عبد الجليل زيد المرهون

عبد الجليل زيد المرهون

باحث وخبير إستراتيجي متخصص في شؤون النظام الإقليمي الخليجي.

إلى أين تتجه التطوّرات في مضيق هرمز؟، هل سيُغلق هذا المضيق الحيوي؟ وهل المنطقة مقدمة على حرب جديدة؟ وما هي طبيعة المقاربات السائدة؟

أولاً: المتضمنات الجيوسياسية العامة
يُعد مضيق هرمز المنفذ الوحيد الذي يربط الخليج العربي بأعالي البحار، وتحديداً بخليج عُمان. وقد سمي بهذا الاسم نسبة إلى جـزيرة هـرمز الواقعة في طرفه الشمالي.

ورغم أن عرض المضيق يتراوح بين 20.75 وثلاثين ميلا، إلا أن قناة النقل الأساسية فيه لا تتجاوز 5- 8 أميال، وبعمق يصل إلى 300 قدم.

وتشرف على مضيق هرمز كل من سلطنة عُمان وإيران، اللتين حددتا امتداد مياههما الإقليمية بـ12 ميلا بحريا. وتلتقي هذه المياه في منطقة المضيق لمسافة 15 ميلا بحريا، حيث تختفي المياه الدولية.

ترمي حالة الأمن في هرمز بتداعياتها المباشرة على وضع الملاحة في كل من باب المندب والسويس غرباً، ومضيق ملقا شرقاً. فهذه المضايق تتكامل فيما بينها على المستوى الوظيفي، ولا يستطيع أي منها النهوض بوظيفته كاملة دون استقرارها كافة

وعلى الرغم من ذلك، فإن مضيق هرمز يخضع للملاحة الدولية المفتوحة، لكونه ممراً يربط بين جزأين من البحار العالية.  

ويرتبط أمن مضيق هرمز ارتباطاً عضوياً بأمن الخليج، بل ليس بالمقدور مقاربة هذا الأمن بمنأى عنه.

وأكثر من ذلك، ترمي حالة الأمن في هرمز بتداعياتها المباشرة على وضع الملاحة في كل من باب المندب والسويس غرباً، ومضيق ملقا شرقاً. فهذه المضايق تتكامل فيما بينها على المستوى الوظيفي، ولا يستطيع أي منها النهوض بوظيفته كاملة دون استقرارها كافة.

وإضافة لتأثرها المباشر بالظروف السائدة في الدول المشاطئة والمجاورة، تتأثر حالة الأمن في هرمز بالأوضاع الدائرة في كل من كراتشي وبلوشستان، وعدد آخر من مدن بحر العرب.

وبموازاة ذلك كله، رمت ظاهرة القرصنة البحرية بظلالها على البيئة الأمنية لمضيق هرمز، حيث امتدت هذه الظاهرة من خليج عدن إلى تخومه، في السنوات الأربع الماضية. 

وعلى الرغم مما سبق ذكره من تحديات، فإن  الإيجابي في الأمر هو أن شركات التأمين العالمية لم تصنف حتى اليوم مضيق هرمز باعتباره منطقة خطرة. ولذا ما زالت رسومها على البواخر العابرة له عند مستوياتها الطبيعية.

ولو حدث وصنف المضيق على أنه منطقة خطرة، أو منطقة حرب، كما حدث لمضيق ملقا عام 2005، فإن رسوم التأمين سوف ترتفع على نحو صارخ، وترتفع معها أسعار النفط العالمية. وكذلك كافة السلع الواردة إلى دول الخليج عبر المضيق، بما فيها المواد الغذائية الأساسية.

ثانياً: الرؤية الأميركية لأمن المضيق
على صعيد المقاربات الخاصة بأمن المضيق، برزت الولايات المتحدة كطرف أساسي في هذا الأمن، منذ مطلع سبعينيات القرن العشرين، وتمثلت ذروة الانخراط الأميركي في إعلان مبدأ كارتر عام 1980. وحيث لا يزال هذا المبدأ يُمثل دليلاً للسياسة الأميركية في الخليج.

في الأصل، تمثل رؤية الولايات المتحدة لمضيق هرمز جزءاً من المقاربة الأميركية الكلية لأمن الخليج. وعلى الرغم من ذلك، فإن لهرمز خصوصية ذات صلة بخطوط الملاحة، حيث تتأثر بوضعه غالبية الممرات الإستراتيجية في المحيط الهندي.

تداخلت حسابات الولايات المتحدة الإستراتيجية بحساباتها الخاصة بالملاحة والتجارة الدولية، لتعطي لهرمز موقعاً متقدماً في الفكر الجيوستراتيجي الأميركي. ويصعب على الباحث اليوم إحصاء عدد الدراسات الأميركية الخاصة بمضيق هرمز

ومن هنا، تداخلت حسابات الولايات المتحدة الإستراتيجية بحساباتها الخاصة بالملاحة والتجارة الدولية، لتعطي لهرمز موقعاً متقدماً في الفكر الجيوستراتيجي الأميركي. ويصعب على الباحث اليوم إحصاء عدد الدراسات الأميركية الخاصة بمضيق هرمز. 

والولايات المتحدة هذه، نهضت مقاربتها الأم لأمن الخليج على جملة ركائز، كان في صدارتها أمن الطاقة النفطية. بيد أن النفط القادم من الخليج لا يُمثل في الوقت الراهن سوى نحو 18% من نفط أميركا المستورد.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الخليج لم يفقد مكانته في المدرك الإستراتيجي الأميركي، لأن الركائز الأخرى للمقاربة الأميركية الأم ما زالت على حالها. كما أن الوجود الأميركي في الخليج ينهض اليوم بمهام ذات صلة بالإستراتيجية الكونية للولايات المتحدة، وخاصة لجهة تعزيز الموقف التفاوضي الأميركي حيال القوى الدولية الأخرى، ولا سيما تلك المستوردة للنفط والغاز الخليجي.

ولقد عززت الولايات المتحدة من وجودها العسكري في الخليج، لينهض بمزيد من المهام الدفاعية، براً وبحراً وجواً.

وإضافة لذلك، تشكل حاملات الطائرات الأميركية في الخليج وبحر العرب قواعد عسكرية عائمة، يخدم على متنها آلاف الجنود. كما تستوعب كل حاملة ما بين أربعين وثمانين طائرة حربية، وفقاً لتصميمها.

ولهذه الحاملات سطح إقلاع مائل يسمح بإقلاع وهبوط أكثر من طائرة في الوقت ذاته. وهي تتسلح بنظام إدارة نيران، وأنظمة دفاع مركزي مضاد للطائرات والصواريخ. وتتزود برادار بحث جوي ثلاثي الأبعاد، وآخر ثنائي، ورادار ملاحي ورادار مراقبة سطحية، ومنظومة إعاقة إلكترونية ومنظومة معاونة.

وأبرز الطائرات والمروحيات المستخدمة عادة على متن حاملات الطائرات الأميركية هي:
(Harrier GR - 7) ، و(Sea Harrier F/A2) و(Sea King HAS - 6)، المجهزة لقتال الغواصات، و(Sea King AEW - 2)، المجهزة بنظم الإنذار المبكر. 

وفي منتصف العام 2012، برز تطوّر جديد في الوجود الأميركي في الخليج، تمثل في نشر غواصات صغيرة غير مأهولة، تستخدم لتمشيط وإزالة الألغام البحرية في منطقة عمل الأسطول الخامس، الذي يُعنى بالممر المائي الممتد بين مضيق هرمز وقناة السويس. وفي السياق ذاته، جرت مضاعفة عدد كاسحات الألغام الأميركية في الخليج ليبلغ ثماني كاسحات.

هذا الخليج قد يشهد حرباً جديدة، ولكن وفقاً لمسارين مختلفين للأحداث: الأول هو اندلاع حرب على خلفية البرنامج النووي الإيراني، تقود إلى إغلاق مضيق هرمز. والثاني، إقدام إيران على إغلاق المضيق نتيجة لتوتر سياسي، فيقود ذلك إلى حرب أميركية إيرانية

وكانت وزارة الدفاع الأميركية قد أبلغت الكونغرس، في فبراير/شباط 2012، بخطط لتعزيز الدفاعات العسكرية في مضيق هرمز وحوله. وشملت هذه الخطط نشر عتاد لكشف الألغام وإزالتها، ونشر أجهزة مراقبة، إضافة إلى مشروع لتعديل منظومات البوارج، لتستطيع مواجهة الزوارق الحربية السريعة.

ثالثاً: هرمز بين خياري الحرب والسلم
والسؤال الآن هو: أين تتجه التطوّرات في هرمز، ومعه الخليج برمته؟

نحن حالياً أمام سياسة يُمكن تعريفها بسياسة الحافة، وهي تمارس على نحو يومي. وهذه السياسة حبلها قصير بطبعه، فهي إما تقود إلى اتفاق، أو حد أدنى من التوافق، انطلاقاً من الشعور بحساسية الوضع، أو تنتهي بانزلاق الأطراف المختلفة إلى حرب غير محسوبة العواقب، أو على الأقل غير مبرمجة على مستوى التوقيت والأفق.

هذا الخليج قد يشهد حرباً جديدة، ولكن وفقاً لمسارين مختلفين للأحداث: الأول هو اندلاع حرب على خلفية البرنامج النووي الإيراني، تقود إلى إغلاق مضيق هرمز. والثاني، إقدام إيران على إغلاق المضيق نتيجة لتوتر سياسي، فيقود ذلك إلى حرب أميركية إيرانية. 

وهكذا، فإن إغلاق المضيق يبقى قاسماً مشتركاً للمسارين.

ووفقاً لبعض الباحثين الأميركيين، فإن إيران، في مسار حرب تشن على خلفية برنامجها النووي، لن تلجأ إلى "أسوأ أشكال الانتقام، مثل إغلاق مضيق هرمز، أو إطلاق صواريخ على جنوب أوروبا"، ما لم يشعر قادتها بأن النظام قد "تعرض لتهديد وجودي كبير".

وربما تكمن مخاوف إيران -برأي هؤلاء الباحثين- في إمكانية نجاح الولايات المتحدة في تعطيل مركز القيادة والسيطرة، أو تدمير الترسانة الصاروخية الإيرانية في ضربة استباقية، الأمر الذي يُغري القيادة العسكرية في طهران لإطلاق أكبر عدد ممكن من الصواريخ في وقت مبكر من اندلاع الحرب.

كذلك، فإن الطابع اللامركزي للقوات المسلحة الإيرانية، قد يتسبب، برأي المحللين الأميركيين، في ردود فعل غير مخطط لها في الأصل، وهو الأمر الذي من شأنه أن يوسّع دائرة المعركة في مياه الخليج الضيقة.

حصلت إيران مؤخرا على "آلاف الألغام البحرية، والمئات من صواريخ كروز، وعلى الرغم من ذلك، فإن أحداً لا يُمكنه التنبؤ بمسار أي حرب قادمة في المنطقة، فهذه الحرب لن تكون في حال اندلاعها حرباً محدودة، بل إقليمية في حدها الأدنى

ووفقاً لتقرير أعده مكتب الاستخبارات البحرية الأميركية، في سبتمبر/أيلول من العام 2009، فقد أعادت إيران تطوير وهيكلة قواتها البحرية، على نحو يعطي الحرس الثوري كامل المسؤولية عن العمليات في مياه الخليج، في حال نشوب نزاع عسكري.

ويمتلك الحرس الثوري، وفقاً للمصادر الدولية، 700 موقع على طول الضفة الشرقية للخليج، يمكن أن يستخدمها في عملية إغلاق المضيق بواسطة ما يملكه من زوارق صواريخ وزوارق انتحارية، أو عبر زرع الألغام البحرية.

وحصلت إيران، في السنوات الأخيرة، على "آلاف الألغام البحرية، والمئات من صواريخ كروز، وربما أكثر من ألف زورق للهجوم السريع"، كما جاء في تقرير لقائد سلاح البحرية الأميركية عام 2010.

وعلى الرغم من ذلك، فإن أحداً لا يُمكنه التنبؤ بمسار أي حرب قادمة في المنطقة، فهذه الحرب لن تكون في حال اندلاعها حرباً محدودة، بل إقليمية في حدها الأدنى.

أما السؤال عما إذا كان بمقدور إيران إغلاق مضيق هرمز أم لا؟ فالإجابة هي أن إغلاق المضيق يبدو ممكناً من الزاوية العملية، ويبقى القرار في هذا الشأن قراراً سياسياً وحسب.

وحتى بالافتراض جدلاً تعسر إغلاق المضيق، فإن مجرد تبادل القصف الصاروخي بين طرفيه، أو في داخله، يعني عملياً شل كامل الملاحة فيه. بل الأكثر من ذلك، إن اندلاع الحرب سيعني أيضاً شل الملاحة في خليج عدن ومضيق باب المندب، لأن القصف الصاروخي سيمتد لهذه المنطقة، كنتيجة بديهية لخارطة الانتشار العسكري الراهن لأطراف الصراع.

ولا يجوز لأحد، بحال من الأحوال، أن يُهوّن من سيناريو الحرب المحتملة، أو من تداعياتها، التي يُمكن رؤيتها من الآن بالعين المجردة، وعلى من ليس له دراية بالأمن أن يلتزم الصمت، حتى لا يضلل الرأي العام من حيث لا يشعر.   

من ناحيتها، فإن الولايات المتحدة الأميركية معنية بطرح مزيد من المبادرات، التي من شأنها طمأنة أبناء المنطقة بأن الحرب ليست خياراً يلوح في الأفق، وأن إرادة التسويات السياسية ثابتة ومستمرة، ومقدمة على ما سواها.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك