عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني


القطيعة السياسية
الدور الإقليمي
جس النبض

لا يمكن الاستخفاف بالأهمية الفائقة لتطورات الحراك المصري على إسرائيل، فقد تواصلت المتابعات الحثيثة لتطورات الموقف الميداني هناك، على مختلف الأصعدة السياسية والأمنية والعسكرية، وطغى المشهد المصري، على مجمل التحركات السياسية الإسرائيلية، الداخلية والخارجية، بحيث لم يبد ما يحصل في شوارع القاهرة والإسكندرية والسويس شأنًا مصريًّا داخليًّا، وإنما إسرائيليًّا بامتياز!

القطيعة السياسية
عقدت المحافل السياسية ودوائر صنع القرار الإسرائيلي سلسلة من الجلسات لمناقشة التقديرات الاستخبارية للموقف المصري، بمشاركة أعضاء مجلس الوزراء المصغر للشؤون السياسية والأمنية، وكبار ضباط هيئة الاستخبارات العسكرية، وجميع الجهات والمراجع المختصة في شؤون تقديرات الموقف، وأكدت جميع التوصيات الصادرة على اقتناع حقيقي مفاده أهمية اتفاق السلام مع مصر، لكونه أخرجها، وهي أكبر دولة عربية، من دائرة الصراع، وغيّر قواعد اللعبة.

السلام بين مصر وإسرائيل كان مع حكام، وليس مع الشعب، وهو ما يعني أن وتيرة التطبيع ستتراجع، وأي علاقة بينهما ستكون محفوفة بالمخاطر في المدى الزمني المنظور

يجري ذلك في ظل تخوف إسرائيلي من تداعيات فوز الرئيس محمد مرسي، والإجراءات المتلاحقة التي يقوم بها في "إعادة قولبة" المنظومة الهيكلية للدولة، لاسيما في شقيها الأمني والعسكري، مما قد يؤثر على استقرار إسرائيل في المنطقة.

وقد طرحت تخوفات من فرضية انسحاب مصر، ولو نسبيًّا، من محور "الاعتدال العربي"، مما يُشكّل خطرًا أمنيًّا وجغرافيًّا وسياسيًّا كبيرًا على إسرائيل، لأنها تعيش في منطقة غير مستقرة، ومن شأن الخطوات والتطورات المصرية الداخلية أن تعزّز زيادة حاجاتها الأمنية، وميزانيتها، فضلاً عن تفاقم العزلة الدولية التي تعزّزت ضدها، والتحول البادئ في الظهور في توازن القوى الإقليمية عقب صعود الإسلاميين.

ومما يعزز ذلك، ازدياد برودة السلام "البارد أصلاً" بين مصر وإسرائيل، ويمكن ملاحظة المؤشرات الدالة على ذلك بتوقف الأولى عن تزويد الأخيرة بالغاز الطبيعي، وعودة بعض الرموز الإسلامية إلى القاهرة بعد نفي دام عشرات الأعوام، مما يؤكد أن السلام كان مع حكام، وليس مع الشعب، وهو ما يعني أن وتيرة التطبيع ستتراجع، وأي علاقة بينهما ستكون محفوفة بالمخاطر في المدى الزمني المنظور.

الدور الإقليمي
ثمة قلق إسرائيلي آخر يتمثل باستفادة الإسلاميين من التغيير الحاصل والمتواصل في مصر، لأنهم الأكثر تنظيما وخبرة في العلاقة مع المجتمع، بفعل ملكيتهم للجمعيات والمستشفيات والنوادي، وأغلب استطلاعات الرأي والانتخابات النقابية والسياسية الأخيرة أعطتهم الوزن الأكبر قياسًا بغيرهم.

وبعد فوز الرئيس مرسي، واليقين بتوجهه لإعادة تشكيل منظومة صنع القرار في الدولة، بعكس ما رغبته "سفن إسرائيل"، بدأت الأخيرة تعد العدّة، وطلبت من الولايات المتحدة ودول الغرب رهن تأييد "مصر الجديدة" بشرط الاحترام الكامل لاتفاق السلام معها، وعدم المساس بها مطلقًا.

كما جرت اتصالات مكثفة بين تل أبيب وواشنطن بشأن ما يحدث في القاهرة، وأوفدت وزارة الخارجية عددًا من قياداتها الدبلوماسية، إلى بعض العواصم الغربية، لعقد سلسلة من اللقاءات العاجلة مع المسؤولين فيها، للإعراب عن أملهم بأن تتحقق السيناريوهات "المتفائلة" بشأن تطورات الأحداث في مصر، وليس "المتشائمة"، التي من شأنها أن تلحق ضررًا كبيرًا باتفاق السلام.

ورغم استبعاد التوصيات الأمنية المقدمة لدوائر صنع القرار في تل أبيب إلغاء القاهرة لاتفاق "كامب ديفد"، فإنها في المقابل ستتوقف عن لعب "دور النجاة" لها، لإخراجها من العزلة الدولية المفروضة عليها، وستقوم بتحسين علاقاتها مع الفلسطينيين عمومًا، مما دفعها لقراءة ما يحدث فيها، باعتباره "مأساة" ستحل بها، وترجيح عودة العلاقات إلى ما كانت عليه عام 1966، قبل احتلال الأراضي العربية في عدوان 1967، مما يطرح تخوفًا إسرائيليًّا كبيرًا، من إمكانية أن يكون النظام المصري الجديد على شاكلة تركيا اليوم.

بصورة أكثر تفصيلاً، تفترض إسرائيل أنّ الإخوان المسلمين، سيسيطرون على مقاليد الحكم في مصر، بما فيها الجيش الأقوى في الشرق الأوسط بعد الجيش الإسرائيلي، وهنا تكمن مشكلتها الكبيرة، لأنه قد يعني تحديدهم للأجندة السياسية في المنطقة خلال العقود القادمة القريبة.

أكثر من ذلك، فإن التخوف الإسرائيلي الأساسي من مصر "مرسي"، نابع من الآثار الخطيرة على أمنها الحدودي، مع التشديد على تهريب السلاح في الأنفاق لقطاع غزة، وتعزز قوة حركة حماس، مما سيُؤثر عليها، لأن انصراف الجيش المصري لتفريق المتظاهرين، والسيطرة على الشارع، سيدفع حركات المقاومة بغزة لاستغلال فقدان التركيز لتهريب السلاح والذخيرة إليها عبر سيناء، ووصول "خلايا مسلحة" إليها للقيام بعمليات فدائية.

بات واضحًا أن إسرائيل من الناحيتين الأمنية والاستخبارية تخشى مما يحصل من تحولات في مصر، وترى فيها تهديدًا وجوديًّا لكيانها، ولهذا فهي تكن العداء للنظام الجديد، دون الإفصاح عن ذلك

وبات واضحًا أن إسرائيل من الناحيتين الأمنية والاستخبارية تخشى مما يحصل من تحولات في مصر، وترى فيها تهديدًا وجوديًّا لكيانها، ولهذا فهي تكن العداء للنظام الجديد دون الإفصاح عن ذلك، لأنه أحدث "اختلالاً أمنيًّا" في خريطة "الجغرافيا السياسية" للمنطقة ليس في صالحها بالتأكيد، فخسارتها للنظام السابق، الحليف لها، أدت ضمنيًّا إلى فقدانها التفوّق النوعي والهيمنة على منطقة الشرق الأوسط.

ومع توالي الأحداث في مصر، استيقظت إسرائيل على واقع جديد يتشكل في الجارة الجنوبية، فاتسمت تعليقاتها بالتخبط حينًا، وبإظهار اتزان مفتعل حينًا آخر، وتبادل الاتهامات بين المستويات الأمنية والسياسية والعسكرية حينًا ثالثًا، ليصل الأمر إلى اتهام الحكومة بأنها تنتهج "سياسة النعامة"، وتخفي رأسها في الرمال.

وبالتالي وجد الجيش الإسرائيلي نفسه فجأة أمام جبهة عسكرية جديدة، تتمثل في مصر جنوبًا؛ وهو ما يعني أن وضع إسرائيل الإستراتيجي والعسكري في الشرق الأوسط سيتغيّر، بما يحمله من تقدير بالإساءة لوضعها الأمني، ويتطلب أن تأخذ مخاطر أكبر فيما يتعلق ببناء قوتها التسلحية، وحاجتها الملحة نحو مواجهة التحديات الجديدة، فالمحيط من حولها يتغير بسرعة، وما يحصل على الجبهة المصرية يعد التغيير الأبرز على الصعيد العسكري منذ عام 1982.

وأعلن سلاح الهندسة إغلاق عدة طرقات على الحدود مع مصر، بواسطة جدران ذات فتحات شبكية دقيقة، يتعذر دخول الأصابع من خلالها، سيضع على حافتها زوايا حديدية حادة، لا تسمح لأحد بوضع يده عليها، وستقوم أجهزة المراقبة والتحكم الأرضية بإنشاء مراكز للإشراف عليها، ولن يكون ذلك بديلا عمَّا تقوم به وزارة الحرب من بناء جدار حدودي مع مصر، يتكون من سياج ومنظومات إنذار ومراقبة.

جس النبض
طبقًا لتقديرات عسكرية إسرائيلية، فإن التغيرات الإستراتيجية الدراماتيكية في مصر في الطريق لأن تبلغ مرحلة النضوج، وهي تقديرات تقف في صلب خطط العمل التي يعتمدها الجيش، وتستلزم القيام باستعدادات سياسية وعسكرية لمنع هذه التغيرات من التحوّل إلى تهديدات إستراتيجية، ويلزم اتخاذ أربع خطوات على المدى القريب في الجانب العسكري، وهي:

1- إعادة احتلال محور صلاح الدين الحدودي بين غزة ومصر.
2- بناء قوة الجيش بمنأى عن الفرضية السائدة منذ 30 عاما، وفحواها أن مصر لم تعد عدوًّا عسكريًّا.
3- تسريع عملية بناء الجدار في منطقة الحدود مع مصر.
4- زيادة الاعتماد على الغاز الطبيعي من حقول الغاز الموجودة في مياه إسرائيل الإقليمية.

ويمكن القول إن القراءات السياسية الإسرائيلية تبدي اعتقادًا بأن تسارع تشكل النظام المصري الجديد، ستكون له تأثيرات سلبية بالغة الأهمية على وضعها الإقليمي، فمن الممكن على المدى البعيد تعرض اتفاقية السلام للخطر، وهذا التحدي الأكبر الإستراتيجي بعد دعم الولايات المتحدة، مما دفعها لوصف ما يحدث في مصر بأنه "إنذار إستراتيجي" لإسرائيل.

وباتت إسرائيل تعيش بفعل الأحداث المصرية الجارية من الناحيتين الإقليمية والدولية "ضائقة إستراتيجية" تتمثل في تحول مصر من حليفة وحريصة على المصلحة الإسرائيلية إلى "معادية" في حدها الأقصى، أو "غير محايدة" في حدها الأدنى، وهو ما من شأنه أن يلقي بظلال ثقيلة على قراراتها، لأنها ستكون مضطرة، من الآن فصاعدًا لإدخال العامل المصري، وردّ فعله في حساباتها، لدى اتخاذ أي من قراراتها.

وبالتالي، ما زال ذات السؤال يطرح نفسه في الأوساط والدوائر الإسرائيلية حول حجم الضرر في العلاقات مع مصر، وصيرورة النظام الحالي، وهل سيكون براغماتيًّا يحافظ على اتفاق السلام الموقع بينهما، أو أن العلاقات ستشهد انتكاسة جديدة؟ بعد أن مثل النظام السابق دور الكابح لحركة حماس، وقوة قادرة على التضييق على الدبلوماسية الإيرانية، فضلاً عن دوره بوصفه وسيطًا بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية.

الأنظمة السياسية الجديدة، وعلى رأسها المصري، باتت أقل خضوعًا للمطالب الإسرائيلية بفعل تنامي وزن الشارع العربي في القرار السياسي، مما قد يخلق حالة من الاضطراب الواسع في المنطقة

وعلى المستوى الإسرائيلي المباشر، تمحورت المناقشات حول حقبة النظام المصري الجديد في ثلاثة أبعاد:

1- البعد الاقتصادي: يرى الباحثون الاقتصاديون الإسرائيليون أن خروج مصر من الصراع منذ 1977 قلّص الإنفاق الدفاعي من 24% من إجمالي الناتج المحلي في ثمانينيات القرن الماضي إلى 7% حاليًّا، مما يعني أن سياسة مصر "الجديدة" ستغير المناخ السياسي للمنطقة بشكل قد يقود إلى "كارثة اقتصادية"، لأن إسرائيل ستعيد توزيع مواردها بين الدفاع والاقتصاد السلمي، و"إعادة هيكلية الموازنة" بشكل كامل، مما سينعكس على مستوى الرفاه العام للمجتمع، وقدرة الدولة على تسوية المشكلات الاجتماعية.

2- البعد السياسي، وتتعدد زواياه: فمن جانب يسعى بعض الإسرائيليين للتأكيد على أن الثورات في العالم العربي لم تضع القضية الفلسطينية في صلب شعاراتها، بل الاستبداد السياسي والفقر، لكن الأنظمة السياسية الجديدة، وعلى رأسها المصري، باتت أقل خضوعًا للمطالب الإسرائيلية بفعل تنامي وزن الشارع العربي في القرار السياسي، مما قد يخلق حالة من الاضطراب الواسع في المنطقة بشكل يؤثر على الولايات المتحدة وأوروبا في ظل أوضاع اقتصادية دولية خانقة.

غير أن تيارًا آخر يرى أن النظام المصري الجديد "خطفه" الإسلاميون، مما يجعل إسرائيل أكثر حذرًا في موضوعات التسوية، لأن المنطقة مقبلة على حالة من عدم الاستقرار، ويستدعي خطوات استباقية منها، وبعضهم دعا إلى إعادة احتلال قطاع غزة، لأن الإخوان المسلمين في ظل المناخ السياسي الجديد في مصر سيمدونه بالعون العسكري، بشكل يهدد أمن إسرائيل.

أخيرًا.. يمكن تحديد أبرز ملامح القلق الإسرائيلي من التطورات المتلاحقة في مصر بالفشل الذريع في توقع حدوثها، وتقدير مسارها، بل يمكن القول إن التفكير العربي في مجمله كان أكثر إدراكاً لما يجري، وقد شمل الفشل الإسرائيلي مراكز دراساتهم واستخباراتهم، وتقديرات مفكريهم على اختلاف توجهاتهم، إلى جانب الارتباك الشديد في قراءة النتائج المترتبة على سياسة النظام الجديد، رغم أن السمة العامة في إسرائيل أكثر ميلاً للتشاؤم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك