وحيد مفضل

وحيد مفضل

باحث وكاتب علمي مصري

عجائب الكون كثيرة، ومعجزات الخالق أكثر وأكثر، بل هي لا تعد ولا تحصى. وتمثل الفيروسات إحدى أبلغ هذه المعجزات، حيث تتجلى معالم قدرة وعظمة الخالق في بساطة تركيب هذا المخلوق وفي قدرته -رغم هذه البساطة- على التنقل والتطور وعلى الفعل والتأثير.

فهذا المخلوق، الذي قد لا يزيد حجمه على 50 ميكرون، أي أقل من سمك شعرة الرأس أو صفحة كتاب، يستطيع إصابة الإنسان والحيوان والنبات بمئات بل آلاف الأمراض، وبعض منها فتاك ويؤدي حتما إلى الوفاة. ونفس هذا المخلوق، لا يمكن للحياة أن تستمر بدونه، إذ يعزى إليه وإلى غيره من الكائنات الأخرى الدقيقة الفضل في تحلل أجساد الموتى، واستمرار -بالتالي- دورة الحياة على وتيرتها الحالية.

كما يعزى للفيروسات أيضا الفضل في تغيير مجرى التاريخ الإنساني في كثير من الأحيان، وفي زوال حضارات ومجتمعات كثيرة، وبزوغ نجم حضارات وقوى أخرى، فلولا فيروس غرب النيل مثلا الذي أودى بحياة القائد المقدوني العظيم الإسكندر الأكبر في ريعان شبابه، بحسب ما هو مرجح، لكانت الإمبراطورية اليونانية قد توسعت أكثر وأكثر، ولربما كانت هي المسيطرة على العالم حاليا.

الإنسان للأسف قد استغل الفيروسات على اختلاف أنواعها في السفك والقتل، وذلك بانتهاجه أسلوب الحرب البيولوجية، وبتعمده نشر الضار منها وسط الأعداء والجماعات المقاتلة المضادة

وعلى هذا النحو، فقد تسبب ذلك المخلوق الضئيل في فناء ملايين الأشخاص عبر الأزمنة الماضية، وهذا من خلال الإصابة بالأمراض الفيروسية سواء كانت قديمة مثل الجدري والحصبة والإنفلونزا، أو حديثة مثل الإيدز والسارس.

الأقسى من هذا، أن الإنسان للأسف قد استغل الفيروسات على اختلاف أنواعها في السفك والقتل، وذلك بانتهاجه أسلوب الحرب البيولوجية، وبتعمده نشر الضار منها وسط الأعداء والجماعات المقاتلة المضادة، كما حدث مثلا من بريطانيا حينما تعمدت نشر فيروس الجدري في حربها ضد الهنود الحمر في أميركا عام 1763، وأيضا من فرنسا حينما استخدمت نفس الفيروس عند غزوها للأراضي الكندية.

ونافلة القول، أن الإنسان قد تعرض منذ نشأته الأولى إلى حروب قاسية من قبل الفيروسات، وهذه الحروب وإن كان بعضها من صنيعة الإنسان نفسه، إلا أنها أدت في النهاية إلى فناء أعداد هائلة من الأرواح البشرية.

واليوم يبدو أن الإنسان مع بوادر حرب جديدة مع الفيروسات، نأمل أن تكون مجرد سحابة دخان، وهذا مع عودة ظهور فيروس "الأيبولا" القاتل بالكونجو، وفيروس "كورونا" المشابه للسارس بالخليج والحجاز، وانتشار كل من فيروس "غرب النيل" و"هانتا" بأميركا، على ما سببه انتشار هذه الفيروسات من قلق ممتد وخسائر بشرية ومادية جسيمة في أكثر من بقعة بأنحاء الأرض.

ترى هل هي مجرد صدفة تتابع ظهور وانتشار كل تلك الفيروسات خلال هذه الفترة الوجيزة؟ أم أن الأرض لم تخل يوما من فيروس فتاك أو ضار؟ وترى هل تتحقق تخوفات بعض العلماء باندلاع وباء فتاك عما قريب جراء تفشي أحد هذه الفيروسات؟

قطعا لا توجد إجابة حاسمة على هذه الأسئلة؟ فالفترة القادمة كفيلة وحدها بالبيان وبحسم كل ما هو قائم من هواجس وتوقعات. لكن الواجب على كل الحال، لا سيما في هذه الآونة، هو التسلح بالمعرفة والوعي بمخاطر الفيروسات والأوبئة المسببة لها، وبسبل الوقاية منها، وهذا هو أضعف الإيمان.

ماهية الفيروسات ومخاطرها
الفيروسات هي مخلوقات طفيلية متناهية في الصغر ومتناهية أيضا في البساطة، حيث تتكون من نواة مركزية من الحمض الأميني النووي (RNA أو DNA)، محاط بها غلاف خاص مصنع من البروتين أو الشحوم أو السكريات.

للفيروسات أشكال عديدة منها الكروي والعصوي، إلا أنها تنقسم إلى عدة أنواع. فهناك فيروسات حيوانية لا تصيب إلا الحيوانات، ونباتية لا تصيب إلا النبات، وبشرية لا تصيب إلا الإنسان

ولعل أكثر ما يلفت النظر للفيروسات، أنها لا تستطيع التكاثر الذاتي أو النمو إلا في وجود خلية حية عائلة. ومعنى هذا أن الفيروسات لا تستطيع القيام بأية عملية حيوية أو حتى التنفس، إذا كانت هي خارج هذا العائل. لذا فإن البعض يعتبرها -في حالتها المنفصلة المجردة- على أنها حالة وسط بين الحياة والجماد.

وللفيروسات أشكال عديدة منها الكروي والعصوي، إلا أنها تنقسم إلى عدة أنواع. فهناك فيروسات حيوانية لا تصيب إلا الحيوانات، ونباتية لا تصيب إلا النبات، وبشرية لا تصيب إلا الإنسان، وهناك أيضا فيروسات مختلطة، يمكن أن تصيب كلاً من الإنسان والحيوان، مثل الفيروسات المسببة لإنفلونزا الطيور والخنازير وداء الكلَب والحمى الصفراء وحمى الببغاء، وغيرها.

وتتسبب الفيروسات في تدمير الخلايا المضيفة، ومن ثم ضعف ووهن الكائن الحي الحاضن لها، سواء كان إنسانا أو حيوانا أو نباتا. فالفيروس عندما ينجح في الدخول إلى أحدى الخلايا الحية، يبدأ في تسخير كل مكوناتها لصالحه، كما يبدأ في التكاثر والنمو بداخلها بشكل تتابعي مولدًا ملايين الفيروسات الجديدة، ومسببا في النهاية انفجارها.

والفيروسات كائنات سريعة الانتشار، حيث يمكنها الانتقال من خلال التنفس أو المعاشرة الجنسية، أو عبر نقل الدم وأحيانا عبر الماء والطعام أو عن طريق الحشرات التي ينسب لها وحدها إصابة الإنسان بحوالي 180 فيروسا مختلفا. غير أن من نِعَم المولى علينا ولطفه بنا، عدم قدرة هذه الفيروسات على مقاومة الحرارة العالية أو المواد المطهرة، وهو ما يسهم كثيرا في القضاء على نسبة كبيرة منها.

هذا ويمكن الوقاية من الفيروسات عن طريق استعمال اللقاحات والأمصال الفيروسية التي يجرى تحضيرها أو تصنيعها معمليا، حيث تحتوي هذه اللقاحات على ما يعرف باسم "الأنتجينات"، والتي تقوم بحفز الجسم على إنتاج أجسام مضادة للفيروس، وتحصين -بالتالي- المستقبل للمصل من الإصابة بالعدوى.

وبطبيعة الحال، تشكل الفيروسات والأمراض والأوبئة الناشئة عنها، عبئا ضخما على الدول المعرضة لها وعلى العالم أجمع، وهذا بسبب تهديدها المتكرر للأمن الصحي وسلامة المجتمعات البشرية بشكل عام، وبسبب الخسائر الاجتماعية والاقتصادية والتنموية الهائلة المترتبة عليها.

قُدّرت الخسائر المادية المترتبة على مرض السارس عام 2003، رغم محدودية انتشاره وعدم تحوله إلى وباء، بنحو 40 مليار دولار. كما قُدّرت تكلفة انتشار إنفلونزا الطيور عام 2008، بأكثر من ثلاثة تريليونات دولار

ففيروس الإنفلونزا الإسبانية على سبيل المثال، قد تسبب في فناء ما يقرب من 40 مليون شخص خلال العام 1918 حينما تحول الفيروس إلى وباء. وهو ما تكرر -وإن كان بشكل أقل حدة- في حالة إنفلونزا هونغ كونغ خلال العام 1968. أما مرض نقص المناعة المكتسبة (الإيدز) فمسؤول وحده عن ما لا يقل عن 1.5 مليون وفاة سنويا.

وبالنسبة للجانب الاقتصادي، فقد قُدّرت -على سبيل المثال- الخسائر المادية المترتبة على مرض السارس خلال العام 2003، رغم محدودية انتشاره وعدم تحوله إلى وباء، بنحو 40 مليار دولار. كما قُدّرت تكلفة انتشار وباء إنفلونزا الطيور عالميا خلال العام 2008، وهو أمر كان مرجحا حدوثه آنذاك، بما يزيد على ثلاثة تريليونات دولار.

عولمة الفيروسات والفزع
على الرغم من كل الجهود الطبية والعلمية المبذولة، إلا أنه لم يمكن الوصول حتى الآن إلى سبب قاطع أو محدد يفسر أسباب تفشي الفيروسات والأمراض الوبائية بشكل عام، أو يفسر أسباب تزايد معدلات ظهور الفيروسات وانتشار الأنواع الجديدة منها بصورة وبائية عبر أصقاع وبقاع مختلفة وغير مترابطة من العالم، وكل ما قيل في هذا الشأن، لا يغدو كونه اجتهادات وفرضيات نظرية، لا أكثر.

لكن هناك -وكما أوضحنا سالفا- خمسة أنماط لانتقال الفيروسات والأمراض بين البشر: إما عن طريق الانتقال عبر الهواء أو الماء أو الدم، وإما عن طريق الاتصال المباشر، وإما عبر حاملات الأمراض من الحشرات وغيرها من الحيوانات العائلة للجراثيم.

وهذه الأنماط موجودة منذ قديم الأزل، ولا جديد في الأمر، لكن السبب الرئيس في سهولة وتزايد انتشار الفيروسات والأمراض بين البشر خلال الآونة الأخيرة، وفي تزايد قدرة الفيروسات على التحور وعلى التطور، يعود إلى عاملين أساسيين:

الأول تزايد تنقل وترحال البشر عبر أرجاء العالم المختلفة، نتيجة سهولة السفر وتزايد وسائل النقل والمواصلات الحديثة، ورخص تكلفتها، ونتيجة أيضا تطبيق مفهوم العولمة، بما يعنيه هذا من إذابة الحدود بين الدول وتزايد نقل البضائع والأشخاص عبر الحدود الجغرافية والسياسية الكائنة.

عولمة الفزع، جانب لا يمكن إغفاله عند مناقشة فكرة عولمة الأوبئة وأسباب انتشارها، وقد يفسر أسباب استنفار كل القوى حال الإعلان عن أي تهديد فيروسي أو قرب انتشار وباء ما

والثاني، يتمثل في تزايد اقتراب وتماس الإنسان مع الحيوان بشكل لافت عما قبل، بل خروج هذه العلاقة عن إطارها التقليدي المعروف، إلى إطار آخر أكثر اختلاطا وأكثر استغلالا، سواء تمثل هذا في معايشة الحيوانات ليل نهار، أو مخالطتها جنسيا وهو ما يحدث للأسف في بعض الأحوال، أو تمثل في محاولة استخدام الحيوان الحاضن لفيروس ما في الحرب الجرثومية أو الإرهاب البيولوجي، وخروج هذا الفيروس عن نطاق السيطرة، وهذا ما يشاع مثلا عن سبب ظهور الأيبولا بأفريقيا.

عولمة الفزع، جانب آخر، لا يمكن إغفاله عند مناقشة فكرة عولمة الأوبئة وأسباب انتشارها، وقد يفسر أسباب استنفار كل القوى حال الإعلان عن أي تهديد فيروسي أو قرب انتشار وباء ما.

فلا يمكن إنكار مثلا دور الانتشار الإعلامي الواسع وتطور تقنيات التواصل وتبادل المعلومات، أو تطور وسائل التشخيص الطبي، في سرعة الكشف عن الطفرات الجينية الحادثة وسرعة المعرفة بها في ربوع العالم المختلفة.

كما لا يمكن إنكار دور الخوف الأزلي والغريزي من الأوبئة وبلاياها، في إشاعة الفزع والاستنفار بين المجتمعات العالمية حال الإعلان عن ذلك، أو دور هذا كله في الإيحاء بزيادة معدلات انتشار الأوبئة أو الأمراض الفيروسية عبر العالم، وهذا على غير ما يشي أحيانا الواقع.

لكن، وأيا كانت العوامل المسببة والمساعدة، تظل الفيروسات والأمراض الناشئة عنها، مصدر الخطر الأول المحيق بالبشر فعلا، وهذا من واقع أعداد الإصابات والوفيات الهائلة الناتجة عنها، ومن واقع الخسائر المادية والتنموية والاقتصادية المترتبة عليها. والأرقام السابقة المذكورة آنفا بهذا الخصوص، تدل بشكل واضح على هذا المعنى.

سبل النجاة والخلاص
المعنى من كل ما سبق، أن هناك صراعا قائما، ما بين الأمراض الوبائية وخصوصا الفيروسات، وبين الإنسان، ونحسب أنه سيستمر على هذا الحال إلى يوم المآل.

نجاح العلماء في القضاء بشكل شبه نهائي على عدد من الأمراض الفيروسية، مثل الجدري وشلل الأطفال، يعطي الأمل في إمكانية تحقيق نجاحات مماثلة بالنسبة لبقية الأمراض الأخرى المعضلة

وهذا الصراع يدور في فلك واحد مساره انتشار فيروس ما جديد أو قديم بشكل تدريجي أو مفاجئ، تعقبه محاولات حثيثة من قبل الإنسان من أجل مجابهة انتشار الفيروس ووقف تأثيره عن طريق استخدام الأمصال وغير ذلك من العلاجات، تتبع ذلك محاولة ومعاودة الفيروس في الظهور ثانية بشكل جديد أو من خلال سلالة مستحدثة وغير معروفة أو مخلق لها ترياق شافٍ.

لذا فاستمرار الإنسان في هذا الصراع وتفوقه فيه يستلزم من المجتمعات الإنسانية اتخاذ خطوتين رئيستين: الأولى التنبه والبقاء على يقظة من تطورات الأمراض والطفرات الفيروسية المفاجئة، وهذا لن يتأتى إلا من خلال التقدم العلمي ومن خلال استمرار التجارب الطبية والسريرية الساعية لرصد المرض والهادفة لوقاية البشرية من براثن الفيروسات القديمة والناشئة.

ولعل نجاح العلماء في القضاء بشكل شبه نهائي على عدد من الأمراض الفيروسية، مثل الجدري وشلل الأطفال، يعطي الأمل في إمكانية تحقيق نجاحات مماثلة بالنسبة لبقية الأمراض الأخرى المعضلة.

والخطوة الثانية تقوم على ضبط العلاقة القائمة حاليا بين الإنسان والحيوان، لأن هناك أنماط اختلاط غير مناسبة ما بين الطرفين، وهناك أيضا أنماط استغلال مسيئة وغير صحية أو أخلاقية للحيوان من قبل الإنسان، ونحسب أن بعضها مسؤول بدرجة أو أخرى عن ظهور أنواع فتاكة من الفيروسات، وعن انتشارها بين البشر، ومن ذلك مثلا الفيروس المسبب للإيدز.

لذا فليس أقل من الانتباه لخطورة ما يجري، وليس أقل من العودة إلى الفطرة الأولى، وتعاليم الأديان، التي تحض على الرفق بالحيوان، وعلى تقييد وتحييد الاختلاط المباشر بها، أو استغلالها بطريقة ضارة أو مسيئة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك