يحيى اليحياوي

يحيى اليحياوي

كاتب وأكاديمي مغربي

 

طيلة القرون الخمسة الماضية, تعاقبت في الهيمنة على العالم والسيطرة عليه, مجموعة دول وإمبراطوريات, منها من تراجع مده ونفوذه, لدرجة التقوقع الجغرافي, كالإمبراطورية الإسبانية والهولندية والإيطالية والعثمانية وغيرها, ومنها من كابر وتمنع, لكنه رضي بالنهاية بوضع ثانوي أمام "القوى الجديدة", كما حال بريطانيا العظمى وفرنسا, ومنها من هيمن ولا يزال يهيمن منذ أربعة أو خمسة عقود, كما الحال مع الإمبراطورية الأميركية حاليا, ومنها من يتطلع للهيمنة, لتكون له الكلمة الفصل بالقرن الحالي, كما حال الهند والصين, أو بعض دول جنوب شرق آسيا وأميركا اللاتينية.

لقد كان للولايات المتحدة, منذ بداية تسعينات القرن الماضي, القول الفصل في تحديد معالم العلاقات الدولية "الجديدة", وبدا من هنا, كما لو أن نظاما عالميا جديدا بطور التشكل تدريجيا, يكون للولايات المتحدة الأميركية بموجبه مركز القيادة والهيمنة، حتى وإن بدا أن ثمة دولا ومجموعات من يتطلع لمنافستها أو مزاحمتها، لا سيما من لدن اتحاد أوروبي ينشد الاستقلالية عن القرار الأميركي, أو من لدن الصين، أو اليابان أو وروسيا أو غيرها.

العديد من النصوص الواردة سواء على لسان رجال الدين, أو بخطب رجال السياسة والمال, إنما تعكس بقوة الرغبة الجامحة للهيمنة الأميركية الاقتصادية والعسكرية والدينية على العالم

إن الميزات الأساس التي جعلت الولايات المتحدة الأميركية, تتبوأ المرتبة الأولى بالعلاقات الدولية, منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على الأقل, لا تكمن فقط في شساعة أراضيها وضخامة ثرواتها, وتنوع أعراقها, وقابلية كل هذه العناصر للاندماج والتعايش والعمل المشترك, ولا تكمن أيضا فقط في طبيعة النظام الاقتصادي الذي اعتمدته, أو المرجعية الليبرالية في التنظيم والتدبير التي تبنتها, ولكنها تكمن أيضا وبالتحديد في التحالف القوي بين السياسيين ورجال الأعمال من ناحية, وبين رجال الفكر ورجال الدين من ناحية ثانية, لرسم خلفية فكرية حاسمة للمصلحة القومية العليا للولايات المتحدة، التي ألقت بظلالها, بالشكل كما بالمضمون, كما بالآليات, على سياستها الخارجية ودورها في العلاقات الدولية المعاصرة.

يقول أحد قادة البحرية الأميركية ببداية هذا القرن, وكان ذات التحالف في مراحله الأولى "على الولايات المتحدة أن تنشر نفوذها التجاري في أنحاء الأرض كلها, والتصدي للأهداف الإمبريالية الأوروبية. إن مبدأ مونرو يوجب على الولايات المتحدة رفض أي نفوذ آخر. الأمر محكوم بالمصلحة القومية وحدها، ولا يبدو أن له حدودا. فعلى الولايات المتحدة الارتقاء إلى مصاف القوى العظمى. وتكمن المصلحة القومية، من حيث جوهرها المعلن, في طلبها بهيمنة أميركية ممتدة إلى ما بعد البحار".

إن العديد من النصوص الواردة سواء على لسان رجال الدين, أو بخطب رجال السياسة والمال, إنما تعكس بقوة هذه الرغبة الجامحة للهيمنة الاقتصادية والعسكرية والدينية على العالم, من لدن الولايات المتحدة. أي أن المشروع الأميركي كان يهدف, ومنذ بسط الدولة الأميركية لنفوذها على كل تراب "الهنود الحمر", برأي المنظرين الأميركان, "جذب كل أنام الكوكب إلى مجتمع مثالي، يشكل على الأرض الأميركية، وتحقيقه أولا بالتسامح، ثم بالقوة عند الاقتضاء، وأخيرا, وهو الأفضل, بالتجارة. إن مهمة أميركا هي أن تدل بقية العالم على طريق التوبة, والتطهير الكبير والإصلاح الاجتماعي، وتراكم الثروة بشتى الطرق".

النظرة كانت إذن, ومنذ البدايات الأولى, نظرة للذات, مركزية, "رسالية", ومن ثمة "استعلائية" تجاه العالم, الذي لا يزال وفق هذا التصور, يعيش في الظلمة. بمعنى أن صلب الرسالة هو المصلحة القومية، وبتحقيق هذه المصلحة, تتحقق الرسالة الأميركية, بالقيم, بالدين، بالقوة، وبالتجارة، كما لو أننا بإزاء استعادة للثلاثية الأوروبية, التي ارتكزت في حقب هيمنتها وسيطرتها على العالم: ثلاثية العسكري والتاجر والمبشر. إن الإمبراطوريات, يقول هنري كسينجر, لا تهتم بأن تدير شؤونها في إطار نظام دولي, إنها تطمح إلى أن تكون هي ذاتها النظام الدولي, بالجملة والتفصيل.

بصلب كل ذلك, أي بصلب سياق القوة الذي اعتمل في الفكر والممارسة الأميركية منذ أواسط القرن الماضي, خرجت مقولة جديدة, مكملة لذات السياق, بانية له ومؤطرة, مفادها أن القوة الخالصة لوحدها غير كافية لبناء الإمبراطورية, أو ضمان هيمنتها وسيطرتها على العالم. إنها بحاجة إلى "قوة ناعمة" تبررها, تمهد لها, وتفسح لها في المجال, إذا لم يكن لتطويع العالم ودفعه للقبول بـ"القيم الأميركية", فعلى الأقل لضمان عدم مناهضته لذات القيم, أو السير على النقيض منها.

في كتابه المرجعي, "القوة الناعمة: معاني النجاح في السياسات الدولية", يحدد الأدميرال جوزيف ناي, مفهوم هذه القوة الجديدة في كونها "القدرة على الاستقطاب والإقناع... إذ بما أن القوة الخشنة تكمن في القدرة على الإجبار والإكراه, المتأتية من القوة العسكرية للدولة, أو من تفوق قدراتها الاقتصادية, فإن القوة الناعمة تتأتى من جاذبيتها الثقافية أو السياسية", أو ما سواها.

يقول جوزيف ناي "إنه, وإن أمكن الوصول للأهداف من خلال القوى الخشنة, من استعمال القوة من قبل القوى الكبرى, إلا أنه قد يشكل خطرا على أهدافها وتطلعاتها الاقتصادية والسياسية, وحتى الثقافية". لذا, فإن الولايات المتحدة "إذا أرادت أن تبقى قوية, فعلى الأميركيين أن ينتبهوا إلى قوتهم الناعمة". بالتالي, فليس من الضرورة في شيء إجبار الآخرين على التغير, من خلال سبل التهديد والوعيد, أو اللجوء للقوة العسكرية أو الاقتصادية لتركيعهم, ولكن بالإمكان إجبارهم بطرق أخرى, تجعلهم "يريدون ما تريده أنت" بطريقة أخرى, ودونما استفزازهم, أو استعمال الأساليب الخشنة ضدهم, بل باستعمال أساليب رخوة قوامها نشر الأفكار والمعلومات, ودعم قنوات البث الإذاعي والإرسال التلفزي, وترويج سلع وخدمات وبرامج معلوماتية, يكون المبتغى منها زعزعة ثقة الناس في طبيعة النظام القائم, أو تشويه صورة القائمين عليه, أو إغراءهم جميعا بـ "مزايا النموذج الملهم", وهكذا.

ويتابع الأدميرال ناي القول "لقد أضحى من الصعب, في العالم المعاصر, استخدام العصا... إن القوة العسكرية, على الرغم من ضرورتها كسياسة ردع وإكراه, فهي أصبحت صعبة جدا... وأصبحت الحرب أمرا جد مكلف من الناحية المادية...", ناهيك عن المناهضة المتزايدة للحروب واستخدام القوة, من لدن الرأي العام المحلي والعالمي.

المعرفة أصبحت معيارا مهما, بل وأكبر معيار في القوة والتأثير في العلاقات بين الدول والشعوب, والقوة العسكرية والاقتصادية ذاتها, بدأت ترتبط تدريجيا بالتكنولوجيا بمختلف أشكالها وأنواعها وتلاوينها

إن المعرفة اليوم, يؤكد ناي, أصبحت معيارا مهما, لا بل وأكبر معيار في القوة والتأثير في العلاقات بين الدول والشعوب. والقوة العسكرية والاقتصادية ذاتها, بدأت ترتبط تدريجيا بالتكنولوجيا بمختلف أشكالها وأنواعها وتلاوينها، وأصبحت الصناعات المعرفية، مثل الحواسيب والشبكات والبرامج والتصاميم المعلوماتية والهندسة الوراثية والاتصالات والإعلام وغيرها, هي مصدر القوة الأكبر.

ومع أن جوزيف ناي يرى أنه لم يحدث منذ روما, أن امتلكت أمة من الأمم مثل هذه القدرة من القوة الاقتصادية، والثقافية، والعسكرية, كالتي تمتلكها الولايات المتحدة الأميركية اليوم, إلا أنه يرى بالآن ذاته أن هذه القوة لا تتيح للولايات المتحدة أن تحل مشاكل عالمية كالإرهاب، والتدهور البيئي، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، دون إشراك أمم أخرى. بالتالي, يقول ناي, فالقوة الناعمة أفضل بكثير في هذه الحالة, لا سيما وقد أثبتت التجربة نجاعتها ومدى تأثيرها: فـ"الجماهير السوفياتية كانت تشاهد الأفلام, وتتمثل خلفياتها السياسية, وعبرها استطاعت ذات الجماهير معرفة أن الناس بالغرب لا يقفون في طوابير لاقتناء الطعام, ويقيمون في مساكن مستقلة, ولديهم سياراتهم الخاصة" وهكذا.

لا يقلل ناي على الرغم من ذلك, من مركزية وأهمية القوة الخشنة, فهو يعتبرها مازالت "ضرورية وحتمية", لا سيما بإزاء "الدول القومية التي تسعى للحفاظ على استقلاليتها, وكذا المنظمات والجماعات الإرهابية", التي تتبنى سياسات "استخدام العنف", إلا أنه لا يحبذها كثيرا, بل لا يفضل اللجوء إليها, إلا في حالات خاصة... أي عندما لا تستطيع أدوات وشعارات القوة الناعمة إتيان أكلها في الزمن المحدد.

إن تزايد إخفاقات إدارة بوش الابن في العديد من الملفات الخارجية (وضمنها العراق وأفغانستان), باعتمادها على القوة الخشنة, والتي تقوم على القوة العسكرية المباشرة، إنما دفع بالكثيرين للتأكيد على أهمية القوة الناعمة, كإحدى أدوات تحقيق المصلحة القومية الأميركية, بجانب القوة العسكرية تأكيدا, لكن عند الحاجة فقط.

وهو ما ذهب إليه معهد بروكينغز, منذ صيف العام 2008, حين اعتبر "أن تغيرا ما, يجب أن يلحق بالسياسة الخارجية للولايات المتحدة على الصعيد العالمي, في مرحلة ما بعد الرئيس بوش, ينطوي على إنهاء عسكرة السياسة الخارجية الأميركية, بتحويل الولايات المتحدة إلى شريك دولي, يمكن الاعتماد عليه, عبر عدة آليات, تندرج جميعها في فئة القوة الناعمة, وأهمها التركيز على جهود حفظ السلام عالميا".

إنه لمن الأهمية بمكان, يقول محررو الدراسة, أن يمنح الرئيس باراك أوباما السلطات الكافية, لإعمال البعد الرمزي, بغرض إعادة الاعتبار لصورة أميركا بالعالم, وأيضا لتخفيف تكاليف القوة العسكرية التي أنهكتها الحروب والتدخلات هنا وهناك. وعددوا ثلاثة أهداف لذلك: اجتذاب قاطني الدول النامية إلى النموذج الأميركي, ضمن إستراتيجية كسب العقول والقلوب, من خلال مساعدة تلك الدول لتصبح قادرة على الارتقاء بأوضاعها الداخلية اقتصاديا واجتماعيا، ثم دفع تلك الدول لتبني مواقف مؤيدة للولايات المتحدة في المنظمات الدولية, انطلاقا من النتائج الإيجابية للتواصل بين الطرفين, ثم تعزيز التوجهات العالمية للمواطنين الأميركيين, عبر دفعهم للانخراط في العمليات ذات البعد الإنساني, أو المقدم للأبعاد السلمية في العلاقات الدولية.

لقد بات الرأي ثابتا بأن القوة الخشنة المعتمدة من لدن أميركا, إنما كان من شأنها الإضرار بصورة أميركا, وأن القوة الناعمة التي كانت تبرر لها الاختيار وتشرعن لها السلوك, بل وتتواطأ معها, هذه القوة تماهت مع القوة الخشنة لدرجة الاندغام, فأفرزت واقعا عالميا مناهضا لسلوك الإمبراطورية واختياراتها.

القوة الناعمة في بعض الأحيان, أخطر وأفتك من القوة الصلبة، على صعيد القتل والنتائج السياسية والاقتصادية، وعلى صعيد عدم القدرة على مواجهتها

بالتالي فالاعتقاد القائم, منذ وصول أوباما للسلطة, إنما العمل على مزج القوتين معا, بزمن السلم كما بزمن الحرب, في إطار ما سماه جوزيف ناي بـ"القوة الذكية", التي بنيت على حقيقة أن الخلل كامن في "سوء استخدام" السلطة الخشنة, وعدم القدرة على مزاوجتها بالسلطة الناعمة.

إن باراك أوباما وإن استطاع أن يمزج بذكاء القوتين معا, فإنه لم ولا يستطيع إلا أن يوظفهما لخدمة مفاصل منظومة الإمبراطورية الثابتة: مفاصل السيادة الأميركية على العالم في كل المجالات, مفاصل تحقيق المصلحة القومية الأميركية بكل الوسائل, مفاصل تعميم النموذج الأميركي باعتباره القدوة, مفاصل النظرة الأحادية والاستعلائة للعالم وللتاريخ, والمرتكزة على القومية والدين في صورتهما البدائية, ومفاصل تقسيم العالم إلى مجالات حيوية, حيث لا شيء يقبل المساومة.

إن القوة الخشنة تقتل حقا, لكن القوة الناعمة تقتل أيضا، بل إنها قد تكون, في بعض الأحيان, أخطر وأفتك من القوة الصلبة، على صعيد القتل والنتائج السياسية والاقتصادية، وعلى صعيد عدم القدرة على مواجهتها، حيث مفاعيلها أشد وطأة وتأثيرا.

قد تحتاج أميركا إلى "القوة الناعمة" كأمة، إلا أن السياسيين والعسكريين يحتاجون إلى مادة أكثر قوة, للدفاع عن المصالح القومية الكبرى, أو ما تم اعتباره على أساس كونه كذلك, ومبررهم في ذلك هو الاعتقاد الراسخ لديهم بأن الجمهور غالبا ما يفضل "القوي المخطئ" على "المسالم المحق", أي على المتسلط الناعم. 

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك