حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية

السياسة في مواجهة الجغرافيا
سد النهضة وتغيير التوازن الإقليمي
الخيارات المصرية

يبدو أن قطاعا كبيرا من النخبة السياسية في مصر منذ ثورة 25 يناير أضحى غائبا أو مغيبا عن الوعي الإستراتيجي المرتبط بمسألة الأمن القومي المصري. فالحوار السائد في مصر بعد الثورة يغلب عليه "العقل المعيشي"، طبقا لتوصيف الامام ابن القيم، وهو ما يتمثل في إعطاء الأولوية لقضايا حياتية يومية مثل إغلاق المحال التجارية ليلاً أو التحرش الجنسي أو مظاهر البلطجة وغياب القانون وما شاكل ذلك.

وعلى الرغم من أهمية هذه القضايا بالنسبة للنظام الاجتماعي السائد، فإن ثمة قضايا حيوية تهدد كيان الدولة المصرية، بل تنال من وحدة المجتمع المصري واستقراره، تم تجاهلها أو تناسيها في خضم تناقضات المرحلة الانتقالية التي شهدتها مصر بعد سقوط نظام حسني مبارك.

وإذا كانت الأنظار جميعها موجهة إلى الشمال الشرقي حيث تكمن معضلة سيناء وما تعانيه من حالة فراغ أمني وإستراتيجي هائلة، فإن الأخطار الحقيقية التي قد تدفع مصر إلى ساحة الحرب تأتي من الجنوب. وبافتراض بقاء الأحوال على ما هي عليه بالنسبة لمخاطر عسكرة منطقة الساحل والصحراء من جهة، وإعادة الهندسة الجيوإستراتيجية لمنطقة شرق أفريقيا من جهة أخرى، فإن مآلات عملية التفاوض بشأن مياه النيل سوف تكون لها انعكاسات خطيرة ليس فقط على كل من مصر والسودان ولكن على عموم القارة الأفريقية.

ويحاول هذا المقال طرح رؤية استشرافية للخيارات المحدودة أمام مصر لمواجهة مخاطر السدود الإثيوبية على الأمن المائي المصري.

السياسة في مواجهة الجغرافيا
على الرغم من تدفق مياه النيل وهي تحمل معها الخير والنماء إلى مصر منذ آلاف السنين، فإن العلاقة بين مصر وباقي دول حوض النهر ولا سيما إثيوبيا لم تكن تخلو من الشك وعدم الثقة في كثير من الأحيان.

النظام القانوني الخاص بنهر النيل خلال المرحلة الاستعمارية أكد على أمرين هامين، أولهما الحقوق التاريخية المكتسبة لكل من مصر والسودان في مياه النيل، والثاني عدم قيام دول أعالي النيل بأية مشروعات من شأنها التأثير على حصة مصر من المياه

فقد خشى حكام مصر عبر العصور إمكانية تحويل مجرى النهر أو التأثير على كمية تدفق المياه التي تصل إلى مصر عبر السودان. لم يكن غريبا الاهتمام بتأسيس نظام قانوني خاص بنهر النيل خلال المرحلة الاستعمارية حيث بدأت صياغته الحقيقية بتوقيع اتفاقية عام 1929، ثم جاءت اتفاقية عام 1959 بين مصر والسودان التي تم بمقتضاها إنشاء السد العالي لتكمل هذه المنظومة القانونية الحاكمة لنهر النيل.

وقد أكد هذا النظام القانوني، الذي حافظ على استقرار العلاقات بين دول حوض النيل طيلة العقود الماضية، على أمرين هامين، أولهما الحقوق التاريخية المكتسبة لكل من مصر والسودان في مياه النيل، والثاني عدم قيام دول أعالي النيل (أي دول المنبع) بأية مشروعات من شأنها التأثير على حصة مصر من المياه.

بيد أن تحولات ما بعد الاستقلال في الدول الأفريقية وتزايد حاجة كثير من الدول النهرية لاستغلال مواردها المائية بالإضافة إلى تقلبات السياسة الدولية والإقليمية وتغير المزاج العام في كثير من دول حوض النيل، دفعت جميعها إلى إعادة التفاوض حول قضية استغلال مياه النيل.

لقد حاولت دول حوض النيل تسوية النزاعات المائية بينها والاستجابة لمتطلبات التنمية الخاصة بمجتمعاتها من خلال إنشاء مبادرة حوض النيل عام 1999. وبعد نحو عشر سنوات من التفاوض الشاق، أي في عام 2010، قامت خمس دول من دول المنبع، هي إثيوبيا وكينيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا، باستخدام هذا المنتدى التفاوضي لصياغة وتوقيع اتفاق جديد للتعاون الإطاري يسمح لها بالحصول على نحو 90% من مياه النيل التي تستخدمها كل من مصر والسودان وإعادة توزيعها على دول الحوض مرة أخرى.

وفي فبراير/شباط 2011، أي بعد أيام قليلة من سقوط نظام مبارك في مصر، انضمت بوروندي للدول الموقعة على الاتفاق الجديد . ولعل ذلك يطرح أكثر من علامة استفهام واحدة حول طبيعة الموقف البوروندي.

ومن المفترض أن يحل هذا الاتفاق الإطاري محل النظام القانوني السائد في حوض النيل ولا سيما اتفاقيتي 1929 و1959. على أن الحكومة المصرية ومنذ ما قبل الثورة رفضت هذا الاتفاق الإطاري الجديد الذي يعمد إلى سلب حقوقها التاريخية في مياه نهر النيل.

سد النهضة وتغيير التوازن الإقليمي
من الواضح أن إستراتيجية رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ميليس زناوي كانت تقوم على تعزيز مكانة إثيوبيا الإقليمية والإستراتيجية من خلال سياسة بناء السدود ومبادلة المياه بالنفط في علاقة ثلاثية مع دولتي السودان. وعليه ففي أعقاب توقيع اتفاق التعاون الإطاري وانشغال مصر بتقلبات ما بعد الثورة تم الإعلان عن بناء سد النهضة الإثيوبي العظيم.

ومن المتوقع أن يتم الانتهاء من بناء هذا السد في العام 2017 حيث يعتبر أكبر سد في أفريقيا على الإطلاق وهو واحد من أكبر عشرة سدود على مستوى العالم. وطبقاً للتقديرات المعتمدة فإن هذا السد سوف يوفر نحو 63 مليار متر مكعب من المياه.

ومن اللافت للانتباه أن موقع هذا السد على النيل الأزرق لا يبعد عن السودان أكثر من أربعين كلم. وإذا كانت إثيوبيا تتحدث عن عدم قيامها باستخدام مخزون السد من المياه في أعمال الري حيث إنه مخصص للأغراض الكهرومائية، فإن التوقعات تشير إلى أنه سوف يسبب أزمة كبرى لمصر. ويكاد يكون من المقطوع به أن بناء هذا السد سوف يؤثر على تدفق المياه التي تصل إلى كل من مصر والسودان، بل من الممكن كذلك الخصم من حصة الدولتين من المياه بشكل دائم.

في ضوء حالة الغموض الإستراتيجي التي تعاني منها السياسة المصرية الراهنة، تغيب الرؤية الواضحة في تحديد المواقف وصياغة السياسات لمواجهة أزمة المياه العاصفة مع إثيوبيا

وفي ضوء حالة الغموض الإستراتيجي التي تعاني منها السياسة المصرية الراهنة، تغيب الرؤية الواضحة في تحديد المواقف وصياغة السياسات لمواجهة هذه الأزمة العاصفة، ليس بعجيب أن نجد تضاربا في التقديرات والمواقف في الكتابات المصرية، بل بين صانعي القرار أنفسهم. فثمة من يبالغ فيتحدث عن أن الصدام والعداء هو العنوان القادم لا محالة في العلاقة المصرية الإثيوبية.

وهناك على صعيد آخر من يسلك سبل المفرطين فلا يجد أدنى خطر يهدد أمن مصر المائي. بل يذهب نفر ثالث إلى الاعتقاد بأن تسوية هذه الأزمة يكمن في القيام بزيارة وفد شعبي أو إرسال وفد تجاري، على الرغم من أهمية هذه الأدوات في توطيد عرى التعاون بين الشعوب.

وقد يذهب البعض إلى تبني موقف التهوين استناداً إلى صعوبة تمويل مثل هذا المشروع العملاق الذي تقدر تكلفته بنحو خمسة مليارات دولار، وهو ما يوازي ميزانية إثيوبيا السنوية. على أن تجربة إثيوبيا في بناء سد تانا عام 2010 الذي أدى إلى التأثير على تدفق المياه الواردة لمصر، ولو جزئيا، تدعو إلى توخي الحذر والتخطيط السليم للمستقبل من قبل صانعي السياسة المصرية.

فإثيوبيا في ضوء التنافس الدولي والإقليمي لن تعدم التوصل إلى سوق المانحين، بل إنها تخطط من أجل الاعتماد على قوى المجتمع المدني وإسهامات مواطنيها لتنفيذ هذا المشروع القومي العملاق.

الخيارات المصرية
تطرح مؤسسة ستراتفورد الاستخباراتية الخاصة في الولايات المتحدة الأميركية ثلاثة سيناريوهات أمام مصر في حالة تمكن إثيوبيا من إتمام بناء سد النهضة، وذلك على النحو التالي:

السيناريو الأول وهو الأكثر احتمالاً يتمثل في استخدام الأدوات السياسية والدبلوماسية للضغط على إثيوبيا من أجل توقف البناء في سد النهضة. فلا تزال السياسة المصرية ممسكة بمبدأ الحقوق التاريخية المكتسبة وتعض عليه بالنواجذ. ومن ثم فإن أي تغيير في حصة مصر من المياه يعتبر مخالفا للنظام القانوني الحاكم لنهر النيل الذي تمثله العديد من الاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية 1929 واتفاقية 1959 المشار إليهما آنفا.

ونظراً لعدم توقيع كل من مصر والسودان على اتفاق التعاون الإطاري الأخير، فإنه يصبح غير ملزم لهما على الإطلاق. ولذلك تركز الدبلوماسية المصرية على التأثير على برلمانات دول حوض النيل لتعطيل عملية التصديق على هذه المعاهدة الجديدة. كما أن مصر بعد الثورة تحاول تغيير الصورة الذهنية السلبية التي كانت سائدة لدى دول حوض النيل والتي صورتها على أنها تسرق مياه النيل. وثمة أدوات جديدة تمثل قوة مصر الناعمة يمكن استخدامها بشيء من الحصافة والحنكة لكسب عقول وقلوب الأفارقة في حوض النيل.

ثلاثة سيناريوهات أمام مصر في حالة تمكن إثيوبيا من إتمام بناء سد النهضة: الأول استخدام الدبلوماسية, والثاني القيام بالأنشطة الهدامة والحروب بالوكالة, الثالث القيام بعمل عسكري مباشر لتدمير السد   

السيناريو الثاني ويتمثل في القيام بالأنشطة الهدامة والحروب بالوكالة في مواجهة إثيوبيا في حال فشل الجهود السياسية والدبلوماسية. إذ لا يخفى أن إثيوبيا تعاني من انقسامات عرقية وإثنية كثيرة، وثمة جماعات متعددة تحمل السلاح في مواجهة الحكومة المركزية. وعليه فإنه يمكن إعادة النظر من جانب الحكومة المصرية مرة أخرى في توجيه الدعم والمساعدة لحركات المعارضة المسلحة في إثيوبيا، وهو ما يمثل ضغطاً مهماً للتأثير على صانع القرار الإثيوبي وإجباره على تقديم تنازلات في ملف مياه النيل.

أما السيناريو الثالث، وهو الأقل احتمالا، فإنه يتمثل في القيام بعمل عسكري مباشر لتدمير سد النهضة. وقد أشارت بعض تسريبات ويكيليكس إلى تصريح لأحد المسؤولين المصريين حيث قال: "إذا وصلت الأمور حد الأزمة فإننا على استعداد لإرسال طائرة حربية لقصف السد والعودة في نفس اليوم. وهو أمر بالغ البساطة. أو أنه بالإمكان إرسال قوات خاصة لتعطيل العمل بالسد وتدميره".

ومع ذلك يبقى الأمل معقوداً على القيادة الجديدة في كل من مصر وإثيوبيا لبناء جسور الثقة المتبادلة وتجنب المسار الصراعي والعدائي. يعني ذلك استمرار جهود التعاون المشترك من أجل تعظيم الاستخدام المتبادل لمياه النهر لمصلحة جميع شعوب المنطقة. فهل يصبح النيل شريان حياة متجددة لشعوبه أم تختلط مياهه بدماء العداء والصراع؟ هذا هو التحدي القادم!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك