محمد عباس ناجي

محمد عباس ناجي

العراق محل سوريا.. ساحة مواجهة جديدة
صفقة مع روسيا.. رسالة للداخل أم للخارج؟

يكتسب الموقف العراقي تجاه الأزمة السورية أهمية وزخماً خاصاً لاعتبارات عديدة: أولها، أن التركيبة المعقدة للعراق تجعله من أكثر دول الجوار عرضة للتداعيات المباشرة لهذه الأزمة، وهو ما يبدو جلياً في حالة الاحتقان السياسي السائدة الآن على الساحة السياسية العراقية، بين ائتلاف "دولة القانون" الذي يتولى زعيمه نوري المالكي رئاسة الحكومة، وكل من الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البارزاني، الذي سعى خلال شهر يوليو/تموز الماضي إلى الإطاحة بنوري المالكي من منصبه، و"القائمة العراقية" برئاسة إياد علاوي، والتي تعود، في جزء منها، إلى التباين في التعاطي مع تطورات هذه الأزمة، إلى جانب اتهام هذه القوى للمالكي بالسعي إلى الاستفراد بالسلطة.

وثانيها، أن العراق يقع في منطقة وسط بين القوى المعنية بالأزمة السورية لاسيما إيران والولايات المتحدة الأميركية، ما فرض على موقفه تجاه تلك الأزمة حساسية خاصة لاسيما مع توليه رئاسة الدورة الحالية للجامعة العربية، وقد انعكس ذلك في تجاوب بغداد، نسبياً، مع الموقف الإيراني المؤيد لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، خصوصاً فيما يتعلق برفض التدخل الخارجي أو تنحي الرئيس السوري ومعارضة فرض عقوبات عربية أو تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية، وفي الوقت ذاته إجراء عمليات تفتيش على بعض الطائرات الإيرانية المتجهة إلى سوريا، بشكل عشوائي، للاشتباه في إمكانية احتوائها على أسلحة للنظام السوري، ما دفع طهران إلى مطالبة بغداد بعدم الاستجابة للضغوط الأميركية، خصوصاً أن الطائرتين اللتين قامت السلطات العراقية بتفتيشهما كانتا خاليتين من أية أسلحة.

وثالثها، أن علاقة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بنظام الرئيس السوري بشار الأسد، قبل اندلاع الاحتجاجات السورية، اتسمت بالتذبذب وعدم الاستقرار، خصوصاً بعد اتهام المالكي للنظام السوري بالمسؤولية عن أعمال العنف التي اجتاحت العراق في نهاية عام 2009 ومطالبته الأمم المتحدة بتشكيل لجنة تحقيق دولية لمحاسبة المتورطين في التفجيرات، وهو ما دفع دمشق إلى رفض دعم جهود نوري المالكي لتولي رئاسة الحكومة بعد الانتخابات البرلمانية التي أجريت في مارس/آذار 2010، والتي جاء فيها ائتلاف "دولة القانون" في المرتبة الثانية بعد "القائمة العراقية"، إلا أن المساعي التي بذلتها إيران دفعت سوريا في النهاية إلى منح الضوء الأخضر للمالكي لتشكيل الحكومة، رغم تفضيلها في البداية تولي إياد علاوي منصب رئيس الوزراء.

سقوط النظام السوري سوف يزيد من احتمالات تحول العراق إلى ساحة جديدة للمواجهة بين حليفيه: إيران وأميركا, لاسيما أن الأولى سوف تبذل جهوداً حثيثة لتعويض خسائرها المحتملة في حالة انهيار حليفها الإقليمي

العراق محل سوريا.. ساحة مواجهة جديدة
معنى ذلك، أن التغير الملحوظ في موقف حكومة المالكي باتجاه دعم النظام السوري على عكس معظم دول الجوار، له أسبابه القوية، إذ يخشى العراق من أن انهيار النظام السوري قد يؤدي إلى تأسيس حكم سني في دمشق، وهو ما سوف ينتج تداعيات مباشرة على توازن القوى الداخلي في العراق، وسيصب في صالح القوى السنية المعادية لنهج نوري المالكي، بشكل يمكن أن يضعف حظوظ ائتلافه في المستقبل للبقاء رقماً مهماً في المعادلة السياسية العراقية.

خصوصاً أن الدعم القوي الذي تقدمه بغداد للنظام السوري سوف يفرض علاقة متوترة مع النظام الجديد المتوقع تأسيسه في سوريا بعد انهيار النظام السوري الحالي، على عكس بعض القوى العراقية الأخرى مثل الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي أسس زعيمه مسعود البارزاني علاقات قوية مع بعض القوى الكردية السورية التي تؤيد الثورة ضد نظام بشار الأسد، وقدم مساعدات مباشرة لها، بهدف تأمين نفوذ سياسي لأكراد سوريا في مرحلة ما بعد انهيار هذا النظام، ودعم جهود الأكراد لإقامة وطن كردي عابر للحدود بين سوريا وإيران والعراق وتركيا، رغم الصعوبات العديدة التي تحول دون تحقيق ذلك.

