (التوبة: 128)، وهل عمّ العدل والأمن والرخاء خلال خلافة عمر بن عبد العزيز رغم ثقل التّركة وقصر المدة (سنتان ونصف السنة) إلا نتيجة زهده وتواضعه وتجرده وحرصه على الناس وسموّ تطلعاته. ولا يكاد يذكر الفاروق دون أن يذكر تفقده للرعية وعظم شعوره بالمسؤولية الذي شمل بغلة لو عثرت في العراق.

يبدو أن إحداث فرقة بين النخب وفجوة بينها وبين الشعب وترويض الإسلاميين وتهرئة شعبيتهم بالحكم الانتقالي (وعزلهم) هي الخطوات الأولى في المسار الذي رُسم لثورة تونس وللثورات العربية عموما، والذي ينتهي عند ديمقراطية محدودة على الطريقة الروسية أو شلل سياسي يمهد لانقلاب بترحيب شعبي، أي إعادة إنتاج للمنظومة القديمة (وليس النظام القديم) التي تتميز بهيمنة سلطة "متعاونة"، ولكن بوجوه جديدة وهامش من الحرية أكبر وإخراج أفضل: أي تكرار تجربة الحركات الوطنية بعد الاستقلال التي وقعت في الاستبداد والفساد والتبعية بسبب التشبث بالحكم. ويبدو أن بعض النخب والأحزاب السياسية العربية أكلوا الطّعم ووقعوا في الفخ.

كل ما فات قابل للتدارك لو تتخلص النخب من المكابرة والمزايدة والهوس بالحكم وعقدة الاضطهاد، أو يستعيد الشعب روح الثورة وزمام المبادرة فينخرط في الشأن العام انخراطا إيجابيا مؤثرا مغلّبا المصلحة العامة على الخاصة، ومتمثّلا قول جون كينيدي "لا تسأل ماذا قدّم لك وطنك، ولكن اسأل نفسك ماذا قدّمت لوطنك"، وفارضا على النخب والأحزاب تغليب المصلحة الوطنية والتفاني والتسابق والتنافس في خدمة الشعب والنهوض بالوطن، فلا معنى للاهتمام بالسياسة ما لم يترتب عليه فعل وما لم يتمحور حول تشخيص الأوضاع والبحث في الجذور والحلول.

فهل يتوقف في المنطقة العربية مسلسل تبرير الفشل وتكرار الأخطاء وإهدار الفرص؟ وهل تنجح تونس في تصحيح المسار قبل تجاوز نقطة اللاعودة فتقدم نموذجا ناجحا وملهما؟

المصدر : الجزيرة

التعليقات