فضلاً عن أن سقوط النظام السوري سوف يزيد من احتمالات تحول العراق إلى ساحة جديدة للمواجهة بين حليفيه: إيران والولايات المتحدة الأميركية، لاسيما أن الأولى سوف تبذل جهوداً حثيثة لتعويض خسائرها المحتملة في حالة انهيار حليفها الإقليمي الأهم، وربما تسعى، حسب اتجاهات عديدة، إلى إحلال العراق محل سوريا كـ"نقطة تواصل" مع الحلفاء الآخرين في المنطقة، وهو ما سوف يؤدي حتماً إلى تصعيد حدة التوتر السياسي الداخلي، وتضييق حرية الحركة وهامش المناورة المتاح أمام نوري المالكي.

كما أن ذلك يمكن أن يدعم من احتمالات عودة التيارات الجهادية مرة أخرى من سوريا إلى العراق، وبالتالي تصعيد عمليات العنف من جديد، وهو ما سوف ينتج تداعيات سلبية عديدة على حالة الأمن والاستقرار التي تواجه تحديات ليست قليلة في الآونة الأخيرة، لاسيما أن الخطاب العام لهذه التيارات الجهادية ربما يتحول من "الجهاد ضد القوات الأميركية" التي انسحبت من العراق بنهاية عام 2011، إلى "الجهاد ضد الحكومة"، خصوصاً في ظل الاتهامات التي توجهها هذه التيارات للأخيرة بالعمالة لإيران وتكريس سيطرة الشيعة على مفاصل صنع القرار في العراق، وتبني سياسة طائفية في تأييد النظام العلوي في سوريا.

وقد عبر وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري عن مخاوف بغداد من احتمال أن تصبح سوريا "البوابة الرئيسية" لعودة القاعدة والتنظيمات الجهادية الأخرى إلى العراق، بقوله إن "تسليح المعارضة والنظام في سوريا سوف يؤثر على أوضاع العراق الداخلية أمنياً وسياسياً".

وبدون شك، فإن تأسيس نظام سني في سوريا سوف يحدث اختلالاً في توازن القوى الإقليمي لصالح تركيا، التي توترت علاقاتها مع العراق، في الفترة الأخيرة، أولاً بسبب اتهامها للمالكي بتهميش دور القوى السنية وتبني سياسة طائفية في الحكم، وثانياً بسبب وقوف الأخير على خط مناقض للسياسة التركية إزاء الأزمة السورية، حيث تحولت تركيا إلى رقم مهم في الضغوط الإقليمية والدولية المفروضة على النظام السوري.

وقد انعكس التوتر العراقي التركي في مؤشرات ثلاثة رئيسية: الأول، الانتقادات الحادة التي وجهها نوري المالكي إلى تركيا خلال زيارته إلى روسيا، في 9 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، على خلفية التصعيد التركي تجاه النظام السوري بعد قصف القوات السورية لبعض القرى الواقعة على الحدود بين الدولتين، حيث قال إن "تركيا تتبنى سياسة وقحة"، مؤكداً عدم أحقية حلف الناتو في التدخل في الأزمة السورية تحت مبرر حماية تركيا.

والثاني، مطالبة الحكومة العراقية للبرلمان بإلغاء أو عدم تمديد أي اتفاقية تسمح بوجود قوات أجنبية على الأراضي العراقية، وهو استهداف مباشر للاتفاقية التي أبرمت عام 1995 بين العراق، في عهد الرئيس الأسبق صدام حسين، وتركيا، وكانت تسمح بوجود عسكري تركي في مناطق شمال العراق لتعقب مقاتلي حزب العمال الكردستاني.

والثالث، رفض المالكي دعوة رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان لحضور المؤتمر الرابع لحزب العدالة والتنمية، الذي عقد في 30 سبتمبر/أيلول الماضي، بدعوى ازدحام جدول أعماله.

زيارة المالكي لروسيا والتوقيع على صفقة أسلحة بقيمة 4.3 مليارات دولار، أضفت مزيداً من التعقيد على التجاذبات السياسية الداخلية والصراعات الإقليمية المحمومة على سوريا

صفقة مع روسيا.. رسالة للداخل أم للخارج؟
في خضم هذه الظروف والمتغيرات المتشابكة، جاءت الزيارة المهمة التي قام بها نوري المالكي إلى روسيا، في 9 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، والتي انتهت بالتوقيع على صفقة أسلحة روسية بقيمة 4.3 مليارات دولار، لتضفي مزيداً من التعقيد على التجاذبات السياسية الداخلية والصراعات الإقليمية المحمومة على سوريا.

فقد خضعت الصفقة لتفسيرات متعددة منها أنها خطوة موجهة للداخل تحديداً بهدف تقوية معسكر المالكي في مواجهة خصومه السياسيين، لاسيما الأكراد، وهو ما تدعمه الانتقادات الحادة التي وجهها الأكراد للصفقة، التي يمكن أن تستخدم، في رؤيتهم، لـ"إنتاج ديكتاتورية جديدة". ومنها أنها استعداد لاستحقاقات "ربيع عراقي" ربما يكون مؤجلاً لكنه مطروح لاعتبارات عديدة. لكن التفسير الأهم الذي حظي برواج واسع رأى أن الصفقة كانت بمثابة "مكافأة" لروسيا، بدعم من إيران، على موقفها المؤيد للنظام السوري، خصوصاً لجهة استخدام موسكو لحق الفيتو عدة مرات لمنع صدور أية قرارات بعقوبات على هذا النظام من داخل مجلس الأمن.

إن التمعن في الظروف الداخلية والإقليمية التي واكبت الزيارة، يشير إلى أنها لا تؤشر إلى تحول إستراتيجي في سياسة بغداد الخارجية، وذلك لاعتبارات عديدة أهمها أن حدود الحركة المتاحة أمام المالكي في هذا المجال تبقى ضيقة، خصوصاً لجهة علاقاته الوثيقة مع الولايات المتحدة الأميركية، التي لن تسمح بتأسيس تحالف رباعي بين روسيا وإيران والعراق وسوريا، يقوي موقف إيران في مواجهة الضغوط الدولية القوية التي تتعرض لها في الوقت الحالي بسبب أزمة ملفها النووي، ويعيد لروسيا نفوذها في الشرق الأوسط، الذي بدأت تفقده خصوصاً بعد سقوط نظام الرئيس الليبي السابق معمر القذافي، ويوفر ظهيراً دولياً قوياً للنظام السوري في مواجهة الضغوط والعقوبات التي يتعرض لها.

لكن ذلك لا يعني أن واشنطن رفضت توجه بغداد للانفتاح على موسكو، بل ربما يمكن القول إن الزيارة تمت، على الأرجح، بضوء أخضر أميركي، لاسيما أن واشنطن بدت غير متحمسة لإحداث تغيير كبير في المشهد السوري، في فترة الانتخابات، بما يعني أنها ربما تكون استهدفت من خلال الزيارة، التوافق مع روسيا على البحث عن بدائل أخرى للأزمة، غير دعم وتسليح المعارضة السورية، التي لم تنجح حتى الآن في إسقاط النظام، رغم الضربات القوية التي وجهتها للأخير في الفترة الماضية، خصوصاً لجهة تخوف واشنطن من إمكانية سيطرة جماعات متطرفة على الأسلحة التي تقدم للمعارضة في المستقبل.

وربما يؤشر ذلك إلى أن واشنطن يمكن أن تدعم المبادرة التي طرحها العراق لتسوية الأزمة، والتي تدعو إلى تشكيل حكومة وطنية وإجراء حوار بين مختلف مكونات الشعب السوري ووقف العنف بين النظام والمعارضة، في حال ما إذا حظيت بدعم روسي، الأمر الذي يمكن أن يسفر في النهاية عن الخروج من المأزق الدولي الراهن المتمثل في عجز الغرب عن الحيلولة دون استخدام روسيا لحق الفيتو في مجلس الأمن لعرقلة فرض عقوبات على النظام السوري أو استصدار قرار باستخدام القوة، الأمر الذي دفع الأخير إلى الإمعان في استخدام آلياته العسكرية لمواجهة الاحتجاجات.

من المحتمل أن تدعم واشنطن المبادرة التي طرحها العراق لتسوية الأزمة، والتي تدعو إلى تشكيل حكومة وطنية وإجراء حوار بين مختلف مكونات الشعب السوري ووقف العنف بين النظام والمعارضة

معنى ذلك أن بغداد ليست في وارد التخلي عن الاتجاهات العامة لسياستها الخارجية، لاسيما إزاء العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية التي نجحت ضغوطها في دفع الأولى إلى تفتيش الطائرات الإيرانية التي تعبر الأجواء العراقية في طريقها إلى سوريا، للاشتباه في إمكانية احتوائها على أسلحة إلى النظام السوري، بعد تزايد الاتهامات الأميركية التي أشارت إلى وجود اتفاق ضمني بين بغداد وطهران يقضي بعدم تفتيش الطائرات الإيرانية المحملة بالأسلحة إلى سوريا.

ورغم أن بغداد نفت في البداية هذه الاتهامات الأميركية، إلا أنها استجابت في النهاية للضغوط الأميركية، حيث أعلنت أنها سوف تقوم بإجراء عمليات تفتيش عشوائي على الطائرات الإيرانية، للتأكد مع عدم حملها شحنات أسلحة إلى سوريا، بحجة أنها تفتقر إلى الإمكانيات التي تتيح لها إجراء عمليات تفتيش كاملة على كل الطائرات الإيرانية المتجهة إلى سوريا، وهو ما أثار استياءً إيرانياً واضحاً بدا جلياً في مطالبة طهران لبغداد بعدم الإذعان للضغوط الأميركية.

وفي كل الأحوال، يمكن القول إن المشهد السياسي المعقد في سوريا يفرض مزيداً من التحديات أمام العراق، سواء لجهة وضعه في مواجهة "خيارات صعبة" بسبب حساسية تحالفاته الإقليمية والدولية، أو لجهة تزايد احتمالات دخوله في أتون صراع سياسي محموم بين قوى تسعى إلى احتكار السلطة وأخرى تجاهد من أجل البقاء في معادلة الحكم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